طلب «ربع ساعة نوم».. فكشف عن الحقيقة

كريم البكرى



طلب «ربع ساعة نوم».. فكشف عن الحقيقة



لم يكن فى حاجة إلى «تابلت» أو زى مدرسى لائق أو فناء واسع لقضاء الفُسحة، لم يهتم بالمؤتمرات التى ادَّعت إحداث نهضة تعليمية كبيرة، لم ينشغل باهتمام الدول الأوروبية بشأن تجربة تطوير التعليم المصرية مثلما يقول وزير التربية والتعليم، كل ما كان يحتاج إليه هذا الطفل هو ربع ساعة نومًا، هكذا تم تداول مقطع لطفل فى الصف الأول الابتدائى، يصرخ باكيًا طالبًا من معلمته أن تسمح له بالنوم لمدة ربع الساعة.

 

كان هذا الفيديو فاضحًا لمواطن قصور عديدة فى العملية التعليمية بمصر، وللأسف هى ليست بمستجدة أو مستحدثة، ومن المفترض أن تكون وزارة التربية والتعليم على علم بها، خصوصًا أنها المفترض بصدد تطبيق مشروع تطوير التعليم بتمويل من البنك الدولى، ومن غير المعقول أن تبدأ التجربة الجديدة بهذا القدر من الفضائح التى كان من المفترض أن تكون مُعدلة.
 

قد يتهمنى البعض بالتسرع فى الحكم على التجربة، وفى الواقع أنا لم أحكم على التجربة ولكنى بصدد تكوُّن الانطباع المبدئى والذى بالطبع لم يصب فى مصلحة الوزارة، فالمفترض أن الدكتور طارق شوقى وزير التربية والتعليم، يشغل منصبه منذ فبراير 2017، أن منذ نحو عام ونصف العام، ولقد احترمت صمته وانشغاله بمتابعة مجريات الأمور حتى كشف النقاب عن خطة تطوير التعليم التى لا أتوقع أن أحدًا يتمنى لها الفشل.
 

طيلة عام ونصف العام كانت مساوئ عديدة واضحة جليّة، ومن السهل تغييرها والتغلب عليها، ولكن يبدو أن وزير التربية والتعليم استسلم لهذه المساوئ التى ذكرنا بها فيديو الطفل الباكى.

 

أولًا: المقاعد المتهالكة
فى نظام التعليم الجديد من المفترض أن يجلس الأطفال فى مجموعات لا فى صفوف، حتى يزيد التفاعل المشترك بينهم ويعتادوا على العمل ضمن مجموعات، وهذا أمر محمود فى ظاهره، ولكن الفيديو فضح باطنه، فإذا كانت هذه هى المقاعد التى سيجلس عليها الأطفال، وهذه هى التقسيمة المفترضة للمجموعات، يؤسفنى أن أصف ذلك بـ«العبث».
فالأطفال لم يكنوا على مسافة قريبة بعضهم من بعض، كما أن المقاعد كانت متهالكة وفى حالة سيئة لا تناسب نظامًا تعليميًّا جديدًا، أو أطفال بروح جديدة ومن المفترض أن يتشكل لديهم وعى جديد، أو بداية العام الدراسى.. فمن المفترض أن تخضع المدارس لعمليات صيانة شاملة فى الإجازة الصيفية، ولكن ما شهدناه فى الفيديو يكشف عن سوء التحضير للعام الدراسى الجديد.

 

ثانيًا: المُعلمة
من المفترض أن الطفل بطل الفيديو فى الصف الأول الابتدائى، وظهرت فى نفس الفيديو معلمته التى كانت ربما فى عقدها الرابع أو الخامس، وهذا شىء لا يعيبها على الإطلاق، ولكنه أيضًا يطرح استفهامات عن المُعلمين الجدد والشباب، فإذا كانت الوزارة ترغب فى دمج التكنولوجيا مع التعليم، وتطوير أساليب التدريس، وتسهيل التواصل بين الطلاب، وتعزيز ثقافة المرح واللغة والرياضة، فلماذا إذن الاعتماد على كبار السن؟! لماذا لم تستغل الدولة مسابقة الـ30 ألف معلم التى أعلن عنها الرئيس عبد الفتاح السيسى فى ما سبق؟! ولماذا لم تخصص الدولة لسنوات العام الدراسى الجديد طاقمًا جديدًا من المعلمين الشباب، حتى يُعتمد عليهم فى نقل ثقافة التطوير إلى أجيال المعلمين السابقة؟!

 

ثالثًا: العصا
كانت المعلمة السابق التحدث بشأنها فى الفيديو تحمل عصا، فى إشارة متكررة إلى سياسة تخويف الطلاب وقهرهم، وكأن الطفل المصرى لابد له من فزاعة، هذا هو التفكير الذى تربت عليه المعلمة وربَّت العديد من الأجيال، وللأسف هذه الأجيال استمرت فى نقل وتوريث سياسة الفزاعة المتمثلة فى كل أساليب العقاب غير الآدمية، ولكن طفل الألفية الثالثة لا يصلح أن يُعامل كما البهائم، لا يصح أن تدَّعى الوزارة أنها بصدد تطبيق خطة تعليمية شاملة ومتطورة، بينما تترك المعلمين يتمسكون بأساليبهم الخاطئة فى التدريس!
الأمانة الصحفية تستوجب التنويه عن رد المُعلمة، التى قالت خلال مداخلة هاتفية ببرنامج الإعلامى معتز الدمرداش، إن هذه العصا كانت فقط تستخدمها فى الشرح على اللوحات، ولم تقصد بها إخافة الأطفال أو ضربهم، مؤكدة أنها لم تضرب طالبًا طيلة 35 عامًا من التدريس.
والعهدة على الراوية، وكم أتمنى أن تكون صادقة فى مقصدها، ولكن للأسف تصريحات المُدرسة لا تنفى كون أسلوب الضرب والتعنيف والإخافة منتشرًا ومستشريًا فى المدارس، حتى إنه فى بعض الوقائع أُصيب تلاميذ عديدون بعاهات مستديمة أو تُوفى آخرون.
كثير من الأجيال السابقة يتفاخرون بكونهم تربّوا على ثقافة الضرب والصفع والقهر، منهم مَن ينظر إليك ويحدثك عن «الفلكة» التى كانت عقابًا رادعًا له عندما كان صغيرًا، وللأسف يعتبر أن تلك الأداة القهرية الجاهلة الغاشمة -أقصد الفَلَكة- هى السبب فى ما وصل إليه من نجاح، وكأن الاجتهاد يجب أن يكون خشية العقاب لا رغبة فى النجاح والطموح وتحقيق الأحلام.
على كل حال، تطبيق نفس الأسلوب مع تغيُّر الأزمنة والطلاب أمر يؤكد حتمية الفشل، فلابد أن يكون هناك متغيرات فى أسلوب المعلم بالتناسب مع تغيرات الجيل واختلاف متطلباته وتطورات عقله، وربما هذا مربط الفرس، فالتعليم المصرى قديمًا كان أفضل كثيرًا من وضعه الحالى، ومصر فى وقت من الأوقات كانت منارة العالم ومنبرًا للتعليم، ولكنها لم تتطوَّر بتطور الأزمنة واختلاف الأجيال، وهذا ما أدركه كثير من دول العالم، ولم ندركه نحن حتى وصلنا إلى المرحلة الحالية.

 

رابعًا: تصوير الطالب
بالعودة إلى الفيديو، سنجد أن مصور الفيديو هو أحد المُعلمين فى المدرسة، وهو أيضًا له مهام إشرافية جعلته يوجد بالفصل، وللأسف هو نفس الشخص الذى صوَّر الطفل فى هذه الصورة غير الإنسانية، ونشر الفيديو عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، مبررًا موقفه بأنه تأثر لبكاء الطفل وحاول مناشدة وزير التربية والتعليم، لتخفيض عدد ساعات الدراسة.

 

وبغض النظر عن نيّته، فهذا المُعلم ارتكب جريمة بحق الإنسانية قبل أن يرتكبها بحق مهنته، فكيف لشخص مسؤول مثله يغض النظر عن كل معايير الإنسانية ويصوّر طفلًا يجهش بالبكاء، بل وأيضًا نشر الفيديو دون حتى استئذان أهل الطفل.
 

هذا المُعلم لم يكن يعلم أنه يتسبب فى أزمة نفسية للطالب الذى لم يبلغ من العمر والرشد ما يجعلنا نحاسبه على طلبه النوم فى أثناء الدراسة، هذا المُعلم فجَّر موجة عاتية من السخرية جعلت الطفل مادة لها، فالبعض سخر من بكائه، وآخرون سخروا من «قَصّة شعره»، أية نيَّة حسنة تلك التى نحاسب عليها المُعلم؟!
 

الغريب أيضًا أن وزارة التربية والتعليم منعت بشكل تام استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس، فهل هذا المُعلم -المفترض كونه مشرفًا- لم يعلم هذا القرار؟ أم تعمَّد مخالفته فى رسالته المزعومة لوزير التربية والتعليم؟ فإذا كان لا يعلم بالقرار فهى مصيبة، وإذا كان على عِلم وطالب مخالفته فالمصيبة أعظم.
 

لست بصدد الحديث عن الطفل الذى مما لا شك فيه أعتبره ضحية، فهو خضع للتصوير عُنوة، وتعرض للتهكم والسخرية رغم كونه لم يطلب سوى «ربع ساعة نوم».
 

مثلما فجَّر الفيديو مَواطن قصور داخل الفصول المدرسية، فجَّر أيضًا مواطن أخرى خارجها، فما وضع الأطفال فى مصر؟ وأين الطفل من حسابات الدولة فى خضم الإصلاح الاقتصادى وخطة التعليم الجديدة وبحث ملف عودة جماهير المباريات؟ أين الطفل على مائدة الرئيس والوزراء؟ ومتى تُطبق أجهزة الدولة قانون الطفل بحذافيره؟ وكيف تسيطر على عمالة الأطفال وظاهرة أطفال الشوارع والانتهاكات التى تتم بحقهم؟
 

إذا كان «الطفل الباكى» حظى بمشاهدات الملايين عبر مواقع التواصل الاجتماعى، فيوميًّا نرى مئات الأطفال فى أوضاع لا تليق بأعمارهم وطاقتهم وإنسانيتهم.. ولكننا ألفنا تلك المشاهد بسبب كثرتها وتكرارها باستمرار.
 

إذا كنا ندين مشهد الطفل الباكى، فحتمًا ندين بصيغة أشد هؤلاء الذين لم يجدوا جدران مدرسة تقدم لهم قشورًا تعليمية، وهؤلاء الذين لم يجدوا منازل تأويهم فارتموا فى أحضان الأرصفة وظلال الكبارى، وهؤلاء الذين لم يجدوا مَن يمد لهم يد العون فمدوا أيديهم وصفعونا جميعًا كى تستيقظ الإنسانية داخلنا.
 

الطفل فى مصر حقًّا عمره ألف عام، يودّع طفولته مبكرًا ويظل تحت تأثير الجهل والأعباء الاقتصادية والإهمال الحكومى، فبالله عليكم كونوا أكثر رحمة على الأطفال، وأسهموا بالمشروعات التطوعية لإنقاذ أطفال الشوارع، وحاولوا أن لا تسلبوهم براءتهم وتلقوا على كاهلهم بأمور ليست لهم بها طاقة أو علم، وإذا طلبوا منكم «ربع ساعة نوم» اتركوهم يناموا، فنومهم حق، بينما نوم الظالم عبادة.



أقرأ أيضا

البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
البلد

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.
يرحمكم الله

البخارى يرد البخارى فى أحاديث الغيب

لماذا اختلف البخارى ومسلم فى صحة الرواية عن الخوارج؟ هل كانت السُّنة ستضيع لو لم يقم البخارى وغيره بتدوين الأحاديث؟ هل أحاديث البخارى مسلمٌ بها حتى لو خالفت العقل والمنطق؟ هل مصطلح الحديث الصحيح يفيد اليقين بأنه قول النبوة؟
تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟