دلالات ودروس فوز نادية مراد ودينيس موكويجى بجائزة نوبل للسلام




دلالات ودروس فوز نادية مراد ودينيس موكويجى بجائزة نوبل للسلام



بمجرد الإعلان عن فوز الناشطة العراقية نادية مراد (25 عامًا) بجائزة نوبل للسلام، لعام 2018، مناصفة مع طبيب أمراض النساء والتوليد، الكونغولى دينيس موكويجى (63 عامًا)، تكون تلك الجائزة العالمية الكبيرة قد انتصرت، بشكل مباشر، للذين يعانون ويلات الحروب، وإجرام العناصر المسلّحة التى تتغذى على الدم والقتل والخراب، لا سيما من النساء اللائى تكرثهن ويلات الحروب والنزاعات المسلحة حول العالم، فهذه هى المرة الأولى، ربما، التى يفوز فيها أحد الناجين من فظائع ترتكب بحقّ الإنسانية بجائزة عالمية مثل جائزة نوبل، وذلك بعد أن حظيت نادية مراد، فى سبتمبر من عام 2016، بلقب سفير لدى الأمم المتحدة، وكأن هذا اللقب بمثابة توطئة وتمهيد لفوزها بالجائزة العالمية.

 

نادية مراد كانت قد روَت قصة معاناتها لمجلس الأمن خلال جلسة خاصة عُقدَت فى ديسمبر عام 2015، فأبكت قصتها أعضاء المجلس، إذ اختُطفت من قريتها (كوجو) فى قضاء سنجار (معقل الأيزيديين فى شمال غرب العراق على الحدود مع سوريا)، فى أغسطس 2014، إلى جانب أكثر من 150 امرأة أيزيدية، تمّ اقتيادهنّ إلى الموصل، معقل التنظيم، الذى استباحهنّ جنسيًّا وبدنيًّا ونفسيًّا، ووَفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية، فقد أعلنت الناطقة باسم لجنة نوبل النرويجية، أن الجائزة تكرّم موكويجى ومراد على «جهودهما لوضع حد لاستخدام العنف الجنسى كسلاح حرب»، وقالت: إن موكويجى كرّس حياته بكاملها للدفاع عن ضحايا العنف الجنسى فى زمن الحرب، وأما الفائزة معه نادية مراد فهى شاهدة عيان تروى التجاوزات التى ارتُكبت بحقها وحق أخريات»، ومن نافلة القول التذكير بأن ثمة أكثر من ثلاثة آلاف أيزيدى مفقود، ربما ذُبح أكثرهم على يد عناصر «داعش»، بينما لا يزال الآخرون أسرى لدى التنظيم الإرهابى!


ولن نستطيع استخلاص الدلالات والدروس المستفادة من فوز مراد وموكويجى بجائزة نوبل للسلام دون أن نعرف، اختصارًا، نتفًا من حياتهما السابقة، وما إذا كانت تيْنك الحياتَين تستحقان ذلك الاستحقاق الكبير أم لا، فأما موكويجى فلقبه هو «الرجل الذى يداوى جراح النساء»، ولم ينل هذا اللقب إلا لكونه إنسانًا قبل أن يكون طبيبًا، فالرجل، الذى يُعد أول مواطن كونجولى يحصل على جائزة نوبل، كان قد أنشأ عام 1999 فى بوكافو شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية، مستشفى (بانزى)، لعلاج النسوة والفتيات الصغار، بل الرضيعات، من ضحايا جرائم الاغتصاب، وما يفتأ يعلن أن أعمال العنف الجنسى «سلاح دمار شامل»، ويقول إن هذا السلاح «غير الباهظ والفاعل» لا يدمر النساء جسديًّا ونفسيًّا فحسب، بل يلحق بهن وصمة عار تلاحقهن مدى الحياة، كما تلاحق الأطفال الذين قد يولدون نتيجة الاغتصاب أيضًا، ويتساءل مستنكرًا: «الضحايا يُحكم عليهن بالمؤبد، لكن ماذا عن جلاديهن؟»، وهو ما يؤكد استحقاق هذا الطبيب الإنسان تلك الجائزة، وهذا هو الدرس الأول الذى ينبغى الإشارة إليه، فالإنسانية تسبق وتحكم، وعندها تسقط كل الأفعال التى تُخرج الإنسان من طوْر كونه إنسانًا إلى طور يكون فيه هو والحيوان المفترس سواء بسواء، فلم يستحق الإنسان تكريمًا أو قيادةً أو استخلافًا فى الأرض إلا لكونه ذا خصائص تميزه عن أى كائن آخر على هذه الأرض، وأبرز هذه الخصائص، إلى جانب العقل، هى النزعة الإنسانية، وهى نزعة لا توجد فى محترفى تأجيج النزاعات المسلحة، العسكرية والإرهابية، كما لا توجَد لدى مشعلى الحروب والجرائم، هنا وهناك.
 

وأما الفتاة العراقية نادية مراد، التى كانت تحلم بأن تكون معلّمة فى يوم من الأيام، فقد تغيَّرت حياتها تمامًا، فبعد اجتياح تنظيم داعش الإرهابى بلدتها فى أغسطس عام 2014، وتعرّض أبناء ديانتها من الأيزيديين رجالًا ونساءً للقتل والذبح والاختطاف، كانت هى مَن بينهم، فأصبحت من ضحايا الرق الجنسى، بعد إذ اختُطفَت من قريتها ثم نُقلت إلى مدينة الموصل، معقل تنظيم داعش، حينذاك، لتدخل فى أعقاب ذلك فى دوّامة جهنمية من التعذيب والاغتصاب الجماعى، قبل أن يتم بيعها من شخص إلى آخر بهدف الاستعباد الجنسى، قبل أن تهرب إلى ألمانيا عند شقيقتها، وتحشد المجتمع الدولى قاطبة لقضيتها التى هى قضية شريحة كبيرة من المواطنين والمواطنات العراقيين المنتمين إلى الديانة الأيزيدية، وتدعو مرارًا إلى تصنيف الاضطهاد الذى تعرض له الأيزيديون على أنه «إبادة»، قائلة فى عبارة جدّ قوية وبليغة ومعبّرة، فى آن، إن الإرهابيين الدواعش «أرادوا المساس بشرفنا، لكنهم هم مَن فقدوا شرفهم».
 

إن أهم دلالة نخرج بها من قصة آلام وكفاح نادية مراد، هى أن تلك الفتاة استطاعت أن تفعل ما لم تفعله دولتها، العراق، فقد استطاعت بمفردها أن تدشّن لقضية العِرق الأيزيدى ذى الأقلية فى العراق، بوضعه على خريطة العالم كله، لتنجح فى تسليط الأضواء على قضية شعب وديانة دائمًا كانت مضطهدَة فى أرض الرافدين، وتكشف عما تعرّضت له بنات جنسها من الأيزيديات اللواتى تم انتهاكهنّ جسديًّا ومعنويًّا بالأشكال التى سمعناها وشاهدناها وتابعناها طوال السنوات الأربع الماضية، فأطلقت حملة إعلامية استطاعت من خلالها أن تنتصر، لا تنتقم، للآلاف من الضحايا الذين تعرضوا إلى جرائم بشعة على أيدى عناصر تنظيم داعش الإرهابى، كما قادت مع المحامية الحقوقية، أمل كلونى، حملة من أجل محاكمة عناصر ذلك التنظيم على جرائمه فى المحكمة الجنائية الدولية، فى الوقت الذى لم تستطع حكومات بلدها أن تفعل عُشر ما فعلت هى، وكأنها تقول للعالم كله سأنتزع، وأنا المفردة، حقى وحق أبناء وبنات طائفتى، دون حاجة إلى انتظار مَن يمنّ علينا به، ولم تألُ جهدًا فى ذلك، حتى اضطرها الأمر وهى تعرض قضية المختطفات والأسيرات الأيزيديات فى المحافل الدولية، إلى أن تزور إسرائيل قبل أكثر من عام، لتُلقى كلمة فى الكنيست الإسرائيلى!
 

لم تنجح هذه الشابة فى أن توصل صوتها، فقط، كامرأة أيزيدية مهيضة الجناح، لكنها نجحت فى أن توصل صوت آلاف النسوة والفتيات المحتجزات والمختطفات إلى كل مكان، فبعد إذ تمكنت من الهرب بمساعدة آخرين من إقليم كردستان، لتقيم عند شقيقتها فى ألمانيا، طافت حول العالم وهى تحمل قضيتها التى هى قضية وطن وطائفة وديانة، لتروى فى غير مناسبة ومحفل دولى الكارثة التى لحقت بقومها، فلفتت الأنظار إلى هذه المشكلة الأيزيدية فى الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية المعنية بشؤون الأقليات الدينية فى العالم، لنتعلّم منها درسًا رائعًا مفاده أن السعى وراء الحق لا يصح أن يكون سعيًا ذا نزعة شخصية فردية، بل ينبغى أن يكون سعيًا ذا نزعة جماعية عامة، وأن الفرد الواعى قد يمثّل بمفرده ثِقلًا إعلاميًّا وضغطًا فاعلًا، دون الحاجة إلى تجييش دولة أو جماعة، وهذا بالطبع إذا امتلك هذا «الفرد الواعى» الضمير والإحساس بالقضية التى يحملها على عاتقه.
 

تستحق نادية مراد جائزة نوبل للسلام بجدارة، تمامًا كما يستحقها الطبيب الكونجولى موكويجى، فكلاهما امتاز بالنزعة الإنسانية، وكلاهما سخَّر نفسه لقضية عادلة للغاية، وهى قضية الدفاع عن ضحايا العنف الجنسى فى زمن الحرب، ولم يفقدا، رغم كونهما بمفرديهما، الأمل فى نجاح قضيتهما، وتوصيلها إلى العالم كله، لأنها قضية عادلة، تسعى لتأسيس الإنسانية والحلم بعالم شرق أوسطى ينعم ولو بقدر يسير من العدالة والسلام والمحبة.



أقرأ أيضا

البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...