شاهد جديد على الحرب اللبنانية

بسمة علاء الدين



 شاهد جديد على الحرب اللبنانية



«حارس الموتى» رواية الكاتب جورج يرق الصادرة عن منشورات الضفاف ومنشورات الاختلاف 2015.

رواية لا تشبه مثيلاتها من الروايات التى تحدثت عن الحرب، تحديدًا الحرب اللبنانية، لعلها تلتقى مع أخواتها فقط عند بابَىّ الموت والخراب.


أراد الكاتب المواربة والاختباء خلف ظل قلمه عندما وشى بأن روايته من نسج الخيال وأن شخوصها جاؤوا بمحض الصدفة، لكنه ومن خلال انتقاله من باب إلى آخر تكتشف أنه عاش الحالة تمامًا وكأنه بطل الرواية.


بدأت الحكاية عندما قرر «عابر ليطانى» مغادرة الضيعة، واضعًا حدًّا لحياة التشرُّد والجوع والحرمان، فأقفل وراءه دفاتر البؤس.

كم ستفتقده شمس البلدة الحارقة، والغيوم الحبلى بقطرات المطر، وشوارع الضيعة الخاوية.


هنا يبدأ الكاتب نصب كمائنه حين يمرر حوارات ومواقف لامست وجع القارئ الظامئ إلى جرعة أمل تزيل من هواجسه صور القتلى الذين لا يريدون لقتلاهم أن يموتوا، بل يعيشون الموت الذى هو أهون من الموت نفسه.

حين طعَّم لغته السردية السهلة الممتنعة باللهجة المحكية اللبنانية والتى حمَّلها ببعض المقولات الشعبية كالحكم والأمثال وليؤصل المعطى، ضمن حبكته ببعض القصائد لشعراء من أمثال ميخائيل نعيمة وغيره، أما لغة الحرب فكانت مضمنة بحكم لقادة مشهورين من أمثال بونابرت.


زمن الرواية حقبة السبعينيات الفترة التى عاش فيه «عابر» هاربًا من حياة التشرُّد والطبيعة الماكرة، لتحتضنه بيروت بصدر رحب كمحارب متنقل من سماء البرق والرعد إلى سماء مطر الرصاص. ضعيف على هيئة محارب يختبئ وراء المتاريس، ساقه القدر لعامل مساعد ينظف جثث الموتى فى غرف العمليات هاربًا من مغتصب فتاة الهوندا وقاتل عزيزى أو الصائغ نابليون.  


وتكون سعادته القصوى عندما يقنص أحدهم، فيتجمع الناس حوله لسحب جثته، بينما هو يغرق فى الضحك ويستأنف قنصه للمحتشدين كى يردى جثثًا أخرى فوق الجثة الأولى.

كما يصبح شاهدًا على عمليات السرقة والنهب والاغتصاب التى تتم تحت غطاء الحرب، وفى ذلك كله يرفض أن يكون هو «فاعلاً» فى هذه الحرب، بل يصرّ على البقاء «شاهدًا» فقط، وحتى حين يُطلب منه أن يكون قناصًا فإنه لا يستطيع قتل أى شخص.

«لمّا كنت أرى فى المنظار ضحيّتى المحتملة تنتاب يدى رجفة فأفقد دقة التصويب. وشىء مثل غشاوة يغطّى فوهة المنظار فلا أعود أرى، وإذا رأيت فلا أرى جيدًا.

غشاوة كان يطلقها عدم اقتناعى بما أفعل، ورفضى إزهاق روح ذنب صاحبها العبور فى هذه اللحظة المشؤومة».


ولم يوفر الكاتب فى وضع القارئ فى كل تفصيل من حكاية «عابر» وفى النهاية ترك لنا سؤالاً واحدًا: ما الذى حصل مع هذا المتشرد، أين هو الآن وماذا يفعل، هل مات «عابر» أم أنه لم يزل على قيد الحياة؟!
لعل الأجوبة المهمة قد أغفلها الكاتب فى النهاية المؤجلة، ولا أدرى لماذا تنصّل ووارب عندما حاول تبرئة ذاته أمام عناد أسئلة قارئه الحق، حين قال فى أول سطر من الرواية: «المصادفة وحدها مسؤولة عما أعانيه الآن».


جورج يرق عاش جوانية اللبنانى الذى تجرَّع ويلات الحرب، ظل متوجسًا حتى السطر الأخير، واضعًا يده على قلبه وكأن القيامة ستقوم الآن.


يختار يرق أن يسرد روايته على لسان البطل، فيرصد ما يراه بعينيه، تاركًا الحقائق التى لا يعرفها لتظل على شكل احتمالات يقلبها بطله فى رأسه دون أن يصل، أو نصل معه، إلى نتائج نهائية، فليس المهم هنا هو النتيجة أو الحقيقة، بل المهم فى رؤية ذلك الشخص للحرب، فى تحولاته النفسية التى لم يكن من الممكن رصدها إلا بتسليم «الحكى» له، وإلا فإن الرواية كانت ستذهب فى اتجاه المباشرة لتوصل فكرتها.



أقرأ أيضا

البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.