الدولة الدينية التى يصنعها الساسة ويباركها المشايخ

سمير درويش



الدولة الدينية التى يصنعها الساسة ويباركها المشايخ



قبل يوليو 1952 كان هناك «تنسيق» بين الضباط الأحرار وجماعة الإخوان المسلمين، تختلف التقديرات بين من يقول إن جمال عبد الناصر كان عضوا فاعلا بها أقسم على المصحف والسيف وشارك فى عمليات اغتيال، لكنه كان متخفيا لظروف كونه ضابطا بالجيش، وبين من يقول إنه فى بحثه عن حَل -فى سنوات شبابه- ذهب إلى الإخوان ثم تركها سريعا اعتراضا على دمويتها، لكن الفريقين لا ينفيان العلاقة ولا التنسيق قبل وفى أثناء الحركة، لذلك بدأ الصراع بعد نجاحها على «حصة» الإخوان فى المستقبل. عبد الناصر قرر أن يعين وزيرين منها فى أول تشكيل وزارى برئاسة على ماهر باشا، ويبدو أن الجماعة استصغرت ذلك فبدأت مناوشاتها، تلك التى استفحلت حتى أدت إلى انفصال كامل وعداوة معلنة بين الجانبين، كان من نتيجتها تدبير عمليتى اغتيال لناصر، حسب رواية فريقه على الأقل، الأولى فى ميدان المنشية بالإسكندرية فى أثناء إلقاء خطابه، والثانية اكتشفها عام 1964 قبل أن يتم تنفيذها، وعلى أثرهما اقتيدت قيادات الجماعة إلى السجون، وتم إعدام بعضهم، وعلى رأسهم سيد قطب مؤلف الكتاب الإشكالى «معالم فى الطريق»، الذى سيصبح دستورا لكل الإرهابيين تحت مظلة الإسلام بعد ذلك.

 

فقط يجب أن ننتبه هنا إلى أن جماعة الإخوان المسلمين نشأت عام 1928 فى الإسماعيلية كجماعة دعوية صغيرة، على يد شاب صغير السن هو الشيخ حسن البنا، أى بعد اندلاع «الحراك الثورى المدنى» عام 1919 بتسع سنوات فقط، هذا الحراك الذى كان يطالب بدولة مدنية دستورية تقوم على الديمقراطية وأدواتها من دستور وبرلمان.. وغيره، بما يسمح بتداول سلمى للسلطة، كما أنها كانت مؤيدة من الجموع الغفيرة للشعب المصرى التى انحازت إلى «الوفد» بقيادة سعد زغلول ووقعت على عرائض لتمثيلها فى المؤتمر الدولى للمطالبة بالاستقلال عن بريطانيا، وهذا الاتجاه كما كان يخيف «المشتغلين بالدين» الذين يرون أنهم «علماء» و«رجال دين» و«أولياء أمر»، كان -فى الوقت نفسه- يرعب البريطانيين والغرب عموما، وهؤلاء كانوا يرون أن تعظيم الشأن الدينى فى منطقتنا سيعطل الفكرة الوطنية القومية الناشئة التى تطالب بالاستقلال من جهة، ومن جهة أخرى سيمثل مخدرا للشعوب التى تتوق إلى دخول الجنة والتمتع بما فيها، بما أنها تؤمن أن الدنيا زائلة، استنادا إلى تفسيرهم لآية: «وما الحياةُ الدُّنيا إلا متاعُ الغُرُور» (آل عمران: 185)، وتصديقا لذلك يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل إن وفدا عربيا ذهب إلى بريطانيا للمشاركة فى حلف بغداد، فقالوا لهم إن الأفضل أن تكونوا حلفا إسلاميا!


الأسئلة الفاصلة هنا هى: ماذا فعل عبد الناصر ليواجه جماعة شبه مسلحة تستغل الشعارات الدينية كى تصل إلى الحكم على قاعدة «إن الحُكمُ إلا لله» (يوسف: 40)؟ وكيف أثرت اختياراته وقتها على مستقبل مصر والمنطقة العربية، بل والعالم الإسلامى عموما؟ وهل استطاع «الانتصار» فى الصراع بينه وبين الجماعة بسجن قادتها وشنق بعضهم؟
 

قبل مناقشة هذه الأسئلة يجب أن نقول إن «الإصلاحات» التى قام بها عبد الناصر كانت ممكنة فى هذا الوقت، ومسموحا بها، وسبقته إليها بعض الدول المحيطة، فإيران مثلا أممت شركات البترول فى عهد رئيس وزرائها محمد مصدق، كما كانت هناك محاولات فى الهند وباكستان وبعض دول أمريكا اللاتينية المستقلة حديثا لإقامة صناعات وطنية لتصنيع السيارات والمحركات إلى جانب صناعة الحديد والصلب واستخراج المعادن.. إلخ، بالضبط كما أن النكوص على تلك المكتسبات فى السبعينيات والثمانينيات كان موضة، فدول كثيرة باعت شركاتها بأسعار منخفضة لرجال المال الجدد الذين أثروا على حسابها، وارتبطوا بدوائر المال العالمية ومارسوا أعمالا قذرة مثل التجارة فى العملة ودفن النفايات المشعة وغسيل الأموال.. إلخ، فهل كان جمال عبد الناصر سيفعل نفس ما فعله لو أتى إلى الحكم فى الثمانينيات؟ أنا أشك فى ذلك، لأنه بالفعل عطل -بحركته المباركة، وبسنوات حكمه الثمانية عشرة- الصعود المضطرد للحركة المدنية، وفرض نظاما رئاسيا قمعيا يزور الانتخابات ويسجن كل معارضيه من كل الاتجاهات، لأنه -ككل مستبد- لم يطق سماع صوت غير صوته.
 

إذن.. ماذا فعل فى مواجهة جماعة الإخوان وانتهازيتها الدينية؟
للأسف الشديد لم يقدم ناصر بديلا علمانيا متطورا، بل لجأ إلى إنشاء «مؤسسة دينية» مضادة للجماعة، تتبنى خطابا دينيا «معتدلا» فى مواجهة خطابها «المتشدد»، فأنشأ إذاعة القرآن الكريم، ووسع جامعة الأزهر وأدخل فيها التعليم العام: الطب والهندسة والزراعة والتجارة والصيدلة.. إلخ، إلى جانب الكليات الدينية، وأنشأ مدينة البعوث الإسلامية لتستضيف طلاب العلوم الدينية من الدول الإسلامية مجانا، على نفقة الدولة، وأرسل شيوخ الأزهر إلى بقاع الدنيا ليعلموا الناس الإسلام.. أى أنه أنشأ «دولة دينية ثيوقراطية» مضادة للدولة التى يبشر بها الإخوان المسلمون، حتى لا يقال إن حربه ضدهم حرب على الإسلام، مثلما يحدث حاليا من احتواء الحركة السلفية المتشددة التى تكفر المجتمع، والسماح لها بتكوين أحزاب سياسية شرعية، فى خرق واضح وفاضح لدستور 2014 الذى يمنع قيام أحزاب سياسية بخلفيات دينية، كل هذا حتى لا يقال إن الدولة -وقتها والآن- تحارب الدين حين تواجه هؤلاء المتشددين الذين يمارسون العنف والإرهاب ضد الدولة ومؤسساتها ورجالها، بل وضد الناس العاديين!

 

«الدولة الدينية» ليست هى -فقط- التى يحكمها رجال دين مثل إيران مثلا، التى تمنع غير الدينيين من الترشح فى الانتخابات أصلا. وليست التى تتحالف مع «المشتغلين بالدين» مثل السعودية، فيحمى كل فريق شريكه، آل سعود يستأثرون بالسلطة وآل عبد الوهاب يستأثرون بالفتوى. كما أنها -كذلك- ليست التى تطبق «الشريعة الإسلامية» كالسودان مثلا التى هبطت عملتها بشكل غير مسبوق وانقسمت إلى دولتين وتعانى حروبا أهلية فى بعض مناطقها، مثل دارفور، تهدد بمزيد من الانقسامات، ولكن الدولة الدينية -أيضا- هى التى تتبنى خطابا دينيا من ضمن شبكة معقدة من الخطابات، وتسيده على حساب غيره، وتعطى سلطة مطلقة للقائمين عليه لاحتكار التفسير والتأويل، بل وتقود كل صاحب تفسير مخالف إلى السجن، وهو ما يحدث فى مصر بالضبط، من بعد حركة الجيش فى 1952 وحتى الآن، فثمة تعاظم فى حجم المؤسسة الدينية: جامعة الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية، التى بلغت ميزانياتها مجتمعة 23 مليارًا و315 مليونًا و629 ألف جنيه حسب موازنة عام 2018 التى نشرها موقع اليوم السابع، ومع كل هذه الأموال التى تنفق من جيوب دافعى الضرائب فى بلد يعيش نصفه تحت خط الفقر، نجد موجات من الجماعات الإرهابية العنيفة التى تهدد المجتمع والسلطة والحياة والناس العاديين، ولا تندهش حين تعرف أن بعضهم تخرج فى المدارس والجامعات الأزهرية، أو استقى أفكاره من خريجيها! وإذا عرفت أن «العنف» ليس حمل السلاح فقط، بل الازدراء والتكفير والاحتقار.. إلخ، فإننا أمام حالة صعبة من حالات تديين الدولة، لا يوليها أحد الأهمية التى تستحقها.
 

المشتغلون بالدين أنفسهم يقولون إن العبادة صلة روحية بين العبد ورب العباد، فلا أحد يراقب المسلم فى بيته إن كان صائما أم لا، ولا أحد يستطيع أن يعرف إن كان يصلى أو إن كان يخضع فى صلاته أو يؤديها بشكل ظاهرى ميكانيكى اعتيادى، وهذا يجعل النفقات الباهظة التى تنفقها الدولة عليهم من قبيل الأموال المهدرة، علما بأننى لم أتطرق إلى نفقات الإعلام الدينى الذى تتبناه الدولة أيضا، وهو ضخم كذلك، فالإيمان فى النهاية هو ما وقر فى القلب وصدقه العمل، وليس -فقط- حفظ النصوص وتسميعها، كما لا أظن أن رسالة الإسلام هى تحويل الشعب كله إلى «علماء» فى الفقه والعقيدة، لذلك فمن الصعب استيعاب هذا الزخم المفروض لنشر خطاب دينى ما، بهذه الكثافة، مصحوبا بإخافة الناس من النار وأهوال يوم القيامة، وإخبارهم بأن الدنيا زائلة ودار ممر ومتاع الغرور، وأن الإنسان يجب أن يعمل لآخرته فقط، لتكون النتيجة تراجعا متوقعا فى العلم والإبداع والفنون وكل مظاهر الحياة والحضارة، والمزيد من الاعتماد على الغرب وصناعته ثم تكفيره ومحاربته بعمليات جنونية لا طائل من ورائها إلا نشر الكره لرسالة الإسلام فى قلوب وعقول الناس.
 

على الدولة إن أرادت تقدما حقيقيا أن تهتم أكثر بالعلم والصحة والتكنولوجيا والإبداع، وأن تفتح المجال أمام الجميع ليناقشوا الأمور الدينية والدنيوية بحرية كاملة، كى يُخضعوا التراث الذى وصل إلينا للعقل، والاستفادة القصوى من الجيد، وإقصاء ما لا يقبله المنطق، فهذا التراث ما هو إلا اجتهادات بشر مثلنا، لهم عقول ولنا عقول، بل إن معارفنا اليوم تفوق معارفهم بمراحل بما اكتسبناه من اجتهادات ونظريات، إضافة إلى أن أدوات البحث والقياس تقدمت كثيرا بشكل يجعلنا فى وضع أفضل من أوضاعهم كثيرا، علاوة على أن لكل بيئة ظروفها وفقهها بالضرورة.. فهل نجد من يسمع؟!



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.