عندما تعانى مصر من وباء السلفية.. تمرض لكنها لا تموت




 عندما تعانى مصر من وباء السلفية.. تمرض لكنها لا تموت



منذ منتصف السبعينيات من القرن الفائت، شهدت الساحة المصرية تصاعدًا متناميًا للنزعة السلفية التى صاحبها تديُّن شكلانى، وتراجع متوتر للإسلام ذى الصبغة المصرية الوسطية التى تحمل مركزية الدولة ذات التعدد الدينى المتجذِّر فى التاريخ، فعرفت مصر -يومئذ- شكلا دينيًّا عسيرًا ذا مرجعية سعودية وهابية لا تعرف التعددية، ولا تفهم معنى الدولة المركزية المتحضرة، فانتشر لابسو الجلاليب السعودية القصيرة، والقمصان الأفغانية الواسعة، وفشا ارتداء النقاب بين سيدات الطبقات الفقيرة، وكذا السيدات اللائى هاجرن مع أزواجهن إلى دول الخليج، خصوصًا السعودية، بعد الطفرة النفطية التى شهدتها تلك الدول إبان حرب أكتوبر 1973.


وقد ساعدت سياسات الرئيس الراحل محمد أنور السادات على ذلك؛ فقد أخرج الرجل عفريت الجماعات الإسلاموية من القمقم ليحارب به نظام الرئيس جمال عبد الناصر، كما اعتمد السادات قوانين الانفتاح الاقتصادى فباتت ثقافة الاستهلاك هى السائدة، فتآكلت الطبقة الوسطى، وتراجعت الثقافة الحرة المتحررة، بالتزامن مع انهيار التعليم بجميع مراحله وفساد مناهجه، وتعاظُم الفساد الحكومى، وتآكل الوحدة الوطنية وتهرُّئها بسبب ممارسات الجماعات الإسلاموية الجهادية المتشددة، بل بسبب الرئيس السادات نفسه الذى أسبغ على نفسه لقب «الرئيس المؤمن» وكأنه يميّز نفسه كرئيس للمسلمين دون المسيحيين؛ ما هيَّأ المناخ والتربة الخصيبة لتمدد السلفيين، على اختلاف مناهجهم ومآربهم، فى محافظات مصر، خصوصًا محافظات الصعيد، فمارس الجهاديون منهم أشكالا وألوانًا من الأعمال الإرهابية؛ كالهجوم على الملاهى الليلية ومحلات بيع الكحوليات، والسطو المسلح على محلات الذهب التى يمتلكها مسيحيون، وغير ذلك من ألوان الإرهاب باسم الدين، أما المعتدلون منهم ممن لا يمارسون الجهاد علانية، إما خوفًا أو انتظارًا لقوة، فقد مارسوا ما يُعرف باسم «البيزنس الإسلامى»، وتمثل ذلك فى شركات السياحة الفاخرة التى تستقطب الأغنياء والفنانين ولاعبى كرة القدم وغيرهم، فتوفر لهم رحلات حج وعمرة ذات طبيعة وإمكانيات فاخرة، كما ظهر ذلك البيزنس فى صورة شركات توظيف الأموال التى روّج لها كبار أشياخ التليفزيون -آنئذ- فحققت أرباحًا طائلة، وتم التنسيق مع السلفيين السعوديين لتنمية ذلك البيزنس وتدويره وتدعيمه أيضًا؛ ما أدى إلى تنامى القاعدة الاقتصادية للتيار السلفى والتنظيمات المختلفة التى يحويها بداخله.


ولعل ظهور التيار السلفى بشكل قوى منذ سبعينيات القرن الفائت وحتى الآن، يُعد دليلا على تَضَعْضُع التيارات الفكرية الأخرى فى مصر، إذ لم يجد السلفيون قوة مدنية تواجههم فى ظل ارتخاء يد الدولة وارتعاشها وتواطئها وتلاطفها معهم، كما أن حالة السيولة المالية التى يسكبها السعوديون كل حين على تلك الجماعات السلفية جعلت منهم وحشًا اقتصاديا لا يُبَارَى، فتذهب بعض التقديرات غير الرسمية إلى امتلاكهم نحو 13 ألف جمعية خيرية تتلقى دعمًا ماليًّا مستمرا داخليا وخارجيا، وكذا نحو 35 قناة فضائية تضمن لهم انتشارًا مذهبيا وأيديولوجيًّا عميقًا وسريعًا بين الجماهير.

يقول الدكتور سمير أمين: «إذا كان تيار الفكر السلفى يشغل اليوم مقدمة الساحة، ويبدو -بفعل الضجة التى تحدثها تجلياته- كما لو أنه يسيطر عليها بلا منافس تقريبا، فإن ذلك يرجع إلى أن التيارات الفكرية الأخرى متأزمة، وأنه تغلب على أزمته الخاصة».


وتذهب تقديرات إحصائية إلى أن عدد السلفيين فى مصر الآن نحو مليونى عنصر من جميع التنظيمات والتيارات التى تنتمى إلى الفكر السلفى، وأكثرهم من الشرائح الدنيا والمتوسطة سوسيولوجيًّا وتعليميًّا، لكنهم ينتشرون انتشارًا كبيرًا فى معظم محافظات مصر، خصوصًا الإسكندرية والبحيرة والدقهلية ودمياط وسيناء.

«وقد لقيت النزعة السلفية انتشارًا ملحوظًا خارج القاهرة، حيث المؤثرات الوافدة ضعيفة أو معدومة، مع نمط بسيط للحياة الاجتماعية والإنتاجية لا يتطلب حلولا تركيبية وإضافات جديدة؛ ولهذا يسود هذا النمط الفكرى أحادى الطبيعة، والقاطع الحاسم، والملتزم بمعيار ثابت وقيَم متجانسة موحّدة، على عكس الفكر التوفيقى الذى ينشأ فى العواصم والأمصار ومناطق العمران والمراكز التجارية ونقاط التبادل الحضارى والتفاعل الثقافى» [محمد جابر الأنصارى: الفكر العربى وصراع الأضداد، طـ بيروت، ص35، محمد حافظ دياب: السلفيون والسياسة، طـ هيئة الكتاب، ص198].


ولست فى هذا المقال بمحلل تاريخى للحالة السلفية الماضية والراهنة فى مصر الآن، بل إننى عمدت إلى الاستناد إلى لمحات من التاريخ كى أنطلق إلى نقطة حيوية تسهم فى فهم طبيعة التيارات السلفية وتطورها السياسى النوعى والحركى، ذلك أن تاريخ المدّ السلفى فى مصر لم يكن بمعزل -إطلاقًا- عن السياسة والأيديولوجيا، على عكس ما هو شائع عنهم من ابتعادهم عن السياسة كالمتصوفة ومن لفّ لفَّهم، فلم تغب السياسة يومًا عن مشروعهم منذ الحنابلة وأهل الحديث وحتى اليوم، فهم ينظرون إلى السياسة نظرة براجماتية تتسم بالتدرُّج، إذ تشكل العقيدة محورًا أوليًّا وجوهريًّا فى منظومتهم الفكرية، ثم ينطلقون بعدها إلى السياسة بمفهومها الشرعى الذى يعنى «سياسة التدابير الشرعية»، أو «الأحكام السلطانية»، أو غير ذلك من مصطلحات تجمع بين السياسة والشرع، وفق منظورهم الفكرى ذى النزعة النصية الحديثية التى ساعدتهم على تلفيق أحاديث قاموا بتصحيحها لتتناسب مع ما يبتغون إقراره وتفعيله على مراد الحاكم.


وفى مصر، قامت تنظيمات سلفية بتشكيل أحزاب دينية ذات مَسْحة سياسية شكلية، على الرغم من اعتراض بعض أقطابهم وأشياخهم الكلاسيكيين على ذلك، لكنه اعتراض لطيف يتم فى ما بينهم دون إبرازه فى صورة صراع أو ما شابه ذلك، وأضحت التيارات السلفية اليوم مبرزة فى صعيد العمل السياسى المتلبّس بالدعوة. ومما ساعدهم على ذلك ظهور حراك سياسى فعال عقب ثورة يناير 2011، وما تبعها من شرَه سياسى للتيارات الإسلاموية المختلفة وكذا شرَه دعَوى إرشادى فى ظل غياب للأزهر وفساد فى دعوته ومناهجه.

وتبدو الدعوة السلفية بالإسكندرية وحزبها السياسى «النور» فى صدارة المشهد حاليا، فهى الدعوة التى استثمرت بنجاح -بمساعدة الدولة- سقوط الإخوان الإرهابيين فى 30 يونيو 2013، وموّهت على الدولة بكونها فصيلة سياسية ذات نزعة دينية تتحالف مع النظام وتحفظ التوازن بين التيارات الإسلاموية المختلفة؛ ما حدا بالدولة إلى التواطؤ معها ومساعدتها على الرغم من خطورة ذلك، وفداحة نتائجه المتوقعة.


إن تحركات السلفيين اليوم فى مصر تشهد نهوضا متفردًا، فى ظل عجز التيارات السياسية الأخرى عن التواصل مع الجماهير، وإقناعهم بأهدافهم ورؤاهم المختلفة، وفى ظل هذا العجز الفادح ستظل حركة التيارات السلفية فى تنامٍ وتصاعد مستمريْن، خصوصًا والدولة تمنحهم رفاهية الحركة والتفاعل مع الناس بصورة مستمرة، وتغض الطرف عن صلاتهم المتتالية غير المنقطعة مع السعودية الوهابية التى تغدق عليهم المال الوفير فى صورة دعم للجمعيات الخيرية التى فى حوزتهم، وهو ما يشى بخطورة اجتماعية ودينية سيدفع المجتمع المصرى، بل الدولة، ثمنها -عاجلا أو آجلا- ما لم يتم تمصير الدين والفكر مرة أخرى بعيدًا عن ثقافة الصحراء العسيرة الساذجة.



أقرأ أيضا

فن

غاب القمر

في مسلسل "لعبة العروش" الشهير بأجزائه المتعددة، ستجد استلهامًا دراميًّا للتراث الأدبي العالمي كله، ستجد مسرحيات شكسبير و"ألف ليلة وليلة"، وستجد عديدًا من القصص التي تم اقتباسها دون تردد أو أدنى إشارة.
البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...