هل مات الحسن مسمومًا؟

حاتم صادق



 هل مات الحسن مسمومًا؟



فى شهر رمضان من سنة 40هـ، وبعد استشهاد أمير المؤمنين على بن أبى طالب، اختار الناس الحسن بعد والده ولم يكن هناك أدنى شبهة توريث، فلم يوصِ أمير المؤمنين لأحد من بعده بالخلافة.


ولما تمت البيعة أخذ الحسن فى إحكام دولته، فرتب العمال وولَّى أهل الخبرة والأشراف من عدول المؤمنين وصلحاء المسلمين، وأعطى الأوامر الحازمة إلى الأمراء وزاد فى عطاء الجيش مئة مئة، وصارت له عند الناس منزلة غير عادية، حتى قال ابن كثير: «وأحبوه أشد من حبهم لأبيه».


لقد اختير الحسن بن على بعد والده اختيارًا شوريًّا، وأصبح الخليفة الشرعى على الحجاز واليمن والعراق، وكل الأماكن التى كانت خاضعة لوالده، وقد استمر فى خلافته ستة أشهر إلى أن نزل عن الخلافة لمعاوية فى ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين.


ولو أراد الحسن أن يتعب معاوية بحكم أن الشرعية معه لأمكن ذلك، ولقام بترتيب حملة إعلامية منظمة فى أوساط أهل الشام لكسب ثقتهم أو على الأقل لخَلْخلة موقف معاوية بينهم، فقد كان يملك قوة معنوية ونفوذًا روحيًّا لا يستهان به، بحكم الشرعية التى يستند إليها، ولكونه حفيد النبى الكريم.


وقد تحدثت المراجع التاريخية والمصادر الحديثة، وأشارت إلى حصول الصلح بين الحسن ومعاوية، وفق شروط وضعها الطرفان، يتلخص أهمها فى العمل بكتاب الله وسُنة نبيه وسيرة الخلفاء السابقين. وتضمن اتفاق الصلح بين الجانبين أن الناس كلهم آمنون، وأنهم أبناء اليوم، أو بالتعبير الشهير «عفا الله عما سلف من دماء أو أحقاد أو عداوات».


أما بالنسبة لولاية العهد، فقد قيل إن مما اتفق الجانبان عليه من الشروط أن يكون الأمر من بعد معاوية للحسن كما فى «فتح البارى لابن حجر العسقلانى»، وأن معاوية وَعد إن حدث به حدث، والحسن حى، يُسمينَّه وليجعلن الأمر إليه.


ولكن ابن أعثم روى فى هذا الخصوص عن الحسن أنه قال: «أما ولاية الأمر من بعده فما أنا بالراغب فى ذلك ولو أردت هذا الأمر لم أسلمه»، وجاء فى نص الصلح الذى ذكره ابن الحجر الهيثمى: «بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين».


هل مات الحسن مسمومًا؟
سؤال محير، القطع فيه مستحيل، لكن الترجيح ممكن، وهذه خلاصة الآراء فى القضية:
الاتجاه الأول، إجماع الشيعة ومن معهم من المتعاطفين من الصوفية من أهل السُّنة على أن معاوية قُتل بواسطة جعدة بنت الأشعث، زوجة الحسن! ووافقهم عدد مهم من الرواة والمحدثين السنيين كما يأتى:
ففى «الكافى» للكُلينى: عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «إن الأشعث بن قيس شرك فى دم أمير المؤمنين عليه السلام، وابنته جعدة سمَّت الحسن عليه السلام، ومحمد ابنه شرك فى دم الحسين عليه السلام». ومشكلة هذه الرواية أن  بن قيس قد مات قبل الحسن.


وفى كتاب «الفتوح» لابن أعثم الكوفى: «سمعنا من الثقات أنه قرر معاوية بن أبى سفيان أن يجعل ولده يزيد ولى عهده، مع علمه أن هذا الأمر صعب المنال، نظرًا لأن الصلح الذى أبرم بينه وبين الحسن بن على كان من بين شروطه أن يترك معاوية أمر المسلمين شورى بينهم بعد وفاته».


لذلك سعى فى موت الحسن بكل جهده، وأرسل مروان بن الحكم -طريد النبى، صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة وأعطاه منديلا مسموما وأمره بأن يوصله إلى زوجة الحسن جعدة بنت الأشعث بن قيس، بما استطاع من الحيل لكى تجعل الحسن يستعمل ذلك المنديل المسموم بعد قضاء حاجته، وأن يتعهد لها بمبلغ خمسين ألف درهم ويزوجها من ابنه، فذهب مروان تنفيذًا لأمر معاوية، واستفرغ جهده حتى خدع زوجة الحسن ونفذت المؤامرة، وعلى إثر ذلك انتقل الحسن إلى دار السلام، واغترت جعدة بمواعيد مروان، وأقدمت على تلك الجريمة الشنعاء».


ويتوافق مع ذلك الاتجاه، ما جاء فى روايات أهل السُّنة أن الجريمة ثابتة فى رقبة معاوية:
فقد روى ابن الأثير فى «أسد الغابة فى معرفة الصحابة» فى ترجمة الحسن بن على: «وكان سبب موته أن زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس سقته السم… فقال الحسين: من سقاك يا أخى؟ قال: ما سؤالك عن هذا؟ أتريد أن تقاتلهم؟ أكلهم إلى الله، عز وجل».


وفى «ربيع الأبرار» للزمخشرى: «جعل معاوية لجعدة بنت الأشعث، امرأة الحسن، مئة ألف، حتى سمَّته ومكث شهرين، وإنه ليرفع من تحته كذا طستًا من دم.

وكان يقول: سقيت السم مرارًا ما أصابنى فيها ما أصابنى فى هذه المرة لقد لفظت كبدى فجعلت أقلبها بعود كان فى يدى».


وقال أبو الحسن المدائنى: «كانت وفاته فى سنة 49هـ وكان مريضًا أربعين يومًا، وكانت سنه سبعًا وأربعين سنة، دسَّ إليه معاوية سمًّا على يد جعدة بنت الأشعث، زوجة الحسن، وقال لها: إن قتلتِه بالسم فلك مئة ألف وأزوجك يزيد ابنى.

فلما مات وَفى لها بالمال ولم يزوجها من يزيد، وقال: أخشى أن تصنعى بابنى ما صنعت بابن رسول الله».


وقال الشعبى: «إنما دسَّ إليها معاوية، فقال: سُمِّى الحسن وأزوجك يزيد وأعطيك مئة ألف درهم، فلما مات الحسن بعثت إلى معاوية تطلب إنجاز الوعد فبعث إليها بالمال، وقال: إنى أحب يزيد وأرجو حياته، ولولا ذلك لزوجتك إياه»!


وفى «الاستيعاب فى معرفة الأصحاب» يقول ابن عبد البر: «قال قتادة وأبو بكر بن حفص: سُمَّ الحسن بن على، سمته امرأته بنت الأشعث بن قيس الكندى.

وقالت طائفة: كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها فى ذلك وكان لها ضرائر. فالله أعلم».


وفى «مقاتل الطالبيين» لأبى الفرج الأصفهانى: «ودس معاوية إليه حين أراد أن يعهد إلى يزيد بعده وإلى سعد بن أبى وقاص، سُمًّا فماتا منه فى أيام متقاربة! وكان الذى تولى ذلك من الحسن -عليه السلام- زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، لمال بذله لها معاوية.

وأهل السُّنة يَعُدُّون أبا الفرج الأموى النسب شيعيًّا، ولكنه شيعى بالمعنى الأعم».


وفى «مروج الذهب» للمسعودى: «وذكر أن امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندى سقته السم، وقد كان معاوية دسَّ إليها: إنك إن احتلتِ فى قتل الحسن وجهت إليك بمئة ألف درهم، وزوَّجتك من يزيد، فكان ذلك الذى بعثها على سمه، فلما مات وفى لها معاوية بالمال، وأرسل إليها: إنا نحب حياة يزيد، ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه».


وقد قال ابن حجر فى «الصواعق المحرقة»: «وبموته مسمومًا شهيدًا جزم غير واحد من المتقدمين والمتأخرين، كقتادة وأبى بكر بن حفص».


وهناك اتجاه آخر من كثير من أهل السُّنة يقطعون ببراءة معاوية من تهمة دس السم للحسن، فهذا ابن تيمية فى «منهاج السُّنة» يقول: وأما قوله: معاوية سمّ الحسن، فهذا ممن ذكره بعض الناس، ولم يثبت ذلك ببينة شرعية، أو إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به، وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم.

وقد جاء عن ابن تيمية فى رده عن اتهام معاوية بسمّ الحسن، وأنه أمر الأشعث بن قيس بتنفيذ هذه الجريمة وكانت ابنته تحت الحسن، حيث قال: وإذا قيل إن معاوية أمر أباها كان هذا ظنًّا محضًا، والنبى، صلى الله عليه وسلم، قال: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث. ثم إن الأشعث بن قيس مات سنة أربعين وقيل سنة إحدى وأربعين، ولهذا لم يذكر فى الصلح الذى كان بين معاوية والحسن بن على، فلو كان شاهدًا، لكان يكون له ذكر فى ذلك، وإذا كان قد مات قبل الحسن بنحو عشر سنين، فكيف يكون هو الذى أمر ابنته؟


وفى ذات السياق، قال الذهبى: «قلت هذا شىء لا يصح فمن الذى اطلع عليه؟».
وأما ابن كثير فيقول: «روى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سُمّى الحسن وأنا أتزوجك بعده ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إليه فقال: إنا والله لم نرضك للحسن، أفنرضاك لأنفسنا؟» وعندى أن هذا ليس بصحيح.


وفى كل الأحوال، سواءً مات الحسن بن على أو قُتل، تظل هناك ملاحظة أن الطرف الشيعى فى تناوله طبيعة الوفاة، لديه إجماع يقينى على أن الحسن قد قتل مسموما بتدبير من معاوية.. وعلى الجانب الآخر، نجد أن الطرف السُّنى لديه انقسام حاد وواضح فى المسألة، وهذا من شأنه أن يجعل كفة الميزان تميل إلى الترجيح بأن حفيد النبى قد قتل مسموما، وأن الفاعل هو الطرف المستفيد من هذا الفعل المشين سواءً أكان هذا الطرف هو معاوية الذى كان يقلقه بالطبع وجود الحسن كمنافس أو ولى للعهد، أم كان هو عموم الأمويين الذين كان يسبب لهم وجود الحسن إزعاجا شديدا لاحتمال عودة الخلافة الراشدة فى شخصه النبيل.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...