القفز فوق «الحرب المقدسة»

طارق سعيد أحمد



 القفز فوق «الحرب المقدسة»



يستعرض المؤلف «فيليب بورجوه» تاريخ الدين فى الغرب فى كتابه «منابع تاريخ الأديان» ترجمة فوزية العشماوى، والصادر مؤخرًا عن المركز القومى للترجمة.

ويخلص إلى أن هذا المصطلح «دين» يتغير على مدى الزمان، وأننا لا نتوقف عن بناء وإعادة بناء ما نطلق عليه مصطلح «دين».


مُقترحًا بذلك أن نتجاوز الإشكاليات التى يثيرها هذا الجدل وأن نخصص الوقت الكافى لنتأمل ونحلل الدين، خصوصًا أن تعدد المذاهب الدينية، أو ما يسميه المؤلف إعلان «الحرب المقدسة» يثير الجدال حول الكثير من المفاهيم المتناقضة؛ مثل ارتداء الحجاب أو عَلمانية الدولة وتدريس الدين فى المدارس.

الأمر الذى تساءل عنه الكاتب وعبّر عن مخاوف متمثلة فى أن هناك العديد من المناسبات تجعلنا نتساءل عن العودة المحتملة لكل ما هو دينى.


وطرح المؤلف نفس الأسئلة القديمة جدا فى التعامل مع الدين فى الغرب، تحت عنوان «ازدواجية الصورة»، مُستدعيًا القرن الثانى الميلادى الذى عاش فيه الكاتب الساخر «لوسيان» الذى كانت له مؤلَّفات حول تاريخ الأديان، والتى كانت تتسم أفكارها بالسخرية.


وفى أحد مؤلفاته الناجحة، حلل بتفصيل شديد النجاح حكاية النبى الكذاب «إسكندر أبونوتيكوس» وثعبانه الإله «جليكون»، تلك الحيّة القاتلة التى تتلوّى حسب رغباته، والتى كان النبى الكذاب يخفى رأسها الحقيقى تحت معطفه ويستبدل به رأسًا آخر صناعيًّا يقوم بتحقيق التنبؤات بواسطة بعض الحيَل المُقنعة.


يناقش بورجوه كتاب لوسيان «خطاب عن التضحيات» بتصدير إصرار لوسيان على حقيقة أن الذين يدخلون المعابد ويجدون أنفسهم واقفين أمام تمثال الإله لا يتخيلون أنهم واقفون أمام تمثال مصنوع من العاج الهندى ومُطعم بالذهب، لكنهم يشعرون أنهم يرون ابن الإله «ساترون» والإله «رينا» الذى أنزله «فيدياس» من السماء والذى يشعر بالسعادة عندما يقدمون له كل خمس سنوات قُربانًا فى معبد «الألمبيا».


ويتضح من هذه الملاحظات المتوافقة مع بعضها، سواءً من لوسيان أو من المؤلفين المسيحيين الآخرين أن الصورة المقدسة خادعة ولكنها دون أدنى شك، ورغم ذلك، ذات تأثير.


لا يشتبك بورجوه مع الدين ولا يصطدم بالشكل المباشر مع تقاليد وأساليب التعبد المختلفة، لكنه يتعامل مع علم «تاريخ الأديان» بوصفه تخصصًا أكاديميًّا مستقلا وعلمًا غير طائفى ولا دينى بحت.


حيث كان من المأمول فى نهاية القرن التاسع عشر الذى ازدهر فيه علم تاريخ الأديان فى فرنسا ثم إنجلترا ثم فى سويسرا وهولندا وبلجيكا، تحويل بعض كليات دراسات اللاهوت إلى كليات لعلوم تاريخ الأديان، قبل صعود العلمانية المُعادية لكل ما هو لاهوتى.

ويكفى لفهم ذلك متابعة الجدال المستمر، والذى يبدو أحيانًا مَنسيًّا وأحيانًا أخرى مدفونًا، لكنه يدور ويتحرك بعنف فى الأوساط التى يلتقى فيها علماء اللاهوت وعلوم تاريخ الأديان، لندرك أن العوائق تزداد.
يبث الكاتب فيليب بورجوه من خلال كتابه «منابع تاريخ الأديان» رسالة مكثفة للعالم مُفادها أن نتخلص من عاداتنا فى التفكير فى ما يتعلق بالدين والسياسة إذا أردنا دراسة تاريخ الأديان، وليس تصنيع علم لاهوتى للأديان دون أن ندرك ذلك، خصوصًا أن الرجوع إلى العوالم القديمة جدا يفرض نفسه علينا لإلقاء الضوء على ما يكون الجدال الساخن الحالى، وهذا يبدو أكثر قربًا من الحقيقة؛ لأن «سوبر ماركت ما بعد الحداثة» يلتحم بصورة مدهشة مع العالم المتعدد والناعم للمعتقدات والممارسات التى ترجع إلى ما قبل الاختراع المسيحى الأوروبى.



أقرأ أيضا

البلد

السعودية وحماية الملاحة البحرية

يطلق علماء النفس على بعض اللحظات المهمة والتاريخية " الوقت القيم "، بمعنى أنه الوقت الذي تعظم فيه الاستفادة من الأحداث الجارية، وبما يخدم التوجهات الاستراتيجية للدول والمؤسسات وحتى للأفراد.
البلد

المستقبل الروسي.. ملامح وتحديات

مرّت روسيا الاتحادية بمراحل صعبة، سياسياً واقتصادياً، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفقدت خلال عقد من الزمن سمتها وهيبتها ومكانتها الدولية، وغرقت داخلياً في مجموعة من المشكلات الاجتماعية والثقافية...
البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة