الأمة أخذت عن السلف التأويل السياسى للتنزيل الدينى

على أبو الخير



الأمة أخذت عن السلف التأويل السياسى للتنزيل الدينى



يعيش المسلمون على تراث بشرى ينسبونه للإسلام، وكثير منه يخالف الروح القرآنية التى بشَّرت به وأوحيت إلى قلب الرسول الأمين محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، ذلك أنهم قدَّسوا مَن يسمّونهم «السلف الصالح»، وهو تقديس للماضى واستلهام بعيد عن روح الدعوة كما قدّمها النبى، والتى تتمثل فى تطبيق العدل بأنواعه القضائية والاجتماعية والاقتصادية.

 

واستمر المسلمون حتى اليوم يعيشون على الماضى المقدس، وفى فترات النهضة الإسلامية كانت الأمة تُعلى من شأن العقل، وشيوخ الأمة يفترون على خلفاء النهضة؛ مثل المأمون والواثق والخليفة الأموى الأندلسى الناصر، وخلفاء الدولة الفاطمية وغيرهم، شيوخ السلفيين الوهابيين يكفّرون هؤلاء، وباقى الشيوخ يعتبرونهم من خلفاء الفتَن والبدَع، أما الخلفاء الذين نشروا النظر للماضى وتقديس السلف فقد أخَّروا الأمة ولكنهم نالوا استحسان الفقهاء والشيوخ والعوام من ورائهم، مثل المتوكل العباسى الذى قضى على النهضة الإسلامية وتعصب للوهابيين القدامى، الذين كانوا يُعرفون باسم «الحشويين»، فقَتل وقُتل بعد أن تمزقت الأمة، ورغم ذلك يقدّسون المتوكل.

 

إن تقديس السلف جعل من تراثهم دينًا موازيًا للإسلام، وهو ما جعل الدكتور زكى نجيب محمود يصف المسلمين بأنهم كمَن يركبون القطار وظهورهم للقاطرة، فيرون الأشياء بعد وقوعها، ولا ينظرون للمستقبل، أما الدكتور نصر حامد أبو زيد فقال إن «المسلم يسير للأمام ورأسه ينظر للخلف»، وبالتالى فهو معرض دائمًا للسقوط على الأرض، أو أن يضربه البعض وهو متيّم بالنظر للخلف، أى للماضى، دون أن يشعر بالوضاعة، وبالعكس يعتبر نفسه خليفة لله فى الأرض، ويشعر بأن كل البشر يتآمرون عليه، وهو الذى يتآمر على نفسه.
 

لو عُدنا لمفهوم السلف لَوجدنا أنهم كل مَن تقدم من الآباء والأجداد، وما قد سلف يعنى ما حدث فى الماضى، كما جاء فى سورة «النساء- 22»: «ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف»، والسلف هو القرض الذى يقترضه شخص من آخر، وكل البشر لهم سلف صالح أو طالح، وكل فرقة أو دين أو مذهب، وحتى الدول غالبًا، تُسمَّى باسم مؤسسها؛ مثل اليهودية والمسيحية والبوذية والكونفشيوسية والشافعية والحنبلية والجعفرية والزيدية والعباسية والأموية والعثمانية والسعودية، وهلم جرا، كل هؤلاء أسلاف لطوائف معاصرة، يوجد منهم الصالح لتغيُّر الأزمان، ومنهم الطالح الذى لا يناسب العصر والأوان، والإسلام وحده لا يُنسب للنبى محمد؛ ولذلك لا نعترف باسم المحمديين، فالإسلام نجا من الشخصنة، ولكن المسلمين بتقديسهم للسلف شَخصنوه فى تقديس الأسلاف.

 

والقرآن الكريم غالبًا ما يذكر السلف والآباء السلفيين بلغة سلبية، كما جاء فى سورة «الزخرف- 56»: «فجعلناهم سلفًا ومثلًا للآخرين»، والمعنى هنا هو العبرة والعظة من السلف للخلف، أو عبرة للمستقبل مأخوذة مما حدث لأقوام فى الماضى، كما يذكر القرآن الأكثرية بعدم التعقل وعدم الفهم أو عدم الإدراك، القرآن يردد ولكن أكثر الناس لا يعقلون.. لا يفقهون؛ ولذلك قال علِى بن أبى طالب لأبى ذَر عندما تم نفيه من المدينة إلى الربذة: «ولا تستوحش طريق الحق لقلة أهله، فإن أهل الحق قليل… لو أخذت من الدنيا لأحبوك ولو سرقت منها لأمّنوك»، وعلِى من ضمن السلف الصالح، ولكنه فى النهاية غير معصوم ويؤخذ منه بقدر ما يتفق مع روح الدعوة الإسلامية.
 

فى الدين الجاهلى الوثنى كان لديهم معلوم من دينهم بالضرورة، وتعجبوا من كون الآلهة إلهًا واحدًا، فقالوا كما جاء فى سورة «ص- 5»: «أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشىء عجاب»، وهو استغراب ملائم لعقيدتهم الوثنية، وجعلوها المثل الأعلى لهم فى حياتهم، فرفضوا التوحيد الإسلامى، واعتبروا أسلافهم الوثنيين قدوة لهم لا يحيدون عنها، ففى سورة «المائدة- 104»: «قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا»، وفى سورة «الأعراف- 28»: «وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا»، وفى سورة «يونس- 78»: «قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ‫آباءنا»، وكذلك فى سورة «الشعراء- 74»: «بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون»، وفى سورة «المؤمنون- 24»: «ما سمعنا بهذا فى آبائنا الأولين»، وسورة «الزخرف- 22: 23»: «بل قالوا إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون.

 

وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوها إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون»، وسورة «البقرة- 170» «وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون»، تلك هى عقيدة السلف الوثنى، رفضوا الجديد لمجرد أنهم لا يريدون التغيير للأفضل، لأنهم قدّسوا أسلافهم، ولذلك أجاب الدكتور حسين مؤنس فى كتابه «دستور أمة الإسلام» عن مَن تمنى أن يعيش فى زمن النبوة ويستشهد بين يدى الرسول، عليه السلام، قائلًا: «انتظر ومن أدراك أنك تؤمن، وإذا أردت معرفة أنك تؤمن أو لا تؤمن، إذا جاءتك فكرة جديدة فرفضتها مباشرة، اعلم أنك لن تؤمن، أما إذا فكّرت فيها وناقشتها بينك وبين نفسك فربما تؤمن»، وهو ما يقودنا إلى أن أغلب المسلمين من الشيوخ والفقهاء ومعهم العوام يقدسون السلف أكثر مما يقدسون القرآن، يقدسون البشر من الصحابة والتابعين، وإذا حاول أحد الباحثين النقد المباشر أو غير المباشر لسيرة السلف الصالح يرددون ضمنيًّا: «إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون»، أى لا يردّون الأمر للوحى المباشر الباقى، وهو القرآن، ويحاولون تأويل الآيات لتتفق مع الرؤيات السلفية، وهو ما ذكّرنا بما قاله الإمام علِى فى قتاله معاوية فى معركة «صفين»: «اليوم أقاتلهم على تأويله كما قاتلتهم على تنزيله»، هو منذ البداية التأويل السياسى للتنزيل الدينى.‬
 

الرسول محمد، عليه السلام، تُوفى تاركًا أكثر من مئة ألف صحابى، بخلاف المسلمين الذين لم يروه، قدسهم المسلمون وأخذوا عنهم دينهم، ثم قدّسوا مَن سموهم التابعين، وكثير من أمور الفقه التى يتعبد بها المسلمون تخالف القرآن؛ مثل الطلاق وتعدد الزوجات وضربهن ورضاع الكبير، هذا فضلا عن غياب العدل ونشر التمييز الطبقى بين الحكام والعامة، أو بين طبقات الشعب، فهذا سمو الأمير وهذا أمير وذاك أجير، وهو الأمر الذى أخذه المسلمون منذ عصر الخلافة الراشدة عندما ميّز عمر بن الخطاب بين المسلمين فى العطاء، ميّز القرشيين عن غيرهم، وميّز الأحرار عن العبيد، وعُمر نفسه استدرك الأمر قبيل وفاته، فقال: «لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لسوَّيت بين المسلمين»، وقد خطا عثمان بن عفان خطوات عندما ميّز الأسرة الأموية عن كل الأمة، ما أدى إلى اشتعال الثورة الشعبية التى انتهت بمصرعه، ورغم كل ذلك أخذ المسلمون التمييز الطبقى من سيرة عمر قبل استدراكه حتى اليوم، وأخذوا معظم الدين عن رجال السلف، فوهنت كل الأمة، لأنهم عاشوا على تقديس السلف المرفوض قرآنيًّا، لأن السلف لم يكن كله صالحًا.



أقرأ أيضا

فن

غاب القمر

في مسلسل "لعبة العروش" الشهير بأجزائه المتعددة، ستجد استلهامًا دراميًّا للتراث الأدبي العالمي كله، ستجد مسرحيات شكسبير و"ألف ليلة وليلة"، وستجد عديدًا من القصص التي تم اقتباسها دون تردد أو أدنى إشارة.
البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...