الأسباب الحقيقية وراء تحريم إمامة المرأة الرجل

شاهيناز وزير



الأسباب الحقيقية وراء تحريم إمامة المرأة الرجل



عندما يتعلق الأمر بإمامة المرأة الرجال، ينتفض المعارضون أيما انتفاضة قد لا نجدها فى أمور أخرى أولى، ذلك لأنهم يرون وفق ما تربوا عليه أن قيادة المرأة لهم فى أمر من الأمور انتقاص لرجولتهم وربما كان هذا ما يغضبهم أكثر من حلية أو حرمانية الأمر نفسه وفق الأدلة الدينية.

ويجب أن نعترف أن أول شىء يتبادر إلى أذهاننا عند التفكير فى إمامة المرأة الرجال هو ذلك المشهد الذى نجد فيه الرجل المأموم يتفحص جسد المرأة الإمامة، وأظن أن هذا يقول الكثير عنا كما يعبر بدقة عما ننشغل به على الدوام، والذى نجعله دومًا معيارًا للنظر إلى الأشياء والحكم على القضايا الدينية وغير الدينية.


وقد كان للراحل جمال البنا كتاب حول هذا الموضوع بعنوان «جواز إمامة المرأة الرجل» كتبه على خلفية قيام أمينة ودود بإمامة رجال ونساء فى صلاة مختلطة، عام 2005، والتى قامت بسببها الدنيا ولم تقعد.

وقد تناول المفكر الإسلامى فى النصف الأول من كتابه ما صدر من بحوث وبيانات من المؤسسات الدينية الرسمية حول العالم تنتقد ما حدث بشدة، وأما النصف الثانى من كتابه، فجاءت آراؤه عن الأمر، والتى ستأتى السطور القادمة على ضوئها.


يتمسك المعارضون إمامة المرأة بأن تكون الذكورة شرط الإمامة فى الصلاة، وتتلخص أدلتهم الشرعية فى: أولا، أنه لم يعرف فى عهد النبى، عليه الصلاة والسلام، أن النساء أممن الرجال فى الصلاة، وثانيًا، بعض أحاديث منسوبة للنبى منها «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» و«خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها».

ثالثًا، الآية الكريمة «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم». يذكر أنه حتى إمامة المرأة النساء تم الاختلاف عليها بين فقهاء المذاهب الأربعة، فقد استحب فقهاء الشافعية والحنابلة ذلك، وجاء فى «المبدع» أنه «إذا صلَّت المرأة بالنساء قامت وسطهن فى الصف كما عرف عن عائشة وأم سلمة»، كما استدلوا على جواز ذلك أيضًا بحديث أم ورقة أن النبى كان يزورها فى بيتها وجعل لها مؤذنًا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها -وربما كان هذا الحديث الوحيد الذى نجده للنبى بخصوص إمامة المرأة- إضافة إلى أنه ثبت عن السيدة عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء وتقوم وسطهن. لكن الحنفية والمالكية قالوا بعدم جواز إمامة المرأة النساء،  وجاء فى «البحر الرائق»: «وكره جماعة النساء لأنها لا تخلو عن ارتكاب محرم وهو قيام الإمام وسط الصف فيكره كالعراة»، وقد استدلوا بحديث عبد الله بن مسعود: «أخروهن حيث أخرهن الله»، ووجه الدلالة فى الحديث أن النبى أمر بتأخير النساء فلو أمتهن إحداهن لخالفت هذا التوجيه النبوى لأن الإمامة تتقدم، والنبى أمر بتأخيرهن؛ وعليه فلا تجوز إمامة المرأة النساء.


يذكر أن للحنابلة قولا معتبرًا منصوصًا عليه بجواز إمامة المرأة الرجال فى صلاة التراويح، وهو الأشهر عند المتقدمين، قال الزركشى: «منصوص أحمد واختيار عامة الأصحاب: يجوز أن تؤمهم فى صلاة التراويح انتهى».

وهو الذى ذكره ابن هبيرة عن أحمد فى «الإفصاح عن معانى الإصحاح» وهذا محمول على أن تصلى المرأة القارئة بأهل دارها وأقاربها، وقد قيدها البعض بالمرأة العجوز.


ومخطئ من يظن أن الفقهاء أجمعوا على حرمة إمامة المرأة الرجل، لكن آراء من أجازوها هُمِّشت عند رجال الدين المعاصرين، وكان من هؤلاء الفقهاء القرطبى والمزنى والثورى وابن عربى.


وأما عن الرد للمعارضين، فبشأن أنه لم يعرَف فى عهد النبى أن النساء أمَمن الرجال فلا يمكننا الأخذ بهذا الرأى من حيث المبدأ؛ لأننا أولا وأخيرًا نحتكم إلى كتاب الله لا إلى ما كان سائدًا فى عصر تشبَّع عبر سنين طوال بالجهالة والهمجية، صحيح أن المجتمع الإسلامى فى عهد النبى وقت نزول آيات القرآن التى تؤكد المساواة بين الرجال والنساء فى التكاليف والثواب والعقاب، لم تفكر امرأة فى أن تؤم الناس، ولكن يعود هذا إلى أن المناخ العام والفكرة المتجذرة فى صميم المجتمع عن المرأة ما كانت تسمح بذلك، وشأن هذه الظاهرة شأن آية «فإما منًّا بعد وإما فداء» التى كان يمكن لو طُبقت أن تقضى على الرقّ، ولكن المسلمين لم يطبقوها -رغم أن النبى نفسه طبقها فى أسرَى غزوة بدر وثقيف وهوازن- لا عقوقًا ولكن لأن الزمن ما كان يسمح بتطبيقها؛ فقد كان الرق هو أساس العملية الإنتاجية، كالآلة فى عصرنا، أى أن القرآن أرسى مبادئ المساواة ولكن لم يأمر صراحةً المسلمين بتحرير عبيدهم وإمائهم، فهل تقول إن الإسلام حرَّم إلغاء الرق؟!


ثانيًا، الأحاديث التى يذكرها المعارضون بصرف النظر عن أنها أحاديث آحاد ضعيفة، وبصرف النظر عن المناسبة التى قيلت فيها وما فيها من خلط للأوراق بين موضوع إمامة المرأة ومواضيع وأحداث أخرى، فإنها لم تجزم صراحة بتحريم إمامة المرأة الرجل، وقد رأينا كيف أن الفقهاء استدلوا بتأويلاتهم الأحاديث على تحريم إمامة المرأة حتى النساء.

وإذا كانت إمامة المرأة من مُبطلات الصلاة، فلمَ لم تذكَر مع باقى المبطلات فى آيات القرآن؟ ثالثًا، حديث أم ورقة الذى أرادوا به فى الأساس منع المرأة من الآذان، إذ فيه أن النبى جعل لها مؤذنًا قد احتوى على أمر صريح من النبى لأم ورقة أن تؤم أهل بيتها ولم يقُل النساء من أهل بيتها، فأهل البيت فيهم المحارم الذكور وكذلك غلامها، وقد أمرها النبى بذلك لأن أم ورقة كانت من كُتاب الوحى وحَفَظة القرآن، وبذلك تكون الأولوية لها بعلمها فى الإمامة.

رابعًا، آية «الرجال قوامون على النساء» تناولت القوامة فى الإنفاق لا الإمامة فى الصلاة، كما أنها جاءت فى سياق تناول أحكام الزواج بشكل عام، إضافةً إلى أن المعنى الصحيح للقوامة لا علاقة له بالأفضلية أو القيادة.

خامسًا، أن من أقوى الأدلة التى يبطل بها مزاعم المعارضين هى الآية الكريمة «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة»، ففيها دليل واضح على أن للمؤمنات ولاية على المؤمنين كما للمؤمنين ولاية على المؤمنات، إضافة إلى أن الآية تضمنت إقامة الصلاة.

وما المقصود بالولاية فى إقامة الصلاة سوى الإمامة؟ ومن البدَهى أنه كان على القرآن أن يتعامل مع الحاضر دون أن يغفل المستقبل، ما دام هو الرسالة الأخيرة.

وما لا يمكن تطبيقه وقت نزول الآيات يمكن تطبيقه عندما تتهيأ الظروف وتكون هذه الآيات حاثة على التطور، دافعة له، وحجة يمكن الاستناد إليها، لكننا نأبى إلا أن نعود للوراء.


وإذا عدنا للمشهد الذى ابتدأت به المقالة، فإننا نذكر أن من آداب الصلاة أن ينظر المصلى لمكان سجوده وأن لا يزيغ بصره لغير ذلك، وأنه ليس للنساء ذنب فى أن يحرمن مما أجازه الله لهن لمجرد أننا نعيش فى زمن أشبه بزمن الجاهلية وأن الرجال لا يحسنون الخشوع فى صلاتهم.


وأتساءل: هل إذا وُجدت امرأة عالمة بالقرآن دارسة له، وقد نالت الدكتوراه فى الدراسات الإسلامية، ووُجد جمهور من الشباب أو العمال لا خبرة لهم بالقرآن، هل يجوز فى هذه الحالة أن نقدم جاهلا لأنه رجل على امرأة عالمة لأنها امرأة؟ ألا يعد هذا تمييزًا لا منطق فيه وإعلاءً للجهل على العلم؟!


لقد تغيرت المساجد فى زمننا هذا عما كانت عليه فى زمن النبى حيث كان المسلمون -رجالا ونساءً- يصلون فى المسجد دون الفصل بينهم بستار أو ما شابه، والآن أصبحت المساجد تُقسم على مصلى للرجال ومصلى للنساء، كلٌّ منفصل ومستقل بذاته، ونعرف أنه فى إقامة أى من الفروض أو فى صلاة الجمعة أو التراويح، فالنساء يصلين فى مصلاهن دون رؤيتهن الإمام، هن فقط يستمعن إليه عبر السماعات الداخلية فى مصلاهن.

والسؤال: ما الذى يمنع أن يكون الإمام امرأة فى وضع كهذا لا يرى الرجال والنساء بعضهم، وبالتالى يبطل حدوث أى فتنة؟


والشىء الذى يجب أن ننتبه إليه فى تشريعات الفقهاء القدامى الذين حرَّموا إمامة المرأة الرجل أنهم عندما أجازوا إمامة المرأة للمرأة فإنهم أرادوا أن تكون جماعة النساء مختلفة عن جماعة الرجال بأن جعلوا الإمامة تتوسط الصفوف لا أن تتقدمها كما يفعل الرجل الإمام، فهل يا ترى منعوا تقدم الإمامة المصليات حتى لا تفتنهن أيضًا كما قد تفتن الرجال؟ أم هى الرغبة الدائمة لدى أولئك الفقهاء فى أن يجعلوا الرجال مميزين ومختلفين عن النساء فى جميع الأمور حتى ولو لأسباب تخلو من المنطق وسلامة التفكير، وأن ينفردوا بالقيادة فى كل شىء، حتى إننا لنجد داخل العائلة الواحدة أن الأم يؤمها ابنها فى الصلاة.


معنى هذا أن القضية الحقيقية ليست الإمامة، ولكنها قضية المرأة، وما دام الأمر كذلك فلا يمكن معالجتها من منظور فقهى لأنها أعمق من المعالجة الفقهية، وإنما يمكن المعالجة عندما نتخلص من تلك العقدة المتحكمة فى نفوس الرجال.. عقدة الذكورية.



أقرأ أيضا