التربية المدنية ترفع إنجلترا للسماء وتسقط بفرنسا

عادل أسعد الميرى



 التربية المدنية ترفع إنجلترا للسماء وتسقط بفرنسا



قضيت شهرًا فى فرنسا، وآخر فى إنجلترا.

فى إنجلترا تنقَّلت بين مناطق الإقليم الأوسط «ميدلاند»، بين مجموعة من المدن الصناعية الشهيرة، فى برمنجهام ونوتينجهام ومانشستر وليفربول، حيث يمكن أن نجد أندية كرة قدم تحصد البطولات الدولية، وجامعات عريقة يأتى إليها الدارسون من العالم أجمع، ومتاحف تعرض ثروات الأرض الحضارية، لم يخلُ واحد منها قط من قسم أو حتى حجرة واحدة عن حضارة الفراعنة. القطار يصل إلى موعده بالدقيقة، بل من العجيب أن سيارة النقل العام تصل إلى موعدها بالدقيقة، كل شىء محسوب بدقة شديدة.


الناس يسيرون على الأرصفة ثم عندما يريدون أن يعبروا الطريق من الأماكن المخصصة لعبور المشاة، يضغط واحد منهم على زر أخضر، فتتحول إشارة مرور السيارات فى الطريق إلى اللون الأحمر، وتتحول إشارة عبور المشاة إلى اللون الأخضر، فيعبر المشاة، وهم لا يخشون على أنفسهم من أن يُدهسوا فى أثناء عبورهم الطريق كما يحدث كل يوم فى القاهرة الساحرة العامرة.

كنت أسير فى مدينة ريفية صغيرة وأعبر الطريق بهذا الأسلوب فتتوقّف السيارات رغم أننى العابر الوحيد، ورغم أنه يبدو علىَّ بوضوح أننى أجنبى، فإن المسألة تتعلق بحق من حقوق الإنسان مهما كان لونه أو دينه، الحق فى عبور الطريق، وهو لو تعلمون حق ضائع تمامًا فى مصرنا أمّ الحضارات، أم الدنيا التى «حتبقى قد الدنيا»، كلام ببلاش ليس له أى معنى.


المدينة الريفية الصغيرة لم أجد بها شرطيًّا واحدًا، فلا حاجة للناس إليه، فهم قد تعلّموا احترام القانون فى مدارسهم وهم أطفال صغار، تعلموا ما تسمّيه تلك المدارس «التربية المَدنية civic education»، أى الأخلاق الضرورية اللازمة للناس حتى يتمكنوا من الحياة معًا فى مجتمعات متحضرة، وهى تربية لا علاقة لها -على الإطلاق- بالدين -إسلاميًّا كان أو مسيحيًّا- ولا بالنعرة القومية «خير أمَّة أُخرجت للناس».

عندما كنت أصل إلى محطة أتوبيس فى هذه المدينة الريفية الصغيرة، ثم يصل شخص آخر بعدى، ينتظر أن أصعد أنا أولا إلى الأتوبيس ثم يصعد هو خلفى، وعندما تدخل إلى محل بقالة فى منطقة ريفية منعزلة، تجد الناس قد وقفت فى طابور حتى لا يضيع حق من وصل أولا.

فى إنجلترا -على عكس فرنسا- لم أجد صندوق زبالة واحدًا مقلوبًا على الأرض ومُفرَّغًا من محتوياته، لم أجد أوراقًا مبعثرة فى الطرقات.


لقد وجدت فى إنجلترا حضارة ونظامًا واحترامًا غير موجود حتى فى فرنسا، ففى فرنسا -للأسف- يمكن أن يحدث تزاحم فى القطارات وسيارات النقل العام، ويمكن أن يحدث اضطراب فى الطابور فى المحلات العامة، ويمكن أن يقلب بعض الناس صناديق الزبالة.

هل تعرفون السبب فى هذا الفرق الواضح بين إنجلترا وفرنسا؟ هل يمكن لأحدكم أن يتنبأ؟ نعم، هذه هى الحقيقة الواضحة، ففى إنجلترا لا تجد إطلاقا أية إشارة إلى الله، لا تجد أى لافتات مكتوبة بالعربية أو بالإنجليزية بها حضّ على الفضيلة وعلى ممارسة فرض الخمس صلوات السُّنة وعلى لبس الحجاب.

فى حين أنك فى فرنسا تقابل هذه اللافتات فى كل مكان.

القيم الحضارية الفرنسية فى طريقها إلى الزوال، لو لم تنجح فى التخلّص من تأثير الأقليات العربية المسلمة.



أقرأ أيضا