حين قال الرسول إن شارب الخمر يحب الله ورسوله!

سمير درويش



 حين قال الرسول إن شارب الخمر يحب الله ورسوله!



لم يحرم القرآن الكريم الخمر تحريما نصيا واضحا ومباشرا، كما حرم الميتة والدم ولحم الخنزير فى الآية 173 من سورة البقرة: «إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم»، وإنما ورد ذكر موقف الإسلام من الخمر فى الآية 90 من سورة المائدة: «يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون»، وحيث إن القرآن نص لغوى فى الأساس، فثم فارق واضح وكبير ومعلوم بين «التحريم» و«الاجتناب»، وحيث إن القاعدة الفقهية عند كثيرين من الفقهاء وأهل التفسير والاجتهاد هى أن الأصل هو الإباحة، ولا تحريم إلا بنص صريح، فهو الأمر الذى يستلزم النظر فى موضوع شرب الخمر وحدوده بشىء من الهدوء والتبصر فى ضوء القرآن الكريم والسنة وما تواتر فى كتب السير والتاريخ.


الخمر فى الآية الثانية يقاس على الميسر والأنصاب والأزلام لأن حكمهم واحد، وليس من الفهم الصحيح قياسه على الميتة والدم ولحم الخنزير لأن حكمهم أشد وأوضح ولا مجال لمناقشته، وبالتالى فإن من «يحرمون» الخمر «لغة» إنما يقيسون على ما لا يقاس عليه، ويساوون بين غير المتساوى، فلو أن الله تعالى أراد تحريم الخمر لذكر ذلك صراحة فى سورة البقرة ضمن المحرمات، وهو لم يفعل، وذكر ابن كثير فى تفسيره قوله تعالى «رجس من عمل الشيطان»، قال على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: أى سخط من عمل الشيطان.

وقال سعيد بن جبير: إثم. وقال زيد بن أسلم: أى شر من عمل الشيطان، واجتنبوه أى اتركوه.


والترك موضح سببه فى الآية التالية مباشرة: «إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون»، وفى تفسير الطبرى لهذه الآية يقول: قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنما يريد لكم الشيطان شرب الخمر والمياسرة بالقداح، ويحسن ذلك لكم، إرادة منه أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى شربكم الخمر ومياسرتكم بالقداح، ليعادى بعضكم بعضا، ويبغض بعضكم إلى بعض، فيشتت أمركم بعد تأليف الله بينكم بالإيمان، وجمعه بينكم بأخوة الإسلام، أى أن الاجتناب يهدف إلى عدم الوقيعة بين الشاربين، فماذا لو شرب الإنسان وحده فى مكان مغلق؟ وماذا لو لم يكن للخمر تأثير عليه يفقده السيطرة على نفسه، ومعلوم أن التأثير يختلف باختلاف الناس؟


لفظة «الخمر» نفسها مختلف عليها فى اللغة، وبين الأئمة الأربعة، وبينهم وبين المحدثين، لكن هذا ليس مجال شرحه، واجتنابه قياسا على الميسر والأنصاب والأزلام يوضح المقصود، فالميسر مختلف عليه عند الدارسين، فإذا قرأنا ابن كثير سنجد أن عليا بن أبى طالب قال: الشطرنج هو الميسر، وقال سفيان عن آخرين: كل شىء من القمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز، وقال موسى ابن عقبة عن نافع عن ابن عمر: الميسر هو القمار، وقال مالك عن داوود بن الحصين: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين، وقال الزهرى عن الأعرج، قال: الميسر والضرب بالقداح على الأموال والثمار، وهناك تفسيرات أخرى كثيرة شديدة الابتعاد والاختلاف، لكن يشتف منها فكرة النهى عن المخاصمة والمقاتلة التى تنتج عن الرهان فى اللعب، وهو نفسه ما نصح باجتنابه فى الخمر.


لكن البعض يستند فى «تحريم» الخمر إلى أحاديث وردت فى البخارى ومسلم وغيرهما، مثل الحديث الذى أورده مسلم «2003» عن رسول الله أنه قال: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام»، والحديث الذى رواه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله: «كل مسكر خمر وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر فى الدنيا ومات وهو يدمنها لم يشربها فى الآخرة»، والحديث الوارد فى البخارى «5256» عن النبى أنه قال: «ولا يشرب الخمر وهو يشربها وهو مؤمن»، وهناك أحاديث أخرى وردت فى مراجع أخرى تصب فى الاتجاه نفسه، اتجاه «تحريم» الخمر، ومشكلتها أنها تعارض القرآن بشكل صريح وواضح، وتميل إلى مزاج الراوى أكثر مما إلى النص القرآنى، كما أنه لا يستقيم عقلا أن يحرم الله الخمر فى الدنيا، ويجعلها مكافأة للأتقياء فى الآخرة!


وفى الآية 219 من سورة البقرة توضيح أكثر، ودليل أوضح على عدم التحريم، يقول تعالى: «يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما»، وورد فى تفسير الطبرى أن الإثم أن الرجل يشرب فيسكر فيؤذى الناس، وهو ما سبق توضيحه على أن المقصود هو الإيذاء، أى أثر الخمر لأنه متفاوت، أما منافع الخمر فهى دواء لبعض العلل يلجأ إليه الأطباء فى بعض الحالات.


هذا الارتباك فى موضوع التحريم والتحليل، الناتج عن خلط المرغوب بالحقيقى والمنصوص عليه، ينعكس كذلك على «الحد» المفروض على شارب الخمر، ففى أحد التسجيلات للشيح مصطفى العدوى يقول بالنص: «لم يحد النبى حدا صريحا لشارب الخمر، فمرة ضرب بالجريد والنعال دون عدد، ومرة ضرب نحوا من أربعين على عهد النبى، وعمر كان يجلد ثمانين، وعمرو بن العاص أضاف إلى الجلد حلق الشعور، وعلىّ يقول: ما أقمت الحد على أحد من الناس فوديته إلا شارب الخمر، لأن النبى لم يحد فيه حدا»، ووديته أى دفعت ديته، والمقصود أنه لو مات الذى تقيم عليه حد الزنا لم يكن عليك دية، وتكون عليك لو مات فى حد الخمر.


وفى صحيح البخارى، كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر «6398»، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنى الليث، قال: حدثنى خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن يزيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب: أن رجلا على عهد النبى كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا، وكان يُضْحِك رسول الله، وكان النبى قد جلده فى الشراب، فأتى به يوما فأمر به فجلد، قال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، قال النبى: لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله. والمعنى أن الرجل معتاد على شرب الخمر وتلقى العقاب، وأن النبى ينهى عن لعنه لأنه يحب الله ورسوله، وهو ما يتعارض كليا مع الحديث الوارد فى البخارى نفسه -السابق ذكره- الذى يقول إن من يشرب الخمر لا يشربه وهو مؤمن.
ويتعارض كذلك مع الحديث الوارد فى سنن أبى داوود «3189» عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه»، فكيف بالله ينهى الرسول رجلا عن لعن الشارب فى حديث البخارى، ويلعنه الله فى عليائه فى حديث أبى داوود؟!


كما أن الشيخ حسن أبو الأشبال الزهيرى فى «شرح صحيح مسلم- كتاب الحدود- حد الخمر» يقول إن النبى ضرب شارب الخمر أربعين ضربة بجريدتين، ما مجموعه ثمانون جلدة، وهو ما يتساوى مع الحد الذى طبقه عمر بن الخطاب، ما يُثبِت -من وجهة نظره- حد شرب الخمر بثمانين جلدة، وهو ما يختلف مع كل الآراء التى ذهبت إلى أنه لم يثبت حد معين، ولا طريقة محددة، والأقرب للمنطق أن الرجل حين شرب الخمر، وأتى بذنب ترتب عليه، عاقبه النبى على فعلته، دون أن يكون العقاب منصوصا عليه، وقد فعل لأن الرجل كان قريبا منه، ويضحكه، واستاء حين دعِى عليه، وقد فعل ذلك أيضا عمر بن الخطاب حسب تقديره، وتبعهما علىّ بن أبى طالب، لكن التفسيرات المتطرفة فى التحريم والتجريم وإقامة الحد من صنع قائليها، وهى تستند إلى قناعاتهم وما يحبون، ولا تستند إلى القرآن والتفاسير وصحيح الدين.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...