وجه الشبه بين الضحية والجلّاد

محمد سيد ريان



وجه الشبه بين الضحية والجلّاد



يأتى كتاب «ذاكرة القهر» للدكتورة بسمة عبد العزيز، والصادر عن دار التنوير للنشر، ليتناول قضية التعذيب برؤية موضوعية وعلمية تساعد على وضوح الصورة ونضوج الفكر.


الكتاب ينقسم لستة فصول وتركز بصورة مكثفة على تاريخ التعذيب، بالإضافة إلى الجوانب النفسية والاجتماعية التى تجيد الكاتبة تناولها بطريقة سلسة وممتعة.


ومن أهم القضايا التى يثيرها الكتاب حوادث الاختفاء القسرى، حيث تشير الكاتبة إلى أنها فى كثير من البلدان التى تحكمها أنظمة قمعية، ومثلها حوادث الاختطاف التى تدبرها الأجهزة الأمنية، ويُذكر هنا أن الفترة التالية لثورة يناير المصرية شهدت بلاغات وشكاوى متعددة من أشخاص فقدوا ذويهم لفترات طويلة، ثم ظهر أن هؤلاء المفقودين محتجزون فى معسكرات تابعة للجيش، أو للشرطة العسكرية، أو فى أحد السجون الحربية، وفى أحيان كثيرة داخل معسكرات الأمن المركزى.

من هؤلاء مَن تم تعذيبه بضراوة وخرج مصابًا، ومنهم مَن لقى حتفه، وهناك مَن ألقى به -بعد أن استنفد التعذيب أغراضه- فى منطقة نائية، وعُثر عليه فى حالة صحية مزرية.


كما تذكر الكاتبة أن أفعالا من قبيل التعذيب حتى الموت والتمثيل بالجثث يصعب أن يأتى بها شخص بمعزل عن فكرة الانتقام، كما لا يمكننا أن نغض البصر ببساطة عن العنف المقصود الذى طالما مارسته المؤسسة الأمنية تجاه فئات يتم وصْمها بعبارة «مسجل خطر» لإجبار أفرادها على الطاعة والانصياع إلى أوامر كثيرًا ما تخالف القانون.


كما تحدث الكتاب عما يحدث مع النشطاء السياسيين وأن تعذيبهم يوصف بأنه فعل ذو دلالة عدوانية تجاه المجتمع وليس ضد شخص بعينه، أو جماعة محدَّدة، حيث تستخدم الضحية دائما للإعلان عن القوة المطلقة للنظام وقدرته اللا محدودة على البطش، وحين يفلح الجلّاد فى عزل ناشط سياسى عن محيطه وحياته الاجتماعية، وفى حرمانه من التواصل مع الزملاء والرفاق، وفى تدمير جسده وعقله، لا يكون قد تخلص من مُعَارِض فقط، بل نجح فى كسر إرادة وكرامة المجتمع بأكمله، حيث لا تنفصل ذات الضحية فى هذه الحال عن الذات الكلية للمجتمع، وفى السياق المعتاد الذى تدافع فيه الضحية عن مبدأ أو قضية ما، لا يُمسى الإيذاء أمرًا شخصيًّا بل يخرج إلى العموم، وحين تُنتَهَك الضحية وتُسحَق حقوقها بسبب مواقفها السياسية، يُعانى المجتمع الشىء نفسه.


كما أشارت الكاتبة إلى جزئيات تفصيلية عن التعذيب، أهمها التعمية الجبرية، فتذكر أن تعصيب العينين يشكّل إحدى ركائز السياق المريض الذى تجرى فيه عملية التعذيب، فالشخص الذى يتم تقييد حركته، بادئ ذى بدء، والذى يتم اختطافه فى أغلب الأحوال، يخضع إلى تعمية إجبارية تخدم بدورها مقاصد متنوعة، منها -على سبيل المثال- توفير الحماية للجلّاد بإبقائه مجهولا حيث تعجز الضحية عن الإدلاء بأوصافه فى ما بعد، ومنها أيضًا إبقاء مقار الاحتجاز سرية وآمنة، حيث لا تتمكن الضحية من تحديد المكان الذى سيقت إليه وعُذِّبت فيه. اتبعت هذه الوسيلة بشكل مكثف مع الأشخاص الذين اختطفوا أو ألقى القبض عليهم بعد ثورة يناير.

وجدير بالذكر أن أغلبهم تعرض للتعذيب فى أماكن لم يمكن التعرف عليها قط.


ويشير الكتاب لقصة طريفة وهى أن أحد الأطباء الإنجليز تعرض ذات يوم إلى محنة الاحتجاز والتعذيب، حال اتهامه بالتآمر على إليزابيث الأولى، ملكة إنجلترا، فوصف ما اختبره فى تلك المحنة متوقفًا أمام التداخل العقلى والنفسى المذهل الذى يربط الضحية إلى الجلاد، قائلاً: «صرت مثل كوب من زجاج، مفتت إلى أجزاء كثيرة وصغيرة».



أقرأ أيضا

البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة
البلد

«الإخوان».. من سرقة الدين إلى سرقة أموال الهبات والصدقات

ما كشفه عضو مجلس شورى جماعة "الإخوان المسلمين" أمير بسام، مِن وجود اختلاسات وسرقات من أعلى قيادة في التنظيم الدولي للجماعة ومقره لندن، يدل على أزمة تنفي فكرة النقاء والطهارة التي تدعيها.