من أجل ذلك.. الرسول وعلم الفلك

مي سعيد



  من أجل ذلك.. الرسول وعلم الفلك



على مدار التاريخ اعتبر نسور التراث غيرهم من التنوريين لقطاء يحملون سفاحًا فى مولود لم ولن يجد من يعترف به مهما عاش ومهما كبر، وغالبا ما حاولوا امتطاء الدستور ليدوسوا على كل ما يظهر من نور فى الأفق، فتظهر قضية حسبة هنا وقضية تفريق هناك، والمئات من قضايا إزدراء الأديان ولا يكلون ولا يملون، لكن لا بد للكلمة أن تهرب من الغاب، وستجد دائما فضاء تحلق به وترتفع، أما لعبة انتعال القوانين والدوس بها على عنق الكلمات فلقد أوشك عصرها على الانتهاء. اعتاد نسور التراث الدفاع عن روايات وأحاديث كثيرة، لكن أن يتبقى لهم رمق من شجاعة للدفاع عن نصوص أثبتت التجربة كذبها حتى صارت مضحكة فهو ما أجد صعوبة فى استيعابه، حتى نعام هذه الأيام توقفوا عن دفن رؤوسهم فى الرمال إذا ما أحسوا بالخطر وصاروا يجرون مبتعدين عن هذا الخطر، فقد طور النعام وسائله فى الدفاع عن فصيلته، فكيف لا يطور نسور التراث أنفسهم ووسائلهم أسوة بالنعام لربما استطاعوا حماية فصيلتهم من الانقراض والتقلص.


مقال اليوم بصدد مناقشة حديث نُسب إلى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، جاء فى صحيح البخارى باب «شهرا عيد لا ينقصان»: «حدثنا مسدد حدثنا معتمر قال: سمعت إسحاق عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان وذو الحجة».


لو صدقنا هذا الحديث فمعنى هذا أن شهر رمضان وشهر ذى الحجة 30 يوما طوال الوقت، أى أنهما كاملان كل عام ولا يأتيان أبدا ناقصين، ولو أغمضنا أعيننا للحظة وتخيلنا أن مثل هذا الكلام لم ينسب للرسول وأن أى شخص آخر يقصه علينا اليوم، ونحن نعلم علم اليقين أن هناك الكثير من السنوات التى يأتى فيها رمضان وذو الحجة ناقصين، لكان مثل هذا الكلام أشبه بنكتة مضحكة ولربما اتهمنا من يقول مثل هذا الكلام بالجنون أو الخرف، فكيف لنا أن نصدق أن مثل هذا القول يصدر عن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؟!


لكن ما يستدعى الحيرة والدهشة فى الحقيقة سؤال يلوح فى أفق هذا المقال، هل مختلق مثل هذا الحديث لا يصوم رمضان ولم يحج ولم يحدث أن مر به رمضان أو ذو الحجة ناقصا أبدا؟! ورغم أنى أعلم أن البخارى جمع أحاديثه بناء على آلية السند، ولم يلتفت إلى المتن لكن كلما صادفت حديثا كهذا أتساءل: ألم يسأل البخارى نفسه قبل إدراجه ضمن الأحاديث المنسوبة للرسول؟، ألم يلفت انتباهه أن هذا الكلام ينم عن جهل شديد بمعلومة غاية فى البداهة والبساطة؟، فكيف جهل بها رسول الله حاشاه.
عدم انتباه البخارى أو ربما عدم اكتراثه لمثل هذه الأحاديث يستدعى التوقف والتأمل، بل إن عدم انتباه من لحق به ممن قرؤوا البخارى إلى أن أطلقوا عليه «صحيح» واعتبروه أصح كتاب بعد القرآن الكريم ليستدعى المزيد من الدهشة والدراسة، والأهم من ذلك أنهم ينبغى عليهم أن يتوقفوا عن اعتبار مثل هذه الأقاويل علمًا، وأن يتوقفوا عن إطلاق لفظة علماء على أنفسهم، عندها فقط يمكنهم دفن رؤوسهم فى الرمال كيفما يحلو لهم، عندها فقط يمكنهم حمل البخارى وغيره من كتب الحديث دون تدبر وتفكير، أما لو صمموا على اعتباره علما فليناقشوا ما أثبته العلم ويخالفه طوال الوقت، أو لو أنه بالفعل علم «فالعلم» ليس ثابتا بل إنه شىء نسبى متغير يتغير كل يوم، فليغيروا هم ما أقروا من قبل بصحته وانتسابه للرسول حتى يمكننا أن نصدق أن هذا علم يتغير ويكتشف بين طياته فى كل يوم أمر جديد.



أقرأ أيضا