احتلال المدينة المنورة ومبايعة علِى بن أبى طالب

حمدى أبو جليل



 احتلال المدينة المنورة ومبايعة علِى بن أبى طالب



بعد مقتل عثمان بن عفان ضجَّت المدينة المنورة، صحيح أن قتله كان متوقعًا فى أى لحظة بعدما بدأ فعليًّا بحصاره ثم حرمانه من الطعام والماء، لكن وقوعه فعليًّا أحدث صدمة مدوية، وكل صحابة رسول الله بمَن فيهم الذى عادى عثمان بل تآمر عليه كطلحة بن عبيد الله، غضبوا لمقتله واعتبروه فتنة وكفرًا وخروجًا على ملّة الإسلام، لكن الثوار أو القتلة -سمهم ما شِئت- لم يسمحوا بأى حركة ضدهم، وحكموا المدينة المنورة بالسيف، وألزموا أهلها الانضباط فى الحياة الطبيعية من البيت للجامع للسوق، ووقفوا لهم فى الشوارع والنواصى وأمام البيوت، وفرضوا واقعًا جعل من مجرد التفكير فى المطالبة بدم عثمان جُرمًا وخروجًا على سلطتهم، وسيدنا علِى نفسه على شدّته فى الحق وحبّه لعثمان استهول المطالبة بالقصاص من قتلته، وعندما ألحّ عليه بعض الصحابة قال ما يعنى أنه من العبث التفكير فى القصاص من ناس مسلحين محتلين وحكام فعليين للمدينة المنورة!


ولكن فى هذا الحيّز كان الكلام دائرًا بين القرشيين على الأولى بالخلافة، والثوار أو قاتلى عثمان أنفسهم، نظرًا لأنهم بلا قائد يعتد به، وأن أغلب أو قُل كل مناصريهم فى المدينة كانوا من شباب قريش الذين لا وزن لهم ولا مكانة -اختاروا من كبار القرشيين ثلاثة، المصريون اختاروا علِى بن أبى طالب، والكوفيون اختاروا الزبير بن العوام، والبصريون اختاروا طلحة بن عبيد الله، وكلهم صحابة للنبى وكلهم أعضاء فى مجلس شورى عمر بن الخطاب، وكلهم أحق قبليًّا وشرعيًّا بالخلافة، وكل قوم ذهبوا إلى مرشحهم يحثونه على الخلافة وأنه الأحق والأقدر والأقرب إلى الله ورسالته ونبيه، علِى بن أبى طالب التقوه فى السوق والجامع، وطلحة والزبير ذهب إليهما الناس فى بيتيهما، وكلهم رفض، حتى طلحة رفض واختفى غير مرة من مرشحيه.


أما قريش، أقصد جمهرتها وسادتها باستثناء بنى هاشم، فلم يرشحوا أحدًا، يبدو أن معرفتهم بأن ابن عمّهم علِى بن أبى طالب الأحق والأجدر والفائز بها فى النهاية جعلهم يركزون فى رفضه، حتى ولو لم يزكوا غيره فى البداية، وهى خصيصة عربية بدوية أصيلة، الأمويون أولاد عم علِى بن أبى طالب الأقربون الشركاء فى حكم قريش الجاهلية فرّوا من المدينة كلها، بعضهم فرّ إلى مكة وبعضهم فرّ إلى الشام، ووقف بينه وبينهم دم عثمان بالباطل والحق أيضًا، فمنذ أن بويع علِى بن أبى طالب صار مسؤولاً على البت فى دم عثمان.

وعبيد الله بن عمر الذى طالب سيدنا علِى بتنفيذ القصاص منه فى دم الهرمزان ظلمًا فى قتل والده، رفض مبايعة علِى فى المسجد وعلى الملأ وهمّ الأشتر وغيره بقتله، ولكن سيدنا علِى منعهم، وقال : «دعوه، أنا حميله، إنك -ما علمت- لسيئ الخلق صغيرًا وكبيرًا»، أما بنو تيم آل أبى بكر الصديق وبقيادة السيدة عائشة، فقد رشّحوا ابن عمهم طلحة، وقالت السيدة عائشة لعبد الله بن عباس: متى يذهب هذا الرجل؟ (تقصد عثمان فى حصاره الأخير) ويتولاها ابن عم أبى بكر الصديق.


وكون طلحة بن عبيد الله خال محمد بن أبى بكر، أحد أشد المتحمسين المشاركين فى حصار عثمان وقتله، وكونه كان يتواصل جهارًا مع محاصريه حتى رآه وسمعه عثمان نفسه، جعله يبدو وكأنه قائد الثورة التى أطاحت بعثمان والأحق بخلافته.


لكن فى النهاية حُسمت الخلافة لعلِى بن أبى طالب، حسمها مناصرة غالبية الأنصار وسبقه ومكانته وجهاده فى الإسلام، وفى اليوم الخامس لمقتل عثمان قبلها علِى، قبلها فى بيته، واشترط أن يكون فى الجامع وعلى الملأ، وخاف عبد الله بن العباس الأحكم منه، وقال خفت أن يشغبوا عليه، وبالفعل كان يمكن أن يشغبوا عليه فى ظروف قتلهم لعثمان واحتلالهم المدينة بحد السيف، ولكنهم ذهبوا إلى المسجد وصعد سيدنا علِى على المنبر.. وهنا يختلف الرواة، الحقيقية ليس هنا فقط وإنما فى كل حادثة أو معلومة أو حتى اسم إنسان فى التاريخ الإسلامى يختلف الرواة، وذلك لأنه تاريخ متعاركين، تاريخ ناس ساحبين السلاح على بعض فعليًّا، أبطاله ورواته يروونه وهم يقتلون بعضهم بعضًا، وبالتالى لا بد أن لكل منهم روايته ورأيه وميوله أو على الأقل موقعه فى أرض المعركة، سواء كان قاتلاً أو قتيلاً، ظالمًا أو مظلومًا، سيدنا علِى وسيدنا طلحة وسيدنا الزبير وسيدنا معاوية وغيرهم من صحابة رسول الله وأشياعهم وأتباعهم هم صنّاع هذا التاريخ ورواته ومقاتلوه فى نفس هذا الوقت.  


المهم أن الرواة اختلفوا فى ما حدث يوم بيعة علِى بن أبى طالب فى مسجد رسول الله، واشتد الخلاف فى موقف طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام أقوى منافسيه، طلحة يُقال إنه بايع علِى مكرهًا، ولمّا لاموه عليها فى ما بعد قال «بايعت بحد السيف» أو تحت حد السيف، ونقل الطبرى عن أحمد بن زهير، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: سمعت أبى، قال: سمعت يونس بن يزيد الأيلى، عن الزُّهرى، قال: بايع الناس علِى بن أبى طالب، فأرسل إلى الزبير وطلحة فدعاهما إلى البيعة، فتلكّأ طلحة، فقام مالك الأشتر وسلّ سيفه وقال: والله لتبايعنّ أو لأربنّ به ما بين عينيك، فقال طلحة: وأين المهرب عنه! فبايعه، وبايعه الزبير والناس.

وسأل طلحة والزّبير عليًّا أن يؤمّرهما على الكوفة والبصرة، فقال: تكونان عندى فأتحمَّل بكما، فإنى وحش لفراقكما. قال الزهرى: وقد بلغنا أنه قال لهما: إن أحببتما أن تبايعا لى وإن أحببتما بايعتكما، فقالا: بل نبايعك، وقالا بعد ذلك: إنما صنعنا ذلك خشية على أنفسنا، وقد عرفنا أنه لم يكن ليبايعنا.

فظهرا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر.


ويقال أيضًا إن طلحة على العكس أول مَن بايع راضيًا بل مطالبًا بخلافة علِى، وقال له ابسط يدك أبايعك وبايعه، ويُقال إن يده كانت مصابة بشلل خفيف، وإن أحد حضور بيعته اعتبرها فألاً سيئًا على خلافة علِى، وقال «إنا لله وإنا إليه راجعون، أوّل يدٍ بايعت أمير المؤمنين يدٌ شلّاء، لا يتمّ هذا الأمر!».


ويُقال إن سيدنا الزبير الذى كان مقربًا من عثمان ويُشاع أنه أوصى له، بايع فى المسجد ويقال فى بيته، ويقال أيضًا إن علِى ذهب إليه فقال لخادمه حبيب: ارجئه، وسحب السيف ودسّه تحت السرير واستلقى على السرير وقال أدخله، ودخل علِى بن أبى طالب وسلّم عليه وخرج، فارتاب الزبير وقال لخادمه: قف مكانه وانظر هل ترى السيف، ووقف وقال إنه يراه، فقال الزبير: هذا ما صرفه أو أعجله!


ولكن المجمع عليه أنهم بايعوا فى النهاية، وأن علِى الأحق بالخلافة منهما على أى مستوى أو تضحية أو سبق فى تاريخ الإيمان بالرسول ورسالته، وإذا كانت الخلافة فى قريش حسب الحديث الملفق وحسب أيضًا واقع الحال فى التاريخ الإسلامى برمته، فالأولى بها علِى بن أبى طالب ابن عم رسول الله وعترته وربيبه.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.