عندما أنكر الصحابة معلومًا من الدين بالضرورة

أحمد وفيق



 عندما أنكر الصحابة معلومًا من الدين بالضرورة



تخيل أنك ذهبت فى رحلة إلى وسط أو غرب إفريقيا، وقابلت أحد أبناء القبائل البدائية المنتشرة هناك، وحاولت إقناعه بأن الإنسان مشى على سطح القمر منذ عشرات السنوات لكنك فشلت، هل تعتقد أن إنكار هذا الإفريقى لما وقع بالفعل لعدم اقتناعه وتثبته منه يستحق منك أن تعاقبه؟ بالطبع هو جاهل، والجاهل لا يستحق منا غير محاولة إفهامه وتنويره، أما تشنجنا وتعصبنا لما نؤمن ونعرف مع شخص أخفقنا فى توصيل إليه ذلك فهو أمر فى قمة الجهل.


الحالة أعلاه هى بعينها -كما يعلم أغلبنا- ما ينطبق على من لم تصله الرسالة المحمدية، وهى أيضا -كما لا يدرك أغلبنا- ما يجب أن تطبق فى المواضع التى يستخدم فيها محتكرو الدين سيف «إنكار معلوم من الدين بالضرورة».

ذلك السيف الذى يقطع به الفقهاء الحبل الذى يتمسك به المؤمنون، ويرمونهم إلى مهاوى الكفر والزندقة، لا لشىء إلا لأنهم لم يدخل عقولهم ولم تطمئن قلوبهم إلى أمر ما فى الدين، فى الأغلب الأعم لا علاقة له من قريب أو من بعيد بجوهر وعصب الإيمان برسالة سيدنا محمد.


ومن قلب القرن الأول الهجرى، درة التاريخ الإسلامى، نقدم لنا ولهم درسا من أروع وأبلغ ما يمكن أن نتعلمه فى هذا الشأن؛ حيث يروى كل من اهتم قديما وحديثا بتفاصيل جمع المصحف الشريف كيف اختلف عدد من كبار الصحابة فى ما بينهم حول عملية الجمع، بداية من ترتيب السور، ومرورا بالاختلاف بخصوص عددها، إلى الاختلاف على كتابة ونطق عدد غير قليل من آيات التنزيل الحكيم.. كل هذا دون أن يكفر بعضهم البعض، مع أن ما فعلوه فى حكم عباقرة مشايخنا إنكارا صريحا وكاملا لآيات هى بالقطع «معلوم من الدين بالضرورة».


البداية مع العملاق عمر بن الخطاب الذى كان يقرأ الآية السابعة من الفاتحة ويقول: «صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين»، مخالفا بذلك كل الصحابة الذين كانوا يقرؤون الآية كما نقرأها الآن. كما قرأ عمر مطلع سورة آل عمران: «ألم الله لا إله إلا هو الحى القيام»، وكان يقرأها الصحابة: «… هو الحى القيوم».

وانفرد أيضا على بن أبى طالب بقراءة مجموعة من الآيات على عكس ما اتفق عليه باقى الصحابة مثل الآية 285 من سورة البقرة حيث قرأ: «آمن الرسول بما أُنزل إليه وآمن المؤمنون…» بينما تواترت الآية: «آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون…».


وبالإضافة إلى عمر وعلى لدينا ثالث أربعة أمرنا الرسول الكريم بأن نأخذ منهم القرآن، وهو أُبى بن كعب الذى قرأ الآية 24 من سورة النساء: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى…»، والآية كما هى بين أيدينا: «فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن…» ولم يوافق أبى فى قراءته سوى حبر الأمة عبد الله بن العباس.

وفى واحدة من الآيات التى خالف فيها أبى بن كعب غيره من الصحابة واختلف معنى الآية تماما يقرأ ابن كعب الآية 158 من سورة البقرة: «…فلا جناح عليه ألا يطوف بهما…»، والمتفق عليه أن الآية تقول: «فلا جناح عليه أن يطوف بهما» ليعكس معنى الآية وبالتالى حكم الطواف بالصفا والمروة.


أما عبد الله بن مسعود وهو من هو فلنا معه وقفة خاصة؛ لأن عدد الآيات التى خالف فى قراءتها غيره من الصحابة هو الأكبر. فقرأ ابن مسعود: «إن الله لا يظلم مثقال نملة» وقرأ: «وتزودوا وخير الزاد التقوى» وقرأ: «لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم فى مواسم الحج حينئذ» وأيضا: «والعصر إن الإنسان لفى خسر، وإنه فيه إلى آخر الدهر» وقرأ: «وأقيموا الحج والعمرة للبيت».

وغيرها الكثير من الآيات التى قرأها ابن مسعود زائدة أو ناقصة أو مغايرة عما تواتر إلينا من القرآن.


ولا يمكن أبدا أن أقتنع بأن الاختلاف بسبب تنوع القراءات للقرآن؛ فكل من ذكرتهم هنا من قريش أى أن لسانهم واحد، باستثناء أُبى بن كعب الذى وافقه القرشى عبد الله بن العباس فى ما قرأ. إذن نحن أمام مجموعة من صحابة الدرجة الأولى خالفوا الإجماع فى أساس الدين وهو القرآن ولم يكفرهم أحد.

ولكن أليس من الجائز أن يقول متحذلق إن ذلك ليس إنكارا لمعلوم من الدين بالضرورة بل مخالفة له؟ طبعا يمكنه أن يقول، ونحن سنقول له: ما قولك فى أن عبد الله بن مسعود لم يعتبر سورة الناس وسورة الفلق من القرآن وقال إنهما مجرد رُقية؟ بخلاف موقفه من الفاتحة الذى تتضارب حوله المصادر.


طيب دعنا نتحدث فى المفيد: هل أدعو إلى أن يكون الدين بالمزاج نأخذ منه ما يروق لنا ونترك ما ليس على هوانا؟ أو إلى رفض آيات من كتاب الله بحجة أن الصحابى فلان أو علان قرأها بخلاف ما لدينا؟ الإجابة: لا وألف لا.

فأنا أؤكد أن شريعة الله بمجملها يجب علينا التصديق بها، أما ما أناقشه هنا حالة محددة يجد فيها الإنسان نفسه غير قادر على بلع فتوى أو حديث أو حتى حد من الإسلام ويكون رد الفعل تجاهه النبذ والتكفير وإهدار الدم، وهذا ليس من اختصاص كائن مَن كان.. غير أن غاية ما فى أيدينا أن نشرح ونفسر ونبسط عله يفهم ويؤمن، وما غير ذلك فمتروك لله فقط حتى وإن كان يصر ذاك الشخص على عدم الفهم.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.