«مذكرات الآنسة أم كلثوم».. الوجه الخفى لكوكب الشرق

فاتن الوكيل



«مذكرات الآنسة أم كلثوم».. الوجه الخفى لكوكب الشرق



«الصوت أم اللحن؟!».. فى يناير الماضى، طرح الكاتب الصحفى محمد شعير هذا السؤال على متابعيه عبر حسابه على موقع «فيسبوك». كان السؤال مجردًا من صوت «من؟» ولحن «من؟»، ما دفع أغلب الإجابات لتكون فى صالح اللحن، وبعد أيام كشف شعير عن هدفه من السؤال من خلال إعلانه عن إصدار جديد حمل اسم «مذكرات الآنسة أم كلثوم»، عن سلسلة «كتاب اليوم» التابعة لمؤسسة أخبار اليوم، وذلك بعد أيام من افتتاح الدورة 49 لمعرض القاهرة الدولى للكتاب.

الكتاب يتعلق بوثائق نادرة تُنشر لأول مرة فى كتاب، بعد أن ظلت لسنوات منسية فى المجلات التى نُشرت فيها. قسمها شعير إلى ثلاثة أجزاء، الأول عبارة عن مذكرات أو «ذكريات» نُشرت على حلقات فى مجلة «آخر ساعة»، فى الفترة من نوفمبر 1937 وحتى يناير 1938، بينما يتعلق الجزء الثانى بمقالات كتبتها أم كلثوم، تكشف من خلالها عن رؤيتها لقضايا فنية ووطنية وعلاقتها بالزعيم جمال عبد الناصر، أما الثالث فهو عبارة عن المذكرات القانونية التى قدمها الملحن الكبير زكريا أحمد، خلال القضية الشهيرة التى واجه خلالها أم كلثوم فى المحاكم، وطلب بمنع إذاعة أغانيها فى الإذاعة المصرية.
وحول جدوى الاستمرار فى الكتابة عن أم كلثوم رغم الكتب العديدة التى تناولت حياتها، وعلى رأسها ما كتبه كُتاب مثل «محمود عوض، رتيبة الحفنى، نعمات أحمد فؤاد، رجاء النقاش» وغيرهم، فننوه بأن «شعير» يتعامل مع التراث الأدبى والفنى بمنطق أن تقتل القديم بحثًا حتى تعرف كيف تبنى جديدك، فهو يعتبر أن سيرتها صمدت أمام تحولات الزمن، وهو فى كتابه، الذى يتجاوز المئة صفحة بقليل، لا يُقدم مجرد قصص عن حياة فنانة كبيرة، بقدر ما يستعرض الجديد من المقالات الصحفية والمذكرات القانونية التى حوَّلها الزمن إلى وثائق نادرة.
استخدام لقب «آنسة» فى عنوان الكتاب يعود إلى الوقت الأصلى لنشر المقالات، بدايةً من 1937، إذ نُصحت أم كلثوم منذ قدومها إلى القاهرة باستخدامه بدلاً من «السيدة» الذى يعتبره القاهريون إشارة إلى الزواج. وفى الفصل الأول نجد مذكرات «سومة» التى نشرتها مجلة «آخر ساعة»، تركز على طفولتها وحياتها فى قرية «طماى»، ثم كيف تحولت من طفلة صغيرة، أقصى طموحها أن تذهب مثل أخيها «خالد» إلى الكُتاب، إلى مصدر رئيسى لدَخل الأسرة. مواقف عديدة يذكرها الكتاب؛ مثل ما فعلته سومة عندما ركبت القطار لأول مرة استعدادًا لإحياء حفل فى بلدة «أبو الشقوق»، وبَهرها به، حتى إنها رفضت مغادرته مع الوصول إلى المحطة المنشودة، وتشبثت بنافذته بعد أن قرر والدها إنزالها منه بالقوة.
بعض المعلومات التى يتناولها الفصل تبدو مألوفة لمَن يتابع باهتمام سيرة أم كلثوم، لكن الجديد هو تفاصيل أخرى روَتها كوكب الشرق بنفسها فى الذكريات التى كتبتها، وتوضح نظرتها للعالم من حولها منذ أن كانت طفلة. وعلى عكس العديد من الفنانات فى ذلك الوقت، لم تكن أم كلثوم تسعى لإخفاء تفاصيل الحياة الشاقة التى عاشتها وأسرتها تتنقل بين القرى حتى أحيت أول حفل لها فى القاهرة عام 1921، لكن اللقاء الأول لسومة مع العاصمة ترك بداخلها أسوأ الأثر بعد أن تعرضت لسرقة تحويشة عمرها، وقدرها 15 جنيهًا.
فى الفصل الثانى، الذى يستعرض بعض المقالات التى كتبتها كوكب الشرق، تتحدث بصيغة المتكلم، على عكس الفصل الأول، وجاءت المقالات المنشورة فى الأعوام من 1948 حتى 1951، بمجلتى «آخر ساعة» و«الهلال»، عن طفولتها التى اعترفت أنها كانت تُغنى خلالها لتعيش، لا من أجل الفن ذاته، وهو ما تغير داخل الطفلة التى حَرَّم عليها والدها غناء «يا ليل» باعتبارها كلمة قبيحة، بعد أن بدأت تعى وتتذوق وتفهم، بالإضافة إلى مقالات عن شخصيات أثرت فى حياتها؛ مثل الشاعر أحمد رامى، ومحمد حسنين باشا.
جانب من هذه المقالات يكشف عن قدرة الست على كتابة أفكارها بإيجاز وتلخيص، لا يتعارض مع إيصال فكرتها، فتتحدث عن قضايا فنية مثل انتقادها فن الباليه فى مصر، واعتبارها ما يحدث تقليدًا للغرب لا أكثر، وذلك فى مقال بعنوان «شخصيتنا.. يجب أن تُسيطر على فنوننا» نشرته «الأهرام» عام 1959، بينما تنفى فى مقال آخر بعنوان «لست مسؤولة عن اختفاء الغناء المسرحى» تهمة تسببها فى اختفاء هذا اللون، بل تنفى وجود «مسرح غنائى» فى مصر من الأساس، فتقول: «لم أرضَ عن هذا الأسلوب فى الغناء، فإما أن تكون لدينا أوبرا بطريقة فنية سليمة، أو أمتنع عن الظهور على المسرح لأغنّى خلال مسرحية أعتقد أن الغناء لا يتفق معها».
الجميع يعرف طبيعة العلاقة التى جمعت أم كلثوم بشخصية الزعيم جمال عبد الناصر، وهى العلاقة التى بدأت منذ عودته من حرب فلسطين 1948، لكنها المرة الأولى التى نقرأ فيها مقالاً كتبته «الست» عن «ناصر» فى مجلة «الهلال» بعد مرور عام وفاته، لخصت خلاله أول لقاء جمعهما، وحكت عن اللقاء الثانى يوم قيام ثورة يوليو عندما قررت الذهاب إلى مبنى إدارة الجيش بكوبرى القبة لتهنئ الضباط على تحركهم، ثم تحكى تفاصيل ما حدث عقب النكسة، وصولاً إلى تلقيها نبأ وفاة عبد الناصر خلال وجودها فى «موسكو».
المقالات تكشف عن وجه ساخر لأم كلثوم، من خلال مقالات خفيفة الظل، صَنَّفت فى أحدها جمهورها بين «الروميو، والعاطفية، والمهرج، والبطانة، والعصبى». أما المقال الثانى فحمل عنوان «موسم النرفزة»، أرجعت فيه سبب «نرفزة» المصريين إلى أعطال التليفونات، ومن خلال سطور المقال نجد سومة تستخدم أسلوب «التلقيح» لاستعراض مشكلات المجتمع، لكن من وراء ستار أزمة خطوط التليفونات، فتقول: «وزير المالية هو الآخر ضحية مصلحة التليفونات.. يطلب مثلاً نادى رجال البوليس ليبلغهم أنه قرر زيادة مرتباتهم وما تقولش لحد، فتختلط المحادثة بتليفون نادى الأطباء، فيُطالبون هم الآخرون بإنصافهم، فيحاول أن يبلغهم تليفونيًّا أنه أجاب طلباتهم.. وما يقولش لحد.. فتختلط السكة بخط نقابة المهندسين.. ويسمعون المحادثة.. فيثور المهندسون ويطالبون بإنصافهم!». وفى آخر جزء فى هذا الفصل ينشر «شعير» الحوار الذى أجرته أم كلثوم مع «الأستاذ» محمد حسنين هيكل، فى البرنامج العام، وطبعته مجلة «آخر ساعة» فى 6 ديسمبر 1967، جلست من خلاله أم كلثوم فى مقعد الصحفى وتناولت قضايا سياسية؛ مثل القمة العربية والأمم المتحدة.
وفى الفصل الأخير ينشر شعير وثائق حصل عليها من الباحث عصام فوزى، حول المعركة القضائية بين الست والفنان زكريا أحمد، التى استمرت لتسع سنوات، أخذت خلالها الدفوع والمذكرات القانونية طابعًا فلسفيًّا من خلال سؤال: «مَن الأهم.. الصوت أم اللحن؟»، ففى فقرة من مذكرة قانونية يعتبر زكريا أحمد (أم كلثوم) «مجرد رسولة بين المؤلف والملحن من جهة، وبين جمهور السامعين من جهة أخرى»، بينما أكدت هى أن اللحن جزء من فَنها. الخلاف بين القامتين لم ينتهِ بحكم يفصل بين «الصوت واللحن» لكن من خلال صُلح يقضى بتلحين زكريا أحمد ثلاث أغنيات للست مقابل 700 جنيه عن كل لحن، لكن الموت لم يسمح له سوى بتلحين «هو صحيح الهوى غلاب»!



أقرأ أيضا

فن

غاب القمر

في مسلسل "لعبة العروش" الشهير بأجزائه المتعددة، ستجد استلهامًا دراميًّا للتراث الأدبي العالمي كله، ستجد مسرحيات شكسبير و"ألف ليلة وليلة"، وستجد عديدًا من القصص التي تم اقتباسها دون تردد أو أدنى إشارة.
البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...