ينكر بعض الشيوخ نبوة سيدتنا مريم لا لشىء إلا تحقيرًا للنساء

شاهيناز وزير



 ينكر بعض الشيوخ نبوة سيدتنا مريم لا لشىء إلا تحقيرًا للنساء



لطالما عانى الأنبياء كثيرًا وبمختلف الأساليب من المغرضين والمُضلين على مرّ العصور، بل إن بعضهم عانى من الافتراء عليه وعلى تعاليمه حتى من أتباعه، سواءً عمدًا أو جهلا. وإذا بحثنا عن تعريف النبى والفرق بينه وبين الرسول، فسنجد الكثير، إضافةً إلى بعض الاختلافات بين الفقهاء فى مهام النبى، لكننا نبدأ بمعنى كلمة «نبى»، ونتبع بما لا يستطيع أحد الاختلاف عليه حول ثبوت النبوة. والنبى فى اللغة مشتقة من النبأ، أى الخبر ذو الفائدة العظيمة، وسُمى النبى نبيًّا؛ لأنه يُنبأ عن الله، أى أن الله يخبره ويخبر هو عنه للناس، وبالطبع الوسيلة التى يخاطب بها الله الأنبياء هى الوحى، والوحى يجب أن يقصد به أن يأتيه الملك سيدنا جبريل، عليه السلام، لا أن يكون مجرد إلهام أو منام، كما قيل إن من النبوة أن ينبئ الله، عز وجل، من شاء من عباده بوحى يعلمه به ما يكون قبل أن يكون. وإذا نظرنا لسيدتنا مريم العذراء، فلا نجد نبوءتها تشوبها شائبة، وقد تحققت فيها الشروط اللازمة، فمنذ ولادتها كانت من أصحاب الكرامة وضربت أروع الأمثال فى الصلاح والتقوى، كما أن الله اختصها بمعجزات كثيرة حتى قبل حملها بسيدنا عيسى، عليه السلام، وقد ميزها بالكثير الذى تحدت به أعراف الأحبار والكهنة اليهود، فقد خدمت فى بيت الله، بل وفرض الله مشيئته عليهم بأن تدخل المعبد المقدس الذى منعوها منه لكونها أنثى وتصلى فيه. وقد عُرف عن أولئك الكهنة احتقارهم للنساء ومنعهن من الدخول إلى عالم الكهنوت، إضافةً إلى المبالغة فى فرض المحرمات عليهن.

ألا تذكرنا هذه الصفات بالبعض؟ نعم، إنهم نفس الذين دفعهم احتقارهم النساء جميعًا إلى أن ينكروا نبوة أى امرأة حتى لو كانت تلك المرأة هى سيدتنا مريم العذراء، انظروا حتى إلى كلمة «سيدتنا» الغائبة عن ألسنتهم بعكس كلمة «سيدنا»، فقد تعودوا على أن يقولوا عن الذكر سيدنا فلان أما الأنثى فيقولون السيدة فلانة، ذلك أيضًا من أمثلة استعلائهم على جنس حواء بأكمله الذى يريدون فرضه حتى على العذراء المؤيدة بكلام الله، عز وجل.

يقولون: «لا توجد امرأة نبية»، وبصرف النظر عن تبريرهم ذلك بآرائهم التى توصم الإناث بالكثير والكثير، فإن دليلهم الوحيد القادرين على التشبث به هو قول الله تعالى «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم».

وقد أذكر أن من الفقهاء مَن فسر تلك الآية بأن المقصود بها إثبات أن الرسول إنما هو بشر أكثر من لفت الانتباه إلى كونه ذكرًا، وقد أقول إن للقرآن له لغته الخاصة التى تجعل من صيغة المذكر تعميمًا على الجميع وشمولا للنساء أيضا؛ كمثل قوله تعالى «وأذن للناس بالحج يأتوك رجالا»، فلو أخذنا بذلك القياس، فمعنى ذلك أن الحج للرجال فقط، إلا إننى سأدع كل ذلك جانبًا وألتزم بأن الرجال فى الآية الأولى إنما هم الذكور، لكن الناكرين نبوة سيدتنا مريم فات عليهم أن الآية تتحدث عن الرسالة «وما أرسلنا» لا عن النبوة، خصوصًا أن القرآن الكريم استخدم كلمة «البعث» للأنبياء، كقوله «فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين»، كما أن أولئك المنكرين تعلقوا أيضًا بدليل ضعيف لإثبات زعمهم، وهو قول الله، تعالى «ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة»، قائلين: لمَ لم يقُل الله «وأمه نبية»؟ وقد تجاهلوا «يوسف أيها الصديق» إذن فهى صفة يقصد بها المدح وإثبات الصدق لمريم التى تم اتهامها زورًا وبهتانًا بالزنى، كما تم اتهام يوسف بمراودة امرأة العزيز عن نفسها.


لذلك فتلك الآيتان الكريمتان لا تعدان أبدًا دليلا على نفى نبوة سيدتنا مريم، بل إن نبوءتها واضحة جلية فى قول الله تعالى «يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين»، فإن كان الاصطفاء على نساء العالمين يقصد به معجزة حملها وولادتها سيدنا عيسى دون أن يمسسها بشر، فما عساها أن تكون «اصطفاك» الأولى سوى الاصطفاء الذى خص الله به أنبياءه ورسله الكرام؟ كما أن سيدنا جبريل جاء إليها، قائلا: «إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلامًا زكيا»، فهذه نبوءة صحيحة بوحى صحيح ورسالة من الله إليها، كما أن جبريل جاءها أكثر من مرة يخبرها بكلام الله تعالى.


حسنًا، قد يظن البعض جهلا، وقد نشؤوا لسنوات طوال فى كنف الخطاب الدينى السائد، أن موضوع نبوة سيدتنا مريم بمثابة اكتشاف حديث فى الأوساط الدينية؛ لأن الكثيرين قد تجاهلوه عمدًا وإهمالا، ولكنه طالما كان أمرا معروفًا جاء فى الكتب القديمة التى ينهل منها نفس كبراء ذلك الخطاب الدينى علومهم؛ كالقرطبى الذى قال: «الصحيح أن مريم نبية لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك»، إضافةً لابن حجر والأشعرى وابن حزم وأبى عبيدة، ولكنها الأهواء تسلطت وأبَت أن تذكر الناس بما لا يشتهيه كبرها حتى ولو على حساب آيات الله البينات.


يبدو، يا سيدتى، أنك ما زلتِ تُظلمين حتى يومنا هذا، وليس كل ظالميك من اليهود؛ ذلك لأنك كنتِ وما زلت ثورة مؤيدة من الله ضد رجال الدين الحقَدة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..