مواصفات الكائن السلفى

د.محمد فياض



مواصفات الكائن السلفى



يطل من بعيد بجلبابه الأبيض الناصع، تسبقه رائحة عطره النفاذة كغاز النشادر، إنه المسك الأحمر الناصع، لا يستخدمه فى مصر سوى السلفيين والموتى، رائحته مناسبة لحفظ رائحة الموتى العفنة، ومناسبة لأن تُذكر السلفيين دائمًا برائحة غسلهم ويوم دفنهم، عجَّل الله به.

 

وإذا أردنا أن نبتدئ الحكاية، فالبداية عند السلفيين من فحولتهم وأعضائهم التناسلية،

 

فالسلفى يدرك فى قرارة نفسه أنه الإله «مين»، أنه منبع الخصوبة، يعتقد السلفى أن الفقه والشريعة والدين لا هدف لهم سوى التعامل مع شهوته الجنسية وتهدئتها فى الدنيا والآخرة، السلفى لديه قدرة على أن يؤلف موسوعة كاملة ويقضى عمره كله فى البحث عن حقوق الرجل الجنسية، وطريقتها، والأوضاع المحللة، والأوضاع المكروهة، والأوضاع المحرمة، وما كفارتها، السلفى هو رجل منتصب دائمًا، إما بفعل القوة والشباب، وإما بفعل حبة البركة وعسل الطاقة الذى يبتاعه من مكتبة الإيمان السلفية. السلفى من الممكن أن يعكف على وصفات الطب الشعبى ليستخرج ما يستطيع به أن يزيد ذرية المسلمين، يؤمن بأن كل علاقة جنسية مع زوجته يؤجر بها حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ومن الممكن أن يُضاعف له الأجر، ولمَ لا؟! نعم، إنه يستحق الثواب فى كل مرة، لأنه يعفّ إحدى نساء المسلمين، السلفى هو المنادى دائمًا وأبدًا بـ«حى على النكاح»، فهو يوصف بكل صيغ التفضيل فى هذا المضمار، فهو ناكح ونَكوح ونكيح، هو رجل خُلق لينكح ثم ينكح، وله أن يُعدد ومحبب له أن يُعدد حتى يستطيع أن يسد شهوات هؤلاء النساء ويسترهن، ينظرون للنساء وكأنهن مفضوحات ناقصات، لا يستر الواحدة منهن سوى أن تختبئ وراء كرش سلفى، ولحية سلفية.
 

أما فى الآخرة فأشد ما يغريه فى الجنة الحور العين، وما العدد الذى سيكون متاحًا للفرد الواحد منهم، وكما عاش عمره كله يسأل عن الفتاوى الجنسية، يحلم بأن يقضى خلوده الأخروى راقدًا على مئات الصبايا ينكح وينكح ثم ينكح، حالمًا بأن يكون أُنموذجًا للفحولة الجنسية كالذى تحدث عنه الجاحظ عندما قال: «خفيف العجز ثقيل الصدر بطىء الإراقة سريع الإفاقة»، حتى لقد تبارى باحثوهم ليكتبوا ويحققوا ويخرجوا أطروحات تفصيلية عن هذه المتع الجنسية المدهشة التى سيلاقيها هؤلاء المكبوتون فى الجنة، آخرها كان هذا الكتاب المعنون بـ«النعيم الجنسى لأهل الجنة» (دراسة مفصلة عن الحور العين وأزواجهن ملوك الآخرة) طبعة 2014، ومن الرائع أن الكاتب كتب أنها دراسة مفصلة حتى يعرف كل رجل حقوقه الجنسية الكاملة، خصوصًا لو كان «شايل همومه الجنسية على كتفه».
 

تسير المرأة السلفية بنقابها الأسود تجر أذيال الخيبة، تكنس بعباءتها أرض الشارع، والمفارقة الغريبة أنك عندما تسأل السلفى: لماذا تُقصر جلبابك؟ يجيبك بأن هذه سُنة حتى لا تلحق نجاسات الأرض بالثوب، فى حين تمسح زوجته بعباءتها السوداء كل أتربة وفضلات الشارع.
 

السلفى مولع بلحيته، فهى هويته الأولى والأهم، كلما طالت زاد فخره وعزته، هى لا تقل أهمية عن ذكورته وفحولته، وكشأن أى شخص يمتلك شيئًا يعتز به فعليه أن يهتم به، إذا كان لدىّ سيارة -مثلًا- فسوف أقوم برعايتها والعناية بها وتزويدها بكل الإكسسوارات المطلوبة، وكذلك السلفى مع لحيته، فلابد له أن يدلعها، لازم يصرف عليها، وتبدأ المرحلة الأولى فى إطالة اللحية، ثم بعد ذلك فلفلتها، ثم نأتى للمرحلة الأهم وهى مرحلة الحناء، وهنا اختلف الفقهاء بين الحنة السوداء والحنة الحمراء، وهى اجتهادات، ما دام لزم السُّنة، ثم تعطيرها بمسك أحمر له نفس قوام زيت السيارات، حتى إننى أخشى عليهم أن تشتعل لحياتهم فى قيظ الصيف نتيجة وجود مثل هذا المسك.
 

السلفى هو كائن سقط علينا من طيات كتب التراث الصفراء، هو تجسيد لمقولة «حافظ مش فاهم»، غارق فى التاريخ والغزوات والدماء، مصطلحاته الأثيرة هى الجهاد والنكاح وأهل الذمة وفرض الجزية والخلافة، هو كتالوج حى لثقافة صحراوية بدوية قد اندثرت، السلفى هو داعشى ينتظر الوقت أو المناخ أو الظرف السياسى، حالم بالحور العين، حالم بالخلافة، حالم بالجهاد.
 

السلفى ثقافيًّا يقرأ بنَهَم كل ما تطبعه المطابع السلفية من كتابات شيوخ العصور الوسطى، أو شيوخ العصر الحالى ذوى الآراء الجاهلية، وللسلفية أيضًا كهنوت معرفى بدءًا من ابن تيمية وصولًا لمحمد حسان، معظمهم يقدس ياسر برهامى، وآخرون يتشيعون لمحمد حسان، أما محدثهم الأكبر الذى يرقى لمرتبة البخارى لديهم فهو أبو إسحاق الحوينى، هم كهنتهم ورموزهم وأصنامهم المقدسة.
 

سياسيًّا فالسلفى لا يرى الخروج على الحاكم نظريًّا وهو أول الخارجين، السلفى ببساطة هو أول من احتل الشوارع أيام 25 يناير بحجة اللجان الشعبية، السلفى هو الذى جلس مع القوى الوطنية يوم عزل محمد مرسى وأنصاره يملؤون ميدان رابعة، السلفى هو مَن يكفر المسيحيين ويضعهم على قوائمه الانتخابية، السلفى هو مَن يكفر بالديمقراطية ويؤسس حزبا سياسيًّا ويحصد مقاعد فى البرلمان، السلفى هو ذلك النموذج الحى لانفصام الشخصية.
 

أما عقل السلفى فهو الأكثر تحجرًا عبر التاريخ، هو عقل إقصائى لا يؤمن بالآخر لأن الآخر أصلًا حرام، هو عقل يعكسه وجه صاحبه المتجهم، يرفض أن يمارس عمله كعقل، كفيل بأن يُخصى أى نقاش بكلمة «أصلًا حرام» ومرجعيته تُحرم ذلك، وهى ذات المرجعية التى تبدأ بابن تيمية وتنتهى بمحمد حسان ورفاقه من شركة السلفيين المحدودة.
 

وهكذا تكتمل الصورة، جلباب أبيض يغطى جسدَ عنتيل، تعلو وجهه علامة صلاة كنسر يحلق عاليًا، مع لحية ضخمة تتدلى من وجه عابس يعلوه عقل متحجر لشخص مصاب بعقدة تجميد التاريخ وبعقدة انفصام الشخصية!



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...