التيه الفلسطينى بين تعثر المصالحة وصفقة ترامب

حسام مؤنس



التيه الفلسطينى بين تعثر المصالحة وصفقة ترامب



بينما لا يزال عداد شهداء ومصابى مسيرات العودة الفلسطينية الأسبوعية مستمرًّا فى التصاعد، بعد مقتل 7 فلسطينيين وإصابة ما يزيد على 500، يوم الجمعة الماضى، فى ذكرى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية قبل 18 عامًا، فإن سيل الدماء المتواصل لم يعد يمثل الكثير -بكل أسف- للأطراف السياسية الفلسطينية التى يواصل كل منها التصلب فى موقفه متسترًا وراء شعارات وأهداف تخصّه، بينما تبدو جهود المصالحة بين الفصائل الفلسطينية، وتحديدًا حركة فتح التى تمثل السلطة، وحركة حماس التى تدير قطاع غزة، فى حالة تعثر مستمر.

 

ورغم الزيارات المتتالية لوفود مصرية إلى حركتَى فتح وحماس، وآخرها الأسبوع الماضى، والزيارة التى يقوم بها وفد حماس هذا الأسبوع إلى القاهرة بعد زيارة مماثلة قبل أسبوعين تقريبًا لوفد آخر من حركة فتح، فإن تصاعد حدة الخلافات وتبادل النقد والهجوم علنًا عبر تصريحات إعلامية، يشير بوضوح إلى أن ملف المصالحة قد يبقى محلك سر لفترة طويلة مقبلة، رغم ما يبدو من شبه تجميد لمحاولات الوصول إلى اتفاق تهدئة بين الكيان الصهيونى وحماس خلال الأسابيع السابقة، بعد أن رفضت السلطة الفلسطينية أى اتفاقات خارج إطار ما تسميه الشرعية الفلسطينية وضرورة مرور أى اتفاقات مع الكيان الصهيونى من خلال السلطة، وتأكيد أولوية عودة الحكومة للسيطرة بشكل كامل على إدارة قطاع غزة. 

 

الخطاب الأخير لمحمود عباس أمام الأمم المتحدة وما حمله من هجوم على حركة حماس ومنحها ما اعتبره فرصة أخيرة خلال المفاوضات التى تجرى الأسبوع الحالى، والهجوم السابق واللاحق من حركة حماس ضد عباس، يمثل مؤشرًا واضحًا على ما وصلت إليه الأمور بين الطرفين حتى الآن، ويقدم دلالة كذلك على ما يمكن توقعه ببساطة من استمرار تعثر جهود التوافق بين الطرفين للتقدم فى ملف المصالحة. 
 

وبينما يبدو المشهد الفلسطينى على الصعيد الداخلى بذلك الوضع، فإن الإدارة الأمريكية -فى ما يبدو- تستمر فى استعدادها لتعزيز انحيازها السافر للكيان الصهيونى، الذى وصفه ترامب مؤخرًا بأنه دعم كامل لإسرائيل بنسبة 100% بعد لقائه مع رئيس الوزراء الصهيونى نتنياهو على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. صحيح أن هذا اللقاء شهد للمرة الأولى تصريحات من جانب ترامب بخصوص حل الدولتين، إلا أنه جاء بمعنى عدم معارضته له وليس التزامه به، كما جاءت إشارة ترامب للإعداد لإعلان تفاصيل المبادرة الأمريكية للسلام، والمعروفة إعلاميًّا باسم صفقة القرن خلال فترة من شهرين إلى أربعة أشهُر، وهو ما يعنى أن الإدارة الأمريكية مستمرة فى طريقها رغم كل ما يبدو من معارضة فلسطينية وعربية لملامح هذه الصفقة، وإن كان التأجيل الذى تم أكثر من مرة، سواء تحت ضغوط عربية أو بسبب إجراء تعديلات على الخطة، أو انتظارًا لفرض أمر واقع عبر القرارات والإجراءات الأمريكية المتوالية خلال الفترة السابقة، بدءًا من الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيونى ونقل السفارة إليها، ووصولًا إلى طرد السفير الفلسطينى ووقف المساعدات لوكالة الأونروا، فإنه هذه المرة يبدو فقط فى انتظار تمرير انتخابات الكونجرس الأمريكى المقبلة فى نوفمبر، حتى لا تتأثر نتائجها بهذه الصفقة التى ستتبناها الإدارة الأمريكية، ومن ثم فإن الإعلان المتوقع عن ملامح الصفقة بشكلها النهائى قد يكون خلال ديسمبر أو يناير وفقًا لما أعلنه ترامب فى تصريحاته الأخيرة. 
 

استغلال الإدارة الأمريكية للموقف الفلسطينى المفكك والمتهافت داخليًّا يبدو واضحًا فى فرض أمر واقع جديد، وكذلك استغلال الكيان الصهيونى لتراجع القضية الفلسطينية طوال السنوات الماضية، واستمرار الانقسامات الفلسطينية، بينما تواصل تعزيز علاقاتها مع الدول العربية الأخرى تحت زعم وجود عدو مشترك هو إيران والإرهاب، وهو ما يبدو واضحًا عبر مواقف وتصريحات متكررة آخرها ما قاله نتنياهو نفسه فى الأمم المتحدة. وفى هذا السياق يأتى سعى الإدارة الأمريكية للفصل ما بين مسار القضية الفلسطينية وأى خلافات حوله وما بين تشكيل تحالف إقليمى دولى فى المنطقة تحت قيادتها لمواجهة إيران والإرهاب، وهو ما عُرف باسم الناتو العربى، الذى يبدو أن خطوات عملية لتدشينه قد بدأت عبر الاجتماع الأخير لوزير الخارجية الأمريكى مارك بومبيو مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجى ومصر والأردن، والذى كان لافتًا فيه حضور قطر رغم المقاطعة المصرية الخليجية لها، وهو الاجتماع الذى يأتى بعد إعلان ترامب عن سعيه لتشكيل تحالف مع هذه الدول فى المنطقة، ويأتى أيضًا بعد اجتماع مماثل لرؤساء أركان جيوش تلك الدول مع قائد القيادة المركزية الأمريكية فى الكويت خلال الشهر الماضى. 
 

بالعودة إلى ما أعلنه ترامب بخصوص موعد إعلان تفاصيل صفقة القرن الأمريكية للسلام، خلال فترة من شهرين إلى أربعة شهور، فإن الإعلان أيضا عن الترتيب لعقد قمة أمريكية عربية خلال يناير المقبل لتدشين ما يسمى بتحالف الشرق الأوسط الاستراتيجى، قد يشير إلى أن هذا التزامن فى التوقيت ليس مصادفة، وأنه رغم المعارضة الرسمية العربية المعلنة لما أعلن سابقًا من ملامح صفقة التسوية الأمريكية، فإنه قد تكون هناك مواقف مختلفة مع إعلان الصفقة بعد قدر من التعديلات التى قد لا تمثل شيئًا جوهريًّا فى الحقيقة، فى ظل مواقف الإدارة الأمريكية الواضحة، أو فى الحد الأدنى فإنه قد يكون هناك اتفاق على الفصل بين المسارين، وتجاهل الخلافات التى قد تستمر حول القضية الفلسطينية، ومسار تشكيل تحالف استراتيجى مع الولايات المتحدة، هو فى حقيقته ليس إعلانًا عن سياسات أو توجهات جديدة بقدر ما هو تدشين لمرحلة جديدة تتحمل فيها الدول العربية والخليجية أعباء وتحديات المنطقة التى لا يرغب ترامب فى تحمُّل بلاده لها ولتكاليفها، لكن تحت الرعاية والوصاية الأمريكية التى تضمن استمرار حضورها ونفوذها فى المنطقة. 
 

ورغم بعض العقبات التى قد تواجه المشروع الأمريكى للتحالف الجديد، ومن بينها -على سبيل المثال- الخلاف الخليجى المصرى مع قطر، والذى قد نشهد فيه فصولًا جديدة أقل حدة مما سبق خلال الفترة المقبلة، خصوصًا بعد أنباء عن استعداد الكويت لوساطة جديدة، يبدو أن زيارة ولى العهد السعودى مطلع الأسبوع الجارى تأتى بخصوصها، أو بعض التحفظات غير المعلنة التى يمكن استنتاجها من التصريحات الرسمية للخارجية المصرية التى أشارت إلى أن أفكار وزير الخارجية الأمريكى فى الاجتماع الأخير أفكار أولية وستجرى دراستها والتشاور بشأنها، إلا أن المؤكد أن الفصل بين المواقف والسياسات الأمريكية إزاء القضية الفلسطينية، والعلاقات العربية الأمريكية وتدشين تحالف استراتيجى جديد بهذا الشكل لا يمكن أن يكون موقفًا متسقا مع ما هو معلن من رفض دول عربية للصفقة الأمريكية، والحد الأدنى المنطقى والمقبول إذا كان ذلك حقا هو الموقف العربى الرسمى وليس مجرد ستار تكتيكى مؤقت، أن يتم ربط المسارين معًا، خصوصًا أن المستفيد الأكبر من هذا التحالف فى الحقيقة هو الولايات المتحدة وإسرائيل معًا، وفى وقت يظلان فيه هما الطرف الأكثر استفادة أيضًا من بقاء وضع القضية الفلسطينية على ما هو عليه حاليا، مع تدشين عدو جديد لدول المنطقة وفتح الباب لمسار تطبيع معلن أو سرى مع الدول العربية لمواجهة هذا العدو المشترك، حتى وإن لم تكن إسرائيل طرفًا مباشرًا فى التحالف المزمع.

 

ولعل ذلك الربط بين مسارَى القضية الفلسطينية والحديث عن التحالف الجديد من جانب الدول العربية، خصوصًا مصر والأردن، وبالتزامن مع قدر أكبر من الوعى والمسؤولية من جانب القيادات الفلسطينية لإدراك أن اللحظة توجب التوافق الداخلى والمصالحة فى مواجهة واحد من أخطر التحديات التى تواجه القضية على مدار تاريخها، قبل أن تتم تصفيتها نهائيًّا. 



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...