مشاهد النهاية فى حياة الراشدين الأربعة

حاتم صادق



 مشاهد النهاية فى حياة الراشدين الأربعة



فى إحدى رباعياته الشهيرة، يقول شاعر العامية الأشهر صلاح جاهين:
خرج ابن آدم من العدم قلت... ياه
رجع ابن آدم للعدم قلت... ياه
تراب بيحيا وحى بيصير تراب
الأصل هو الموت ولا الحياة؟
عجبى!


وفى محاولة للإجابة عن السؤال المطروح فى السطر الأخير من الرباعية، فإننى أرى أن السطر الأول منها قد تطوع بتقديم الإجابة حين ذكر حقيقة خروج ابن آدم من العدم، ومعنى هذا أن الأصل هو الموت أو العدم.


وبالعودة إلى القرآن الكريم، ذلك الدستور الإلهى الخالد الذى لم تنل منه أيدى العبث والتحريف، نجد تقريرًا واضحًا وقاطعًا لتلك الحقيقة «تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شىء قدير الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور»، فالحياة الدنيا يسبقها موت ويعقبها موت.


وإضافة إلى ما افتتحت به سورة «الملك» المكية، جاءت آية أخرى فى سورة «البقرة» المدنية تؤكد نفس المعنى وتقويه «كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون»، أى كيف تجحدون الخالق وتنكرون الصانع الذى أحياكم بعدما كنتم فى العدم نطفًا فى أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ثم يميتكم عند انقضاء الآجال، ثم يحييكم مرة أخرى بالبعث من القبور ثم يكون إليه المرجع للحساب والجزاء؟


وإذا كان الموت أصلاً، فإنه -وفى نفس الوقت- بالنسبة للأحياء حقيقة كونية تفرض نفسها على الجميع، لا ينفعها اعتراف معترف ولا يضرها إنكار منكر.

هذا إذا كان هناك مَن يستطيع أن ينكرها أو حتى يجادل فيها.


حقيقة راسخة ثابتة لا يؤثر فيها تجاهل أو تناسٍ أو كراهية.


حقيقة عادلة، الكل أمامها سواء، الكبير والصغير.. الغنى والفقير.. العظيم والحقير.


حقيقة حتمية غير متوقعة الحدوث بالنسبة لشخص بذاته «وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا»، ولكنها على العموم قوة قاهرة مستحيلة الدفع والمقاومة «كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون»، «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة».


حقيقة شامخة مكتفية بذاتها لا تحتاج إلى أسباب تؤدى إليها، فإذا جاء الموت، فكل الكون أسبابه، أما ما نعدده من أسباب للموت كالمرض والشيخوخة وغيرهما، إنما هى مجرد أسباب مجازية، محكومة بالأجل أولا وأخيرًا.


لما سُئل على بن أبى طالب، كرم الله وجهه: ألا تخاف الموت؟ قال: لا. يوم يأتى لا يستطيع أحد أن يمنعه.. ويوم لا يأتى لا يستطيع أحد أن يأتى به.


وفى تراث الشعوب كلها آراء حول الموت وحتميته وعجز الإنسان عن الوقوف فى وجه هذه القوة القدَرية والتصدى لها ومقاومتها.


والتراث العربى ملىء بالأمثلة التى وردت فى الشعر والأدب والروايات والقصص والأمثال، فها هو عنترة بن شداد يقول:
فالموت لا ينجيك من آفاته  حصن ولو شيدته بالجندل
وفى موضع آخر يقول:
ومن ذا يرد الموت أو يدفع القضا  وضربته محتومة ليس تعثر
وهذا آخر يقول:
وكل جديد يا أميم إلى البلى  وكل امرئ يوما يصير إلى كان
وهذا أبو ذؤيب الهذلى يقول:
وإذا المنية أنشبت أظفارها  ألفيت كل تميمة لا تنفع
ويؤكد عمرو بن كلثوم الأمر نفسه:
وإنّا سوف تدركنا المنايا  مقدرة لنا ومقدرينا
وهذا ما كرره عبيد الله بن الأبرص:
فأبلغ بنى وأعمامهم  بأن المنايا هى الواردة
لها مدة فنفوس العباد  إليها وإن كرهت قاصدة
فلا تجزعوا الحمام دنا  فللموت ما تلد الوالدة


وفى نفس هذا السياق، هناك قصة فى غاية التعبير والإيحاء والتصوير عما نحن بصدده، وهى أنه قد ماتت جارية لجبار الفرس «دارا» فحزن حزنا شديدا.. فوعده ديموقريطيس بإحيائها بعد دفنها، وقال له إن الأمر لا يتطلب أكثر من كتابة ثلاثة أسماء على القبر فتعود الجارية إلى الحياة وتعود الحياة إليها... فسأله «دارا»: وما تكون هذه الأسماء؟


فأجابه الفيلسوف الساخر وهو يصطنع الجد:


أسماء ثلاثة لم يفقدوا أحدًا من الأعزاء.


وكان هذا هو أفضل عزاء.


وعلى الرغم من كل ما سبق، فإن الإنسان لا يوقن بالموت كما ينبغى، إلا حين يأتيه الموت فى شخصه، هنا تزول الغفلة ويتبدد التناسى ولا ينفع النسيان.. وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: «الناس فى غفلة فإذا ماتوا انتبهوا».


وفى لحظات الموت يصل الإنسان إلى قمة المواجهة والصدق مع النفس، لا وقت للخداع ولا مجال للأوهام.. إنها لحظات المحاسبة والمراجعة والوصية، أو قُل إن شئت هى اللحظات التى يكتب فيها كل إنسان التقرير الختامى لرحلته فى تلك الحياة.


والناس عادةً يتطلعون بشغف وفضول إلى تخيل وتصور المشاهد والكلمات الأخيرة فى حياة العظماء والمشاهير، ولأننى واحد من الناس، فقد انتابتنى حالة من الفضول والشوق لرؤية ومتابعة مشاهد النهاية والاستماع للكلمات الأخيرة فى حياة كوكبة من رجال ونساء التاريخ الإسلامى، وفى مقدمتهم نبى الإسلام، عليه الصلاة والسلام، وخلفاؤه الراشدون.


فهيا معى، عزيزى القارئ، نشاهد الخلفاء الأربعة الراشدين وهم على الجسر الواصل بين الدنيا والآخرة فى ساعات الاحتضار، لنرى كيف استقبلوا الموت؟ وكيف كان شعورهم؟ وماذا قالوا فى كلماتهم الأخيرة؟


أبو بكر الصديق:
هذا الرجل العظيم الصديق الأول والصدوق لرسول الله، والذى رُوى فى حقه أن إيمانه لو وضع فى كفة وإيمان باقى الأمة فى كفة، لرجحت كفة هذا الرجل.


ومع ذلك أبى وهو فى مرض الموت إلا أن يحاسب نفسه ويلومها على بضعة أشياء.


نذكر من هذه الأشياء ثلاثة تمنى أبو بكر أن لم يكن قد فعلها «وددت أنى لم أكن فتشت بيت فاطمة، ووددت أنى لم أكن حرقت الفجاءة، ووددت يوم السقيفة -سقيفة بنى ساعدة- أنى قد ألقيت الأمر فى عنق أحد الرجلين فكان أميرًا وكنت وزيرًا».


فأما تفتيش بيت فاطمة الزهراء، فقد أشيع أن على بن أبى طالب قد تلكأ فى مبايعة أبى بكر فقيل إنه امتنع عنها وانحاز إليه جماعة من المهاجرين والأنصار واجتمعوا فى بيت فاطمة وبلغ الخبر أبا بكر، فذهب إلى بيت فاطمة وفتح الدار وحدثت مشادة كلامية بين عمر وعلى فخرجت السيدة فاطمة وقالت:
«والله لتخرجن أو لأكشفن شعرى ولأعجن إلى الله» فخرج أبو بكر وخرج مَن بالدار.


والقضية الثانية قضية رجل مجرم عتى فى الإجرام اسمه إياس بن عبد ياليل، ويُلقب بالفجاءة السلمى، استثار الصديق رضى الله عنه، فقد عاهده على قتال المرتدين وأخذ من أبى بكر السلاح والمال لهذا الغرض ولكنه نكث بوعده، بل وقطع الطريق على المسلمين وعاث فى الأرض فسادا، وأصبح مصدر خطر داهم يقتل ويسلب وينهب، فلما ظفر به الصديق أمر أن يحرق بالنار ولكن بعد ذلك تمنى أبو بكر أن لو كان أطلق سراحه أو قتله بغير الحرق.


وأما الثالثة، فقد تمنى أن لو طرح عن نفسه قبول الخلافة، وهذا نتيجة للإحساس والشعور الحى بعظم وخطورة المسؤولية فتمنى أن لو كانت الخلافة أخطأته وأصابت أحد صاحبيه عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح، فالحكم فى الفكر الإسلامى تكليف لا تشريف ومسؤولية لا وجاهة.


وعندما أدرك أبو بكر أن النهاية قد حانت، أوصى بالخلافة لعمر بن الخطاب، ولما قال له عمر: لا حاجة لى فى الإمارة رد أبو بكر قائلا: ولكن لها بك حاجة يا عمر.


ثم أوصاه وصية جامعة تشمل وتغطى ما نسميه بـ«الشأن العام».


ثم نظر فى شأنه الخاص، فأوصى بأن يرد ما عنده من مال إلى بيت مال المسلمين -ماذا كان عند أبى بكر فى هذه اللحظة؟ عبد وجمل وقطيفة ثمنها خمسة دراهم- وأوصى بأن يكفن فى ثيابه، ولما ذكر له الجديد قال: الحى أولى من الميت بالجديد.


ولم تغب عنه وهو فى غمرات الموت التفاتة ذهنه ولا دقة ملاحظته، فقد جلست ابنته السيدة عائشة بجواره، وأنشدت:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ربيع اليتامى عصبة للأرامل
فالتفت إليها أبو بكر، وقال: ذاك رسول الله، يا عائشة.


وتمثلت بقول حاتم الطائى:
لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى  إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فقال لها: ليس كذلك يا عائشة ولكن قولى: «وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد».


وبهذا كان أبو بكر فرحا بلقاء الله فعندما عرضوا عليه أن يأتوا له بالطبيب، قال: قد أتانى. فقالوا: وماذا قال لك؟ أجاب أبو بكر: قال إنى أفعل ما أشاء.. ففهموا قصده وسكتوا.


وكانت آخر كلماته: «توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين».


ثم مات وكان ذلك فى العام الثالث عشر من الهجرة، ودُفن مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم.


عمر بن الخطاب:
أعدل حاكم عرفه التاريخ وشهدته البشرية.


مات قتيلا بيد آثمة مجرمة مجوسية.


ما أعجب مفارقات الحياة! فى اللحظات الأخيرة وهو يعالج سكرات الموت وآلام الاحتضار، كان رأسه فى حجر ابنه عبد الله، قال: ظلوم لنفسى غير أنى مسلم أصلى الصلاة كلها وأصوم. ثم نطق بالشهادتين وكرر ذلك كثيرًا، ثم صعدت روحه إلى بارئها، وكان ذلك سنة 23هـ.


عثمان بن عفان:
عندما أحاط الثوار بمنزل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فى ظل بدايات أحداث ما يعرَف فى التاريخ الإسلامى بـ«الفتنة الكبرى»، كان عثمان بن عفان جالسًا فى حجرته يقرأ فى كتاب الله.


وعندما اقتحم الثوار إلى داخل الدار ودخلوا إلى مكان عثمان، كان الرجل قد بلغ قوله تعالى: «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل».


وحين أصابت إحدى ضرباتهم الآثمة كفة فأصابتها، لم يزد على أن قال: «والله إنها لأول يد خطت المفصل وكتبت آى القرآن».


وحين رأى دماءه تتفجر، طوى المصحف حتى لا تطمس الدماء بعض آياته ثم ضمه وهو يسلم الروح إلى صدره.


على بن أبى طالب:
لقى الإمام على بن أبى طالب ربه مصابا بضربة سيف وجهها إليه فى ساعة غدر، عبد الرحمن بن ملجم، وبعد الضربة تمكن المسلمون من الإمساك بالقاتل.

وفى تلك الأثناء كان الإمام فى حالة بين الحياة والموت فنظر فى وجوه من حوله فرآها تتفجر غيظا فتقدم هو فى إصرار ليحمى قاتله من أى مجاوزة أو تخط لحدود القصاص المشروع، فقال لبنيه وأهله: أحسنوا منزله وأكرموا مثواه.. فإن أعش فأنا أولى بدمه قصاصا أو عفوا، وإن أمت فألحقوه بى أخاصمه عند رب العالمين، ولا تقتلوا بى سواه «إن الله لا يحب المعتدين».


وفى لحظات نهايته، زاره وفد من أصحابه وسألوه أن يستخلف عليهم ابنه الحسن من بعده فأبى، وكانت آخر كلماته:
أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..