السيدة عائشة قادت الثورة على خلافة سيدنا علِى

حمدى أبو جليل



السيدة عائشة قادت الثورة على خلافة سيدنا علِى



السيدة عائشة كانت فى المدينة المنورة عندما حوصر سيدنا عثمان ومُنع عنه الطعام والماء، ولم ينقل عنها أنها اعترضت أو لامت محاصريه، وإنما نقل عنها أنها رشحت ابن عمها طلحة بن عبيد الله للخلافة وعثمان ما زال حيًّا، بل روى عنها أنها قالت: «اقتلوا نعثلا» تقصد عثمان.

وإذا لم تصح هذه الرواية فإنها لم يثبت عنها أنها لامت أخاها محمد أبا بكر على تأليبه الناس على عثمان ثم حصاره وقتله، وحينما طلب منها مروان بن الحكم التوسط بما لها من مكان بين المحاصرين والمسلمين عمومًا لتوصيل الطعام والماء لعثمان فى حصاره المميت كما فعلت أم سلمة، رفضت، وتركت المدينة كلها وسافرت إلى مكة.


وقُتل عثمان وهى فى مكة، أو وهى فى الطريق بين مكة والمدينة، وعندما عرفت أن الناس بايعوا سيدنا على بن أبى طالب بالخلافة، غضبت ورفضت، وقالت: والله ليت أنّ هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر! وقالت: قتل والله عثمان مظلومًا، والله لأطلبنّ بدمه، فقال لها ابن أم كلاب: ولم؟ فوالله إن أول من أمال حرفه لأنتِ! ولقد كنتِ تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر، قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقَوْلى الأخير خير من قولى الأوّل.


وعادت السيدة عائشة إلى مكة وبدأت الخروج، بل قُل الثورة، على الخليفة الجديد، والمطالبة بدم عثمان، والتف حولها أول من التف بنو أمية. نقل الطبرى عن السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبى، قال: خرجت عائشة -رضى الله عنها- نحو المدينة من مكة بعد مقتل عثمان، فلقيها رجل من أخوالها، فقالت: ما وراءك؟ قال: قُتل عثمان واجتمع الناس على علِىّ، والأمر أمر الغوغاء.

فقالت: ما أظنّ ذلك تامًّا ردّونى. فانصرفت راجعة إلى مكة، حتى إذ دخلتها أتاها عبد الله بن عامر الحضرمى -وكان أمير عثمان عليها- فقال: ما ردّك يا أم المؤمنين؟ قالت: ردّنى أن عثمان قُتل مظلومًا، وأن الأمر لا يستقيم، ولهذه الغوغاء أمر، فاطلبوا بدم عثمان تعزّوا الإسلام.

فكان أول من أجابها عبد الله بن عامر الحضرمى، وذلك أول ما تكلمت بنو أمية بالحجاز، ورفعوا رؤوسهم، وقام معهم سعيد بن العاص والوليد بن عقبة، وسائر بنى أمية. وقد قدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة، ويعلى بن أمية من اليمن.


ولحقها فى مكة الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، وكانا قد بايعا عليًّا، واستأذناه لأداء العمرة، ولكن عندما وصلا إلى مكة وانضما إلى السيدة عائشة وجمعها، قالا لها إنهما أجبرا على البيعة، وإنهما فارقا قومًا حيارَى لا يعرفون حقًّا ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم، فقالت: فأتمروا أمرًا، ثم انهضوا إلى هذه الغوغاء. وتمثّلت:
ولو أن قومى طاوعتنى سراتهم   لأنقذتهم من الحبال أو الخبل
وفى البداية، فكرت السيدة عائشة فى التوجه بمن معها للمدينة لقتال سيدنا على فيها، ثم أشاروا عليها بالسفر إلى الشام حيث معاوية بن أبى سفيان، أشد معارضيه ومنافسيه على الخلافة وأقواهم، ثم أشاروا بالكوفة ثم استقر رأيهم أخيرًا على البصرة، ويبدو أنها كانت مصرة على المدينة، فقد قال الطبرى وغيره إنهم قالوا لها: يا أم المؤمنين، دَعى المدينة فإن من معنا لا يقرنون لتلك الغوغاء التى بها، واشخصى معنا إلى البصرة، فإنّا نأتى بلدًا مضيّعًا، وسيحتجون علينا فيه ببيعة على بن أبى طالب، فتنهضينهم كما أنهضتِ أهل مكة ثم تقعدين، فإن أصلح الله الأمر كان الذى تريدين، وإلا احتسبنا ودفعنا عن هذا الأمر بجهدنا حتى يقضى الله ما أراد.


ووافقت السيدة عائشة على بدء رفض ومحاربة خلافة سيدنا على من البصرة، ونادَى المنادى فى مكة: إنّ أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة، فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلّين والطلب بثأر عثمان ومن لم يكن عنده مركب ولم يكن له جهاز فهذا جهاز وهذه نفقة، فحملوا ستمئة رجل على ستمئة ناقة سوى من كان له مركب -وكانوا جميعًا ألفًا- وتجهّزوا بالمال، ونادوا بالرحيل واستقلوا ذاهبين.

وأرادت حفصة الخروج فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد، فقعدت وبعثت إلى عائشة أن: عبد الله حال بينى وبين الخروج، فقالت: يغفر الله لعبد الله!


وعندما وصل خبر خروج السيدة عائشة إلى البصرة إلى المدينة، ارتج أهلها وغضبوا فهى من هى ومناصرة الناس لها متوقعة ومضمونة، وذهبت أم سلمة غاضبة إلى سيدنا على، وقالت له: يا أمير المؤمنين، لولا أن أعصى الله، عز وجل، وأنك لا تقبله منّى لخرجت معك، وهذا ابنى عمر، والله لهو أعز علىَّ من نفسى، يخرج معك ويشهد مشاهدك.


ولما وصلت السيدة عائشة للبصرة، حثت الناس على الخروج على سيدنا على والثأر لسيدنا عثمان، وكتبت إلى زيد بن صوحان: من عائشة ابنة أبى بكر أم المؤمنين حبيبة رسول الله إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان، أما بعد، فإذا أتاك كتابى هذا فأقدم، فانصرنا على أمرنا هذا، فإن لم تفعل فخذّل الناس عن على.


وفى البصرة انضم إلى السيدة عائشة وجيشها رهط من المسلمين ورفضه رهط، وتناجز جيشها مع الرافضين بقيادة عثمان بن حنيف، والى سيدنا علىّ على البصرة أيامًا ثم تحاربا، وقتل جيش السيدة وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ستمئة رجل قالوا إنهم قَتلة عثمان، وأسروا والى سيدنا على ونتفوا شعر رأسه ولحيته وحتى حواجبه.

وبهذه المناسبة كتبت السيدة عائشة إلى أهل الكوفة، لا أدرى إن كانت تحثهم أم تخوّفهم: أما بعد، فإنى أذكركم الله، عز وجل، والإسلام، أقيموا كتاب الله بإقامة ما فيه، اتقوا الله واعتصموا بحبله، وكونوا مع كتابه، فإنا قدمنا البصرة فدعوناهم إلى إقامة كتاب الله بإقامة حدوده، فأجابنا الصالحون إلى ذلك، واستقبلنا من لا خير فيه بالسلاح، وقالوا: لنتبعنَّكم عثمان، ليزيدوا الحدود تعطيلا، فعاندوا فشهدوا علينا بالكفر وقالوا لنا: لا منكر، فقرأنا عليهم: «ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم»، فأذعن لى بعضهم، واختلفوا بينهم، فتركناهم وذلك، فلم يمنع ذلك من كان منهم على رأيه الأول من وضع السلاح فى أصحابى، وعزم عليهم عثمان بن حنيف إلا قاتلونى حتى منعنى الله، عز وجل، بالصالحين، فرد كيدهم فى نحورهم، فمكثنا ستًّا وعشرين ليلة ندعوهم إلى كتاب الله وإقامة حدوده -وهو حقن الدماء أن تُراق دون من قد حلّ دمه- فأبوا واحتجوا بأشياء، فاصطلحنا عليها، فخافوا وغدروا وخانوا، فجمع -عز وجل- لعثمان، رضى الله عنه، ثأرهم، فأقادهم فلم يفلت منهم إلا رجل!
 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..