الإسراء والمعراج بين القرآن والتراث روايات خيالية

مي سعيد



الإسراء والمعراج بين القرآن والتراث   روايات خيالية



كلما تقارن كتب التراث بالقرآن الكريم، تصاب بالإحباط والاستغراب، بالإضافة إلى الكثير من الخذلان والحيرة، ما يدفعك لتتساءل، هل أنت مسلم محظوظ لوصولك إلى جوف كتب التراث التى تمتلئ عن آخرها بالحزن والدم وبغض الآخر، بالإضافة إلى الكثير من الخرافات والأساطير المنسوخة من ديانات قديمة متعددة أشهرها اليهودية المحرَّفة، أم أنك مسلم حزين لوصولك إلى مثل هذه النصوص والحكايات التى تثقل كاهلك، أو لربما تكون مسألة وصولك ليست أكثر من مسؤولية ملقاة على عاتقك وعليك أن تكون أهلا لها؟ خصوصًا عندما يتعلق الأمر بواحدة من تلك القصص التى شكَّلت وجدانك كمسلم منذ نعومة أظافرك، واحدة من تلك القصص التى لطالما داعبت تفاصيلها خيالك، واحدة من تلك القصص التى أفردت لها كتب التراث مكانًا فسيحًا وصالت وجالت فى بحور الأساطير التى تخالف العقل والمنطق، وتستنطق القرآن فى أحيان كثيرة، بل وتسىء إلى الذات الإلهية فى أحيان أخرى، وكأن دين الله فى حاجة إلى كل هذا. ما قد بدأناه فى سلسلة «الإسراء والمعراج بين القرآن والتراث» هو مجرد محاولة للفهم نحاول مشاركتها معك، عزيزى القارئ.


آية واحدة فى القرآن الكريم تكلم عنها المفسرون والفقهاء أكثر بكثير مما تحدثوا عن سوَر بأكملها، بسم الله الرحمن الرحيم «سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير» صدق الله العظيم. آية قرآنية رصينة واضحة المعالم والتفاصيل فسَّروها مطلقين العنان لخيالهم، فصار ما قيل فيها كتبًا وقصصًا لا تنتهى، وتخالف فى أحيان كثيرة النص القرآنى، ليس هذا فحسب بل إن الجرأة وصلت بهم إلى نسخ أساطير قديمة على أنها مقصد هذه الآية، فقالوا إن هذه الآية تخبر عن رحلة ليلية للرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام- على ظهر حيوان يسمى البراق، بحسب زعمهم، وهذا الاسم هو ما ورد عند البخارى فى حديث رقم «3800»، ثم يكملون القصة بأن الرسول وصل إلى بيت المقدس ثم ربط البراق فى حلقة خاصة لدواب الأنبياء ثم دخل المسجد الأقصى وصلَّى ركعتين بالأنبياء ثم عرج به إلى السماء بمصاحبة جبريل، وبعد ذلك تصف لنا كُتب التراث تجوُّل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فى السماوات، والتقاءه بالأنبياء كما أنه دخل الجنة ورأى فيها ما رأى ودخل النار ورأى كيف يعذَّب أهلها، ورأى فيها أن أكثر أهلها من النساء، واستكمل رحلته حتى عرش الرحمن حيث خاطبه الله بحسب زعمهم، فاقترب الله منه وأبلغه أنه جلَّ وعلا فرض خمسين صلاة فى اليوم الواحد على أمته، ثم تستطرد هذه الكتب الحكاية، وفى الوقت نفسه تتجرأ على الذات الإلهية، حيث اعترض سيدنا موسى بعد عودة سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام، على عدد خمسين صلاة، وقام بإقناع سيدنا محمد بالعودة مرة أخرى طلبًا للتخفيض، فتقول كتب التراث فى هذا الصدد ما ذكره البخارى -على سبيل المثال- فى حديث طويل رقم «7351» والذى سأذكر منه مقتطفات تؤدى المعنى نظرًا لطوله، ويمكن للقارئ الرجوع للبخارى لقراءته كاملاً: «فأوحى الله فى ما أوحى خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتسبه موسى فقال يا محمد: ماذا عهد إليك ربك قال: عهد إلىَّ خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى جبريل كأنه يستشيره فى ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: يا ربِّ، خفف عنا فإن أمتى لا تستطيع هذا».

وتكرر هذا السيناريو، فكلما رجع سيدنا محمد قال له موسى أن يرجع فيطلب من ربه تخفيضًا ويخبره أن أمته ضعاف البنية ولا يتحملون هذا العدد من الصلوات، واستمرت هذه الحال فى القصص التراثى عن الواقعة حتى صاروا خمس صلوات، والغريب أن الرواة حتى بعد أن صاروا خمسًا، قالوا إن سيدنا موسى قال: يا محمد، والله لقد راودت بنى إسرائيل قومى عن أدنى من ذلك فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك أيضًا.

قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا موسى، والله استحييت من ربى مما اختلفت إليه.


فكيف لنا أن نقبل مثل هذا الكلام الذى تجرأ على الذات الإلهية فأظهر الله -عز وجل- لا يعرف عن إطاقة خلقه ما يعرفه أحد أنبيائه، فهل يكلف الله المسلمين خمسين صلاة وهو ما لا يطيقونه؟!
بسم الله الرحمن الرحيم «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت» صدق الله العظيم.


فكيف يطلب منا مختلق الحديث التصديق بأن الله يفرض على أمة محمد ما لا تطيقه؟ وكيف يقلل مختلق الحديث من الرسول، عليه الصلاة والسلام، ويقص علينا قصة مثل هذه وكأن نبى الإسلام غير قادر على اتخاذ أى قرار وكأنه لا يعلم أى شىء عن أمته وغير قادر على اتخاذ أى قرار فى ما يخصهم، وينتظر ما يقوله موسى عن أمته وكأنه يعلمهم أكثر منه، بل ويتردد وينظر إلى جبريل مستأذنًا فى أن يذهب إلى الله حتى يفعل ما قاله له موسى؟ فهل نصدق مثل هذا الزعم؟ وهل يبدل الله قوله؟! تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.


بسم الله الرحمن الرحيم «ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد» صدق الله العظيم.


يتبع…



أقرأ أيضا