ما تعلمه أجهزة الاستخبارات الأمريكية عن التهديدات ضد خاشقجى؟

ديفيد إجناشيوس



ما تعلمه أجهزة الاستخبارات الأمريكية عن التهديدات ضد خاشقجى؟



 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

يجب أن تجرى السعودية تحقيقا جادا دون محاذير فى ما يبدو أنه قتل بشع لكاتب الرأى المشارك بجريدة «واشنطن بوست» جمال خاشقجى. إن علاقة المملكة بالولايات المتحدة، وكذلك وصولها للأسواق المالية العالمية، على المحك.

 

ولكن فى الوقت نفسه، ينبغى أن تبدأ لجنتا الاستخبارات بمجلسى الشيوخ والنواب تحقيقا رقابيا عاجلا فى ما كانت تعلمه أجهزة الاستخبارات الأمريكية عن التهديدات ضد خاشقجى، وأيضا فى تقاريرهم وتحليلاتهم الأوسع عن السعودية وولى عهدها العنيد محمد بن سلمان.
 

وينبغى أن يركز تحقيق الكونجرس هذا أولا على «واجب» الأجهزة الاستخباراتية فى «تحذير» خاشقجى من أى تهديد قاتل، وهذا لأن إقامته بالولايات المتحدة أهلته ليكون «شخصا أمريكيا» يتوجب تحذيره فى مثل هذا الشأن. وينبغى أن يبحث التحقيق كذلك عن أى إشارة للاستخبارات الأمريكية عن «إم. بى. إس»، كما يعرف ولى العهد، قد وجهت من قبل بيت ترامب الأبيض لأسباب سياسية. وينبغى أن يدرس التحقيق أيضا المشكلة الأكبر للرؤية الأمريكية لداخل المملكة، والتى لطالما كانت ثقبا أسود لأجهزتنا الاستخباراتية.
 

وسيفشل تحقيق الكونجرس الجهد الواضح من البيت الأبيض لوضع غطاء على المعلومات المتعلقة بالسعودية. وكان عضو مجلس الشيوخ الجمهورى عن ولاية تينيسى بوب كوركر قد اشتكى يوم الأربعاء قائلا: «أعتقد أنهم لا يريدون أن نرى المعلومات الاستخباراتية».
 

وخلاصة الكلام هى أن السعودية أمام نقطة تحول وجودية. والولايات المتحدة تحتاج بشكل عاجل إلى فهم كيف وصلت المملكة إلى هذه الفوضى المروعة وإلى أين تتجه.
 

قال لى صديق سعودى إننا بصدد نقطة ارتكاز غير متوقعة فى التاريخ، تشبه قليلا اغتيال الأرشيدوق فرانز فيرديناند فى يونيو ١٩١٤ أو محاولة اغتيال الضباط الألمان الفاشلة لأدولف هتلر عام ١٩٤٤. قد يبدو مقتل خاشقجى الواضح غير ذى أهمية بالمقارنة إلا أنه قد بدأ سلسلة من الأحداث قد تغير الشرق الأوسط.
 

وينبغى أن يكون تحقيق الكونجرس سريا، لأنه سيتضمن معلومات شديدة الحساسية. وينبغى على اللجنتين مراجعة كل الأشياء المتعلقة بالسعودية المتضمنة فى الإحاطات الرئاسية اليومية منذ تولى دونالد ترامب. فإذا كانت الإحاطات اليومية قد افتقدت تطورات هامة، لماذا حدث ذلك؟ هل أعدت وكالة الاستخبارات المركزية «سى. أى. إيه» تحليلا نفسيا لـ«إم. بى. إس»؟ ماذا قال؟ هل عزز مجتمع الاستخبارات معلوماته عندما بدأت التقارير عن وفاة خاشقجى فى الظهور؟ هل طلب البيت الأبيض أو مجلس الأمن القومى القيام بأى مهام خاصة؟ هل تجاهل أو صرف ترامب أو مساعدوه النظر عن أى معلومات حيوية؟
 

وفى ما يلى بعض الأسئلة المحددة التى آمل أن تدل تحقيق اللجنتين:
منذ تولى الملك سلمان فى يناير ٢٠١٥، ماذا كان دور «هيئة البيعة»، الكيان الذى من المفترض أنه يشرف على الانتقالات السياسية السعودية؟ ماذا كانت تعلم الـ«سى. أى. إيه» عن تصديق الهيئة السريع على تصعيد «إم. بى. إس» إلى منصب ولى ولى العهد فى أبريل ٢٠١٥، ثم إلى منصب ولى العهد فى يونيو ٢٠١٧؟ ما تقييم المحللين لدور الهيئة المحتمل الآن بينما يحاط «إم. بى. إس» بالشكوك؟

 

عندما استبدل «إم. بى. إس» بمحمد بن نايف كولى للعهد، هل حصلت الولايات المتحدة على تحذير مسبق؟ هل أثرت العلاقة الشخصية الوثيقة بين «إم. بى. إس» وصهر ترامب ومستشاره جاريد كوشنر على تقييم الولايات المتحدة للانقلاب ضد نايف، شريك الـ«سى. أى. إيه» القديم؟ هل أثر الميل المؤيد لـ«إم. بى. إس» على تجميع الاستخبارات الأمريكية للمعلومات وتحليلها لها بشكل آخر؟

 

عندما أمر «إم. بى. إس» فى نوفمبر ٢٠١٧ باعتقال أكثر من ٢٠٠ سعودى، من بينهم أمراء، ما التقييم الذى قدمه مجتمع الاستخبارات؟ عندما مات اللواء على القحطانى، الذى كان مساعدا لأحد أبناء الملك الراحل عبد الله، بينما كان أسيرا، هل حاولت الـ«سى. أى. إيه» اكتشاف ما جرى؟
 

عندما حاول السعوديون فى صيف ٢٠١٦ اعتقال واختطاف من الخارج رجل أعمال بارز يهم «إم. بى. إس»، هل كانت الاستخبارات الأمريكية على علم؟ أفادت التقارير الصحفية بأن الفريق أول يوسف بن على الإدريسى، نائب رئيس المخابرات الذى زعم أنه قد أرسل لتنظيم عملية «التسليم» هذه، أقيل عندما عاد خالى الوفاض. هل سألت الـ«سى. أى. إيه» لماذا؟
 

عندما أصبح اللواء أحمد العسيرى نائبا لرئيس الاستخبارات العام الماضى بديلا عن الإدريسى، دخل حلقة ولى العهد الضيقة. ماذا فعلت الاستخبارات الأمريكية عندما علمت الشهر الماضى أن العسيرى يشكل «فريق النمور» للعمليات السرية الخاصة؟ ماذا يعلم مجتمع الاستخبارات عن الخطط السعودية التى أفادت بها التقارير هذا الأسبوع عن تحديد أن العسيرى هو الجانى فى مقتل خاشقجى؟
 

قالت لى مصادر سعودية إن أولئك الذين يعارضون «إم. بى. إس» يحتشدون فى هدوء حول الأمير أحمد بن عبد العزيز، آخر الأبناء المتبقين للملك المؤسس عبد العزيز بن سعود. هل قدمت أجهزة الاستخبارات الأمريكية للبيت الأبيض أى تقييمات عن رؤى أحمد وآفاقه السياسية؟ هل من شأنه إضفاء الاستقرار على المملكة بعد زلزال «إم. بى. إس» أم هل سينتج المزيد من عدم الاستقرار؟
 

هذه أسئلة تطفلية، ولكن تلك طبيعة المراقبة الجيدة. لقد خلقت لجنتا الاستخبارات بالكونجرس لمثل هذه اللحظات. ويجب عليهما القيام بمهمتهما على نحو عاجل، إذ يبدو أن شخصا مقيما بالولايات المتحدة قد قتل بطريقة وحشية فى إسطنبول، فماذا كانت تعلم الاستخبارات الأمريكية، ومتى علمت به؟

...

ديفيد إجناشيوس
كاتب صحفى وروائى أمريكى، محرر مشارك وكاتب عمود فى جريدة «واشنطن بوست» الأمريكية، يستضيف بالمشاركة مع الصحفى والمذيع فريد زكريا حوارا على الإنترنت عن القضايا الدولية، كتب عددا من روايات الجاسوسية من بينها «جسد من الأكاذيب» (Body of Lies)، والتى حولها المخرج ريدلى سكوت إلى فيلم سينمائى.

 



أقرأ أيضا

البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
البلد

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.
يرحمكم الله

البخارى يرد البخارى فى أحاديث الغيب

لماذا اختلف البخارى ومسلم فى صحة الرواية عن الخوارج؟ هل كانت السُّنة ستضيع لو لم يقم البخارى وغيره بتدوين الأحاديث؟ هل أحاديث البخارى مسلمٌ بها حتى لو خالفت العقل والمنطق؟ هل مصطلح الحديث الصحيح يفيد اليقين بأنه قول النبوة؟
تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟