هل فسر النبى القرآن بمرويات «السنة النبوية»؟!




 هل فسر النبى القرآن بمرويات «السنة النبوية»؟!



خلال رحلتى من الإيمان الوراثى إلى الإيمان العلمى، القائم على الحجة والبرهان، قررت أن أقوم بجمع كل المرويات المتعلقة بتفسير النبى للقرآن، صحيحها وضعيفها، لأقف على حقيقة هذه «السنة النبوية» المفسرة لكتاب الله، التى يحكم أئمة السلف والخلف على منكرها بالردة، فإذا لم يتب قتلوه!!


وفى أثناء إعداد هذه الدراسة، وقع فى يدى كتاب بعنوان «الصحيح المسند من التفسير النبوى للقرآن الكريم» للشيخ أبى محمد السيد إبراهيم بن أبى عمة، تحقيق ومراجعة الشيخ مصطفى العدوى، الذى قال فى مقدمته: «ولأن القرآن نزل على رسول الله، فلا شك أنه عليه السلام أعلم الناس بتأويله فعليه أنزل، وبلسانه تلى، وبسنته فسر، قال الله تعالى: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون»، فسنة رسول الله كلها تفسير للقرآن، وبيان لمعانيه وألفاظه وأحكامه»!!


فإذا أردنا أن نقف على هذه «السنة النبوية» المبينة لمعانى وألفاظ وأحكام القرآن، من خلال ما ورد فى هذا «الصحيح المسند من التفسير النبوى للقرآن الكريم»، وجدنا، على سبيل المثال، أن عدد الآيات التى وردت فى سورة البقرة، «٧» آيات، وردت فيها أحاديث صحيحة مرفوعة إلى النبى، حسب قواعدهم المذهبية فى التصحيح والتضعيف، من مجموع «٢٨٦» آية، وهذه الندرة نجدها أيضا فى باقى السور!!


إن توظيف قوله تعالى: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون» لإعطاء شرعية للمصدر الثانى التشريعى المفترى على الله ورسوله، والذى حمل منظومة التطرف الدينى وسفك الدماء بغير حق على مر العصور، مصيبة كبرى حلت بتدين المسلمين!! فتعالوا نتعرف على معنى هذه الآية، من خلال السياق الذى وردت فيه، لنقف على حقيقة التوظيف المذهبى لها!


لقد سمى الله أهل الكتب الإلهية بأهل الذكر، فقال تعالى فى سورة الأنبياء: «وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»، وقال تعالى فى سورة النحل «الآيات ٤٣ -٤٤»: «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» - «بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون».


إن المتدبر للسياق القرآنى الذى وردت فيه الآيتان، يعلم أن الخطاب القرآنى ليس للمؤمنين برسالة النبى محمد، وإنما للمكذبين بها، جاء يأمر النبى أن يبين لهم، أن الله تعالى لم يرسل رسلا من النساء أو من الملائكة، وإنما من الرجال: «وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم» وأن عليهم أن يتأكدوا من ذلك، بسؤال أهل الكتب السابقة: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»!!


إذن فالقضية التى كانت مثارة، وجاء من أجلها هذا البيان القرآنى، هى قضية خلاف بين أهل الكتاب حول ماهية وطبيعة الرسل، وكان من مهمة النبى أن يظهر لهم حقيقة ما اختلفوا فيه، وهذا ما بينه قوله تعالى فى الآية «٣٩» من سورة النحل، أى قبل الآيات ٤٣ -٤٤: «ليبين لهم الذى يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين»، وما بينه قوله تعالى فى الآية «٦٤»: «وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه وهدى ورحمةً لقومٍ يؤمنون»!!


إن قوله تعالى: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم» ليس أمرا للرسول ليبين للمسلمين القرآن، لأن المقصود بـ«الناس» هنا المكذبون برسالة النبى من أهل الكتاب، الذين اختلفوا حول نبوة محمد، و«ما نزل إليهم» من كتب، وليس حول القرآن «الذكر» المنزل على محمد، وهذا ما أفاد به اسم الموصول «ما»، وصلته «نزل»، لأنه لو كان «الذكر» المنزل على محمد هو نفسه «ما نزل إليهم» من كتب، لجاءت الجملة «لتبينه للناس»، أى القرآن، وليس «لتبين للناس ما نزل إليهم»!


إن «الذكر» الذى أنزله الله على رسوله محمد، والذى هو «القرآن»، جاء مبينا لغيره مما نزل على «الناس»، الذين هم «أهل الكتاب»، من رسالات، وكاشفا عما أخفوه وحرفوه منها، وهذا ما بينه قوله تعالى فى سورة المائدة: «يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين»!!


إذن فيكون المعنى: «وأنزلنا إليك الذكر»، أى هذا القرآن، «لتبين للناس»، أى لهؤلاء المكذبين، حقيقة «ما نزل إليهم» فى كتبهم، مما أخفوه واختلفوا فيه…، فكيف يتحول الخطاب القرآنى من أهل الكتاب إلى المسلمين، لتصبح هذه الآية دليلا على حجية «الأحاديث» المنسوبة إلى النبى، التى ألبسها أئمة السلف والخلف لباس «السنة النبوية»، لتأخذ قدسية فى قلوب أتباعهم؟!!


لقد جاء «البيان»، فى السياق القرآنى بمعنى «الإظهار»، أى إظهار الحق، أو الحكم الشرعى، أو الخبر…، كل حسب السياق الذى وردت فيه الكلمة، وهذا ما بينه الله لرسوله فى قوله تعالى فى سورة القيامة: «لا تحرك به لسانك لتعجل به» - «إن علينا جمعه وقرآنه» - «فإذا قرأناه فاتبع قرآنه» - «ثم إن علينا بيانه»…، فهل يعقل أن يكون معنى «ثم إن علينا بيانه»، أى ثم إنا علينا تفسير آياته، عن طريق مرويات «السنة النبوية»، التى إن صحت عند طائفة لم تصح عند أخرى؟!


إن قوله تعالى: «ثم إن علينا بيانه»، يعنى بيان القرآن كله، وليس جزءا منه، فهل يعقل أن يخرج الرسول على قومه ويقول لهم: أنا رسول الله، وهذا القرآن هو «الآية» الدالة على صدق بلاغى عن الله، ولكن لا بد أن أفسر لكم نصوصها كلها، حتى تستطيعوا أن تأتوا بمثلها؟!!


إن القرآن الحكيم جاء بينا فى ذاته، مبينا لغيره، فهو ليس فى حاجة إلى بيان المرويات الظنية الثبوت عن الرواة الذين نقلوها، وبرهان ذلك قوله تعالى: «الر تلك آيات الكتاب المبين» - «أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين»، ولقد جاء بيان معنى «رسول مبين» فى موضع آخر، فقال تعالى: «فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين»، بل إن هذا البلاغ المبين هو سنة جميع الرسل، فقال تعالى: «فهل على الرسل إلا البلاغ المبين»؟!


وسأضرب بعض الأمثلة على هذا البيان القرآنى:
١- عن أحكام الخمر والميسر، وأحكام اليتامى، يقول الله تعالى: «يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون»، تدبر: «كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون»!


٢- عن نكاح المشركين والمشركات، يقول الله تعالى: «ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركةٍ ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشركٍ ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون»، تدبر: «ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون»!!


٣- عن المحيض، وإتيان النساء، وأحكام الطلاق، يقول الله تعالى: «فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون»، تدبر: «وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون»!!


٤- وفى ختام أحكام الطلاق، ومتعة المتوفى عنها زوجها، يقول الله تعالى: «كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون».


فهذه بعض أحكام سورة البقرة، ولكن الحقيقة، أن الذين يفهمون ما ورد فيها من بيان، هم الذين اتصفوا بالصفات التى وردت فى الآيات الأربع السابقة: لعلكم تتفكرون لعلهم يتذكرون لقوم يعلمون لعلكم تعقلون…، وقليل ما هم!!


إن أئمة السلف والخلف مجمعون على أن عقوبة الزنى هى «الرجم»، ومصدر هذا الإجماع هو مرويات «السنة النبوية»، فإذا ذهبنا إلى القرآن، وجدنا أن العقوبة هى «الجلد»، إذن فمن نصدق؟!!


عندما يقول الله فى سورة النور: «سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آياتٍ بيناتٍ لعلكم تذكرون»، فعلينا أن نتدبر جملة: «وأنزلنا فيها آياتٍ بيناتٍ»، ثم قوله بعدها: «لعلكم تذكرون»، ثم يأتى البيان بعدها مباشرة بوصف فعل الزنى وعقوبته، فيقول تعالى: «الزانية والزانى فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدةٍ» من غير تقسيم لفعل الزنى إلى زنى «محصن»، عقوبته الرجم، وزنى «غير محصن» عقوبته الجلد!!


والسؤال: هل يمكن أن يفوض الله رسوله أن يستقل بتشريع عقوبة «الرجم»، لتأتى بها مرويات «السنة النبوية»، الظنية الثبوت عن من نقلوها، ويترك العقوبة المخففة التى هى «الجلد» لتشريعات القرآن؟!


هل بعد هذا من تطرف دينى وإرهاب وسفك للدماء بغير حق، ثم نأتى فنطالب المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية بمحاربة الإرهاب، وهى التى تقدس هذه المرويات، وتدافع عنها، وتقتل من ينكرها، بدعوى إنكار مرويات «السنة النبوية» المفسرة للقرآن؟!!



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...