مصافحة النساء نوع من الجِماع فى الفقه الإسلامى

عصام الزهيري



 مصافحة النساء نوع من الجِماع فى الفقه الإسلامى



على رأس ما يمكننا أن نعتبره من العادات والتقاليد فى أى مجتمع هو سلوكياته تجاه النساء فيه، أو من اصطلحنا على تسميتهن بالجنس الآخر.

ولا يمكننى معرفة الأصل الذى خرج منه هذا المسمى، وقد يكون قد أطلق على سبيل المداعبة وروح المرح فى البداية، لأن المعروف أن مجموع الإنسانية كلها برجالها ونسائها جنس واحد وليس جنسين، وأن الذكر والأنثى ملمحان من ملامح هذا الجنس الواحد، لا يصير الجنس جنسا إنسانيا بالذكور فقط ولا بالإناث فقط، وليس كل منهما جنسا مستقلا طبقا لأى تصور علمى أو منطقى، بل ويسرى هذا التصور على ما سمى ترتيبًا بعد ذلك بالجنس الثالث، وهم المخنثون، الذين يشكلون جزءًا لا يتجزأ بدورهم من الجنس الإنسانى، سواء اعتبرناه جزءا قد لحقه الشذوذ أو التشوه أو المرض من الجنس الإنسانى أو اعتبرناه تجربة إنسانية مغايرة من تلك التجارب التى صممها الخالق ليختبر بها نفس الإنسان.

لكن هل لهذه التفرقة أهمية؟ أهميتها تتمثل فى أننا يجب أن نكون على وعى دائما بأن العادات والتقاليد ما هى إلا تنظيم للعلاقات الداخلية بين أبناء الجنس الإنسانى الواحد، وأن المرأة ليست كائنا مختلفا كليا عن الرجل، أو جنسًا ثانيًا يغترب الجنس الذكرى «الأول» أمامه ويتحوط فى سلوكه تجاهه كما يتحوط فى مواجهة كائنات طارئة على الوضع البشرى أو فى زيارة للكرة الأرضية، كأنهن بنات مجرات وكواكب أخرى مثلا أو إناث من نوع آخر غير النوع الإنسانى.

ففى كل الأحوال لا يجب أن تؤدى العادات والتقاليد أو التصورات الخاطئة المرتبطة بالإنسان إلى الاغتراب عن نفسه أو جنسه أو زمانه أو مكانه. فتبقى النساء فى حقيقة أمرهن وحقيقة أمرنا معهم تلك الكائنات العذبة اللواتى يحطن بنا منذ مولدنا وخلال كل مراحل حياتنا، لأنهن سر ونبع ومصدر الميلاد البشرى واستمراره وتجدده.

ويبقى الرجال والنساء أبناء «النفس الواحدة» التى صورتها المنظومة الكونية القرآنية ووالت التأكيد عليها فى آيات كثيرة، كقوله تعالى فى سورة الزمر: «خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق»، وقوله: «خلقناكم من ذكر وأنثى»، وقوله: «وخلقناكم أزواجا».


غير أن تفرقة مثل هذه التفرقة الحادة العجيبة بين أفراد الجنس الإنسانى الواحد نعلم جميعا أنها وقعت بالفعل بتأثير مجريات التاريخ البشرى القاسية، وترسخت فى ثقافة المجتمعات القديمة، وأدت إلى اغتراب الإنسان عن نفسه وجنسه قرونا تلو قرون، وكان لها بالطبع تأثيرها المذهل على فقهاء العصور الإسلامية القديمة.

وسواء كان جذر هذه التفرقة عند الفقهاء تأويلا خاطئا وقراءة مغلوطة لنصوص قرآنية وأحاديث نبوية أو كان مصدرها تأثيرات وعقائد قادمة من ديانات أخرى سابقة تاريخيا وتسللت للإسلام «مثل عقيدة مسؤولية حواء عن الخطيئة وإغواء آدم فى التوراة والتى برأها منها القرآن الكريم»، فإن المؤثر الأول فى صياغة هذه «البينونة» بين نوعى الجنس الإنسانى لم يكن ما بينهما من فروق تشريحية ونفسية، ولا كانت بفعل نصوص القرآن والسنة، بقدر ما كان المؤثر الأول فيها هو ثقافة هؤلاء الفقهاء الموروثة، وما بلغته مجتمعاتهم من تقدم معرفى وحضارى فى وقتها، وما حققته من نضج فى الرؤى والاتجاهات الكامنة وراء عاداتها وتقاليدها القديمة.


وليس أدل على ما نذهب إليه هنا مثل موضوع مصافحة المرأة فى الفقه الإسلامى، فالمصافحة كواحدة من عادات وتقاليد مهمة تتعلق باللقاء بين الناس فى مجتمعات كثيرة، هى فى جوهرها واحدة من أكثر سلوكيات الناس تلقائية وبراءة وتعلقا بالمودة والقربى والفرح. وربما يكون أكثر ما يعبر عن حالة المصافحة من المأثور عن النبى، والمتضارب كالعادة بفعل خصام الفقهاء ووضع الوضاعين للأسف الشديد، هو حديث رواه البخارى ومسلم فى الصحيحين عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: «إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله فتنطلق به حيث شاءت». وفى رواية مسند الإمام أحمد ترد الرواية أكثر تحديدا وتلقائية وصراحة، إذ تقول: «فما تنزع يدها من يده حتى تذهب به حيث شاءت».


غير أن مأثورا آخر عن السيدة «عائشة» رضى الله عنها يؤكد أن النبى لم يصافح النساء يوم البيعة، وأنه قال: «إنى لا أصافح النساء، إنما قولى لمئة امرأة كقولى لامرأة واحدة».

ومع أن هذه الكلمات لا تفيد تحريما لمصافحة المرأة من قريب أو بعيد، فالنبى لم يأمر فيها بالامتناع عن مصافحة النساء، ولم يصرح: «لا تصافحوا النساء»، لكنه خص الامتناع بها نفسه صلى الله عليه وسلم، كما خص نفسه بالامتناع عن أشياء أخرى، مثل أكل الثوم والبصل والضب، وأجازها فى نفس الوقت لأصحابه، إلا أن الفقهاء اتخذوا هذا النص دليلا على عدم جواز مصافحة المرأة الأجنبية، وليتهم توقفوا عند هذا الحد لكنهم توسعوا فى شرح حالات التحريم وأحوال النهى والمحظور فى المصافحة حتى كشفوا ما يقف وراء موقفهم من عادات الهوس الاجتماعى بالجنس ومخاوف ووساوس الاقتراب من «الجنس الآخر» ورغبات الفصل الصريح بين نوعى الجنس الإنسانى أو جزأى النفس الواحدة.

وكلها –نؤكد- كانت عادات وتقاليد تنتمى إلى عصور هؤلاء الفقهاء وثقافتهم، ومن الظلم أن يتم تحميلها اليوم للإسلام، أو الترويج لها باسمه واسم قرآنه ونبيه.


وقبل الانتقال إلى عرض معالجات الفقهاء «الفزعية» فى موضوع مصافحة المرأة، لا بد من التنويه أن هناك مأثورا ثالثا مختلفا عن النبى، هو الوارد فى حديث «معقل بن يسار» من أن النبى: «كان يصافح النساء فى بيعة الرضوان من تحت الثوب».

وهو ما يعلق عليه الفقيه الشافعى «البجيرمى» تعليقا مدهشا بقوله: «وعدّ بعضهم من خصائصه أنّه كان يصافح النساء فى بيعة الرضوان من تحت الثّوب، وذلك لعصمته، وأما غيره فلا يجوز له مصافحة الأجنبية، لعدم أمن الفتنة».

والغريب أن يقال إن النبى كان يصافح النساء من تحت الثوب لعصمته، إذن ألم تكن تقتضيه هذه العصمة صلى الله عليه وسلم أن يصافحهن مصافحة عادية؟! وهل المصافحة تصل إلى هذه الدرجة الكبرى من الخطورة التى تجعل نبيا معصوما يجازف بها ولكن من تحت غطاء أم يجب أن نفهم أن عصمة الأنبياء هى التى تسرى فى نطاق محدود يجب معه التحوط بغطاء فى مصافحة؟!.

والأقرب للبديهة طبعا هو أن نقول أن النبى كان يصافح النساء من تحت الثوب لبشريته وليس لعصمته كما هو المنطقى، فعصمة الرسول تقتصر على رسالته وتبليغه وحى الله الناس، أما آيات القرآن الكريم وسيرة النبى فيشهدان ببلاغة على بشريته، وهو الذى كان يقول عن نفسه: «حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء».

عموما سواء صافح النبى صلى الله عليه وسلم النساء مصافحة مباشرة أو من تحت غطاء أو امتنع عن مصافحتهن كما تقول كل الأحاديث المتضاربة فإن أمرا كهذا لا يمكن فهمه بعيدا عن عادات وتقاليد وثقافة المجتمع الذى نزل فيه الوحى واستقبل الرسالة، ولا يمكن بحال عزوه إلى تعاليم ومبادئ الرسالة السامية.


تبقى أن ننظر فى المعالجة الهوسية للفقهاء القدامى موضوع مصافحة المرأة، والواضح أنهم مارسوا لونًا من الخلط المتعمد، خلط ينبع فى بعضه من التشدد وتأثير الاتجاهات الاجتماعية السائدة، ولا يخلو بعضه الآخر من دوافع غامضة للسادية والتلذذ.

والخلط الذى مارسوه كان بين اللمس فى المصافحة واللمس بمعناه فى القرآن الكريم، والذى يعنى مباشرة النساء ونكاحهن، كما فى قوله تعالى: «قالت ربِّ أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر»، وقوله: «فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا»، وقوله: «أو لامستم النساء»، وقوله: «وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن».

فالفقيه المالكى «ابن العربى» فى مبالغة غريبة يعلق على حديث امتناع النبى عن مصافحة النساء فى البيعة مستخدمًا المصافحة بمعنى المباشرة من دون حتى توسيط اللمس، فيقول: «لم يصافحهن، لما أوعز إلينا فى الشريعة من تحريم المباشرة، إلا من يحل له ذلك منهن»، رغم أن ابن حجر -مثلا- يرى أن امتناع النبى عن مصافحتهن فى البيعة لأن المصافحة ببساطة ليست شرطًا فى صحة البيعة، لكن ابن عبد البر يكرر استخدام المصافحة باعتبارها مباشرةً «نكاحًا» أو جزءًا منها، معتبرًا أن ما حدث فى البيعة «دليل على أنه لا يجوز لرجل أن يباشر امرأة لا تحل له، ولا يمسها بيده ولا يصافحها»، وهو نفس ما يذهب إليه الرازى من اعتبار مصافحة المرأة فعل جِماع، فيقول: «إن الأصل منع الشاب من مصافحة الأجنبية، إلا من عجوز لا تشتهى، أو من كبير يأمن الفتنة بينهما»، وهو يعود تأكيدًا فيستثنى من تحريم المصافحة العجوز التى لا تشتهى إلا فى حالات شهوة العجائز، فيقول: «إلا من عجوز لا تشتهى فتحل المصافحة ونحوها، وكذا لو كان شيخًا وأمن عليه وعليها، فإن خاف عليها حرم».

والفقيه الحنفى «السمرقندى» يذهب نفس المذهب مع تحريم المصافحة كذلك فى حالتى المرأة العجوز أو الرجل الذى يُشتهى، فيقول: «فإن كانت عجوزًا، فلا بأس بالمصافحة إن كان غالب رأيه أنه لا يشتهى، ولا تحل المصافحة إن كانت تشتهى وإن كان الرجل لا يشتهى».

وهو يؤكد: «إن الشاب إذا كان لا يشتهى بمسّ العجوز فالعجوز تشتهى الشاب؛ لأنها علمت بملاذّ الجِماع».


على نفس مجرى فهم المصافحة باعتبارها مباشرة أو جماعًا أو جزءًا منهما، جرى الشافعية فى اشتراطهم شرطين لتحل مصافحة المرأة، هما: أمن الفتنة بين الرجل والمرأة، وأن تكون المصافحة من وراء حائل.

وهو ما يؤكده بشكل مثير الشيخ محمد الحامد بين سطور كتابه المخصص «حكم مصافحة المرأة»، إذ يقول: «الحق أن ننأى بالمرء عن هذا المنزلق الخطر فإن المرأة مُشتهاة خلقة، واللمس مثيرٌ شهوة الوِقاع، وهى أعصى الشهوات للدين والعقل»، أما ابن تيمية فقد اعتبر -فى مبالغة طريفة- حكم تحريم المصافحة قياسًا إلى حكم تحريم النظرة؛ مثل ضرب الوالدين قياسًا إلى التأفيف منهما!



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...