هل قرأ رئيس الوزراء كتابًا للراحل الكبير جلال أمين؟!




هل قرأ رئيس الوزراء كتابًا للراحل الكبير جلال أمين؟!



بعد حياة طويلة حافلة فى الاقتصاد والاجتماع والأدب، توفّى عالم الاقتصاد والمفكر الإنسانى الكبير الدكتور جلال أمين، عن 83 سنة، ليترك -لا شك- فراغًا كبيرًا فى حياتنا الثقافية والإنسانية والعلمية، فالراحل الكبير وإن كان بالأساس أستاذًا فى الاقتصاد السياسى بيْد أنه تفرَّغ فى العقدَين الأخيرَين لمتابعة حياة مصر وأهلها وعيشها ومتغيراتها، وتطورات التفكير فيها، حتى كأنه مؤرّخ للحياة المصرية كلها، فمؤلّفاته التى طبعتها أو أعادت طبعها دار الشروق المصرية، تُعدُّ توثيقًا وتحليلًا سلسًا للتحولات الكبرى التى طرأت على مصر، عمومًا، وما صاحبها من تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية وثقافية وأدبية وفنية، كما كان مهمومًا بقضايا العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادى، الذى لا يقل أهمية، فى رأيه، عن الاستقلال السياسى، وقد جاءت كتبه معبّرة عن ذلك كله، فمنها: «عصر الجماهير الغفيرة» و«عولمة القهر: الولايات المتحدة والعرب والمسلمون قبل وبعد أحداث سبتمبر»، و«كشف الأقنعة عن نظريات التنمية الاقتصادية» و«فلسفة علم الاقتصاد» و«محنة الاقتصاد والثقافة فى مصر» و«الدولة الرخوة فى مصر» و«التنوير الزائف» و«العولمة والتنمية العربية» والمثقفون العرب وإسرائيل» و«شخصيات لها تاريخ»، وهى كلها تعكس وجهة نظره فى الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية، خصوصًا إذا أضفنا إلى تلك الكتب كتبه الأخرى، مثل «وصف مصر فى القرن العشرين»، «رحيق العمر»، «عصر التشهير بالعرب والمسلمين»، «العالم 2050»، «ماذا علّمتنى الحياة؟»، «ماذا حدث للثورة المصرية؟»، «محنة الدنيا والدين فى مصر»، و«مصر والمصريون فى عهد مبارك»، وهو إنتاج علمى غزيز يُحسب للراحل الكبير، الذى انكفأ على نفسه دارسًا وموثّقًا ومحلّلًا التغيرات التى طرأت على مصر والمصريين المعاصرين، خلال أكثر من خمسين عامًا، خلال الفترة من 1945 إلى 1995، هى عمر التجربة العلمية والذهنية التى عاشها الرجل بكل جوارحه، ليُخرج لنا ذخائر علمية فى المجالات المختلفة، الأمر الذى يثير تساؤلًا قد لا يلتفت إليه كثيرون منّا وهم يسمعون أو يقرؤون نبأ وفاة الدكتور الكبير جلال أمين، وهو: إذا كان جلال أمين أحد المفكرين القلائل الذين درسوا التغيرات الاجتماعية والثقافية فى مصر، خلال القرن العشرين.. فهل استفاد بها أى مسؤول فى مصر؟! بل، هل قرأها أى مسؤول سياسى أو تنفيذى فى مصر؟!

 

لا غرو فى ذلك، فالعلمُ هو أساس تقدّم الأمم والمجتمعات، وأبسط شىء يدل على احترام العلم هو تقدير العلماء، ومن ضمن مظاهر تقديرهم تقدير أفكارهم وإنتاجهم العلمى والمعرفى، ليس بكلمات الثناء والتقريظ، بل بتطبيقها تطبيقا جادًّا، ولا سيما إذا كانت أفكارهم تلك كاشفة وشارحة ومفصّلة على أصعدة مختلفة، أهمها الاجتماع والثقافة والسلوكيات والأخلاق، فضلًا عن السياسة والاقتصاد، حتى إن أكاديميًّا عربيًّا كبيرًا كالدكتور رضوان السيد، وصف ما قام به الراحل الكبير جلال أمين بأنه «دشّن فى مصر ما يمكن تسميته: الاقتصاد الثقافى أو اقتصاد الشخصية المصرية»، وهو تعبير جدّ ذكى، وجدّ صائب، فالراحل الكبير كان بالأساس رائدًا اقتصاديًّا، يؤمن باليسارية الليبرالية، لكنه كان على وعى تام بما يحدث حوله فى المجتمع، وهو وعىٌ مدعّم بالعلم الشامل الذى انعكس على مؤلفاته كلها، التى على رأسها كتابه «ماذا حدث للمصريين؟»، ولعله أشهر كتبه وأوسعها على الإطلاق، وقد أرجع الراحل الكبير انتشار هذا الكتاب وشهرته لسبب عنوانه، إذ جاء فى شكل سؤال كثيرًا ما يردده الناس، وقال إن فكرة الكتاب كانت تدور فى رأسه قبل صدوره بعشر سنوات، فى محاولة لرصد الحراك الاجتماعى الذى كان بمثابة الرابط بين معظم الظواهر المستجدة والطارئة على الواقع المصرى، منها أن المجتمع تحول إلى طبقات: دنيا ومتوسطة ومرتفعة، فهو يقول: «الصورة المرسومة فى ذهنى هى عمارة كبيرة قرر سكان أدوارها العليا النزوح إلى الأدوار السفلى، بينما قرر سكان الأدوار السفلى النزوح إلى الأدوار العليا، وبينما الكل ينتقل بأولاده وأطقم ملابسه ومحتويات منزله، تقابلوا على السلالم، فما الذى سوف يحدث؟ هذا هو ما يجرى الآن على المستوى الاجتماعى»، والكتاب فى مجمله ينبغى أن يُدرَس جيدًا، بل ينبغى أن تقرأه الحكومة، لأن الكتاب بمثابة رؤية عميقة للتاريخ المعاصر وأحوال المصريين.
 

ومن اللافت للنظر أن الدكتور جلال أمين قدَّم أيضًا تفسيرًا لصعود نجوم الطبقات الشعبية فى السينما كما هى الحال الآن، فقال إن المسرح والسينما والمسلسلات التليفزيونية بدأ يتربع على عرش تمثيلها شخصيات تنتمى إلى الطبقات الشعبية، ما أثَّر على لغة التعبير وأسلوب الحوار ومضمون العمل الفنى نفسه، الأمر الذى وافق أهواء الجماهير المنتمين إلى الطبقات الشعبية نفسها، وهو ما جعل بعض الناقدين الفنيين يرون أن كتابات جلال أمين عن السينما والفن إنما هى كتابات مهمة تثرى الحركة النقدية والفنية.
 

وأما عن نظرته إلى المرأة المصرية، فقد حلَّل الراحل الكبير ما وصلت إليه المرأة المصرية من تحرر وتقدم عقلى ونفسى، وبمقارنة بين ابنته وأمه، يقول إن الأولى لها الحرية أن تحضر للماجستير وترعى زوجها وابنها وتعمل من الصباح حتى العصر، ومع ذلك فهى تحافظ على مظهرها وتعتنى ببيتها أكثر من أُمه، وتكاد الثانية أن يشغل وقتها -فى الخمسينيات- الوجود بالمطبخ، ورغم أن أباه كان أديبًا مرموقًا فإنه لم يكن يرى أية غضاضة بذلك، وكانت المرأة من جيل أمه غير مؤهلة مطلقًا لكسب الرزق، فكانت تتفنن فى الإبقاء على الزوج «مركز الأمان الاقتصادى»، كما كانت ترى أن أفضل وسيلة للإبقاء على الزوج هى كثرة الإنجاب، أما الآن فقد أصبح الرجل يبحث عن الزوجة التى تعينه على تحمل أعباء الحياة المكلفة، ويكتفى بعدد أقل من الأولاد، بيْد أن جيل الآباء كان يحسّ باطمئنان أكبر للمستقبل الذى أصبح الآن مقلقًا.
 

وأخيرًا، فإننى أتمنى أن يكون الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء، قد قرأ ما كتبه الراحل الكبير عن القطاع العام، فقد قال: «علاج القطاع العام ممكن إذن بنفس الأدوات (تقريبًا) التى يحتاجها تنشيط القطاع الخاص وتشجيعه، وهو ما يسعى نظام الرئيس السيسى لتحقيقه الآن بإدارة حكومية رشيدة، واستقرار قانونى وسياسى، واحترام القانون، ومحاربة الفساد، وترشيد السياسة التعليمية بحيث تصبح فى خدمة الاقتصاد وليست عبئًا عليه، وعدم تبديد الإنفاق الحكومى على ما لا ينفع، لا ينفع القطاع العام ولا الخاص… إلخ».



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.