ليلة مقتل النقراشى

طارق أبو السعد



 ليلة مقتل النقراشى



يقتل الإخوانى بكل تفانٍ، يقتل الإخوانى ولا يهتز له جفن، يقتل الإخوانى كأنما هو مخدر، يقتل الإخوانى وهو يكبِّر ويهلل، ويسأل الله أن يتقبل منه هذا العمل وأن يكون فى ميزان أعماله، يبهرك بقدرته النفسية على تحمل الدماء التى سفكها هو أو أى من أفراد تنظيمه السرى، يعجزك وهو يسوق المبررات والدفاعات البلهاء عن سبب قيامهم بسفك هذه الدماء، عجزًا ليس يقترب منه إلا عجزنا عن إقناعهم بأن القتل حرام.

قد تتعجب، صديقى القارئ، من هذه العقلية والنفسية التى تجعلهم شبه منوَّمين مغناطيسيا يسيرون إلى مصيرهم المحتوم، رغم تحذيرات الجميع لهم، فإن لهم آذانًا لا يسمعون بها وعيونا لا يبصرون بها وعقولا لا يفكرون بها، وحتى يكون حديثنا واقعيًّا، سنتناول قضية من أهم القضايا التى شغلت الرأى العام فى حينها وإلى الآن، وهى مقتل رئيس الوزراء محمود فهمى النقراشى، وسيكون التناول من خلال المنفذين ورأيهم فى العملية ورأيهم فى منفذها ورأيهم فى الشخص المغتال، كما سنتناول كيفية إعدادهم لهذه المهمة.

أولا، يجب أن نعرف أن من الحوادث التى تركت ندبًا فى ضمير أفراد جماعة الإخوان المسلمين، مقتل محمود فهمى النقراشى، لا لأنهم يشعرون بتأنيب الضمير أو الشعور بالذنب أو أى من هذا، لا سمح الله، فأفراد الإخوان يتم تربيتهم وخصوصا من سيقوم منهم بمثل هذه المهام، تربية خاصة وفريدة لا تسمح لهم بأن يتسرب إليهم الشك ولو لحظة فى أن ما يقومون به من الشرع، وأن الله -تبارك وتعالى- يقبل هذا العمل بل يُثيب فاعله كما يثيب عبدًا على أى طاعة أخرى، وبالتالى فلا مجال لتأنيب الضمير بتاتًا، إنما تركت ندبا بعد ذلك لأنها فَعلة أدت نتائجها إلى الكثير من العواقب الوخيمة والتى ربما لم يقدرها الشباب المتحمس الذى كان يقود التنظيم السرى والمشحون بالكراهية ضد كل ما يشير إليه تنظيمهم على أنه عقبة أمام إقامة شرع الله على الأرض، أو إقامة دولة الإسلام التى ستقيم شرع الله، التى فهَّمها لهم حسن البنا. هنا يشعر كل من شارك فى هذه الجريمة بأنه شارك فى إشعال نار لم تطفأ إلى الآن، فبدلا من الاعتذار عن الجريمة وبدلا من تعديل المسار، اندفعوا فى حماسة وحماقة إلى التبرير المتعمد والمكثف لهذه الجريمة، ما يوحى بأنها محاولة للتخفيف النفسى عنهم، إذ يقول محمد الصباغ: «ولعل التاريخ لم يشهد منذ أبينا آدم إلى اليوم ضلالا أجَلَّ وأخطر من ضلال محمود فهمى النقراشى باشا فى هذه المعركة، فقد أعلن هذه الحرب على الإخوان المسلمين، وهم أصدقاؤه الوحيدون على أرض مصر فى ذلك الزمان حيث صدَّقوه حين لبس مسوح الوطنية».


كيف نبدأ الحكاية؟


أولا- الجريمة


فى العاشرة إلا الثلث من صباح اليوم، دخل ضابط بوليس برتبة ملازم أول صالة وزارة الداخلية فى الطابق الأول، فأدى له حراس الوزارة التحية العسكرية وأخذ يقطع الوقت بالسير البطىء فى صالة الوزارة كأنه ينتظر شيئًا، وعندما أحس بقرب وصوله لدولة النقراشى باشا اتجه نحو الأسانسير، ووقف بجانبه الأيمن، وفى تمام العاشرة وخمس دقائق حضر النقراشى باشا ونزل من سيارته محاطًا بحرَسه الخاص، واتجه للأسانسير، فأدى له هذا الضابط التحية العسكرية فرد عليه مبتسمًا، وعندما أوشك النقراشى على دخول الأسانسير، أطلق عليه هذا الضابط ثلاث رصاصات فى ظهره فسقط قتيلا، ونقل جثمانه إلى داره بمصر الجديدة، وأعلنت محطة الإذاعة الحداد لمدة يومين، تقتصر فيهما البرامج على القرآن الكريم والأخبار والأحاديث، بمعرفة المذيعين وحدهم، مع إعفاء المذيعات، كنوع من الحداد.


ثانيًا- من المقتول غدرًا؟


وُلد بالإسكندرية عام 1888م، وتخرج فى مدرسة المعلمين العليا، وعمل مدرسًا بمدرسة رأس التين الثانوية، ثم عُين سكرتيرًا عاما لوزارة المعارف ثم وكيلا لمحافظة القاهرة، واختير عضوًا فى الوفد المصرى مع سعد باشا زغلول ثم أصبح وكيلا لوزارة الداخلية وأحيل إلى المعاش واعتقل عقب مقتل السردار الإنجليزى سيرلى ستاك، سنة 1924، ثم أفرج عنه وصار وزيرًا للمواصلات سنة 1930، وتزوج سنة 1934، وتولى رئاسة الوزارة مرتين، الأولى فى 24 فبراير سنة 1945 حتى 15 فبراير سنة 1946، والثانية فى 9 ديسمبر سنة 1946 حتى اغتياله.

ومن أعماله العظيمة أنه طالب بتوحيد مصر والسودان مرة أخرى، وطالب فى جلسة بمجلس الأمن الدولى فى 5 أغسطس 1947، بريطانيا بالجلاء عن مصر دون أى شروط، كما عمل -رحمه الله- إلى أن صارت مصر عضوًا فى الأمم المتحدة، وأصدر قراره بإنشاء كلية الضباط البحرية بالإسكندرية، كما قام بتنفيذ المشروع العظيم «كهربة خزان أسوان»، وأصدر قرارًا بتأسيس البنك الصناعى المصرى، وأصدر أيضا قرارًا غاية فى الخطورة على الاحتلال البريطانى وهو تأميم شركة النور للكهرباء بالقاهرة، كما أسس مشروع قناطر أدفينا.

كل هذا رائع وجميل وواضح أنه كان يسير إلى تغيير شكل مصر، وهو على ما يبدو قد أزعج البريطانيين، وربما أزعج الإخوان أيضًا! لكن دعونا نركز فى آخر أعماله الأخيرة فى عامى 1947 و1948، فى ظل لبخة دولية ولخبطة إقليمية كان يعانى منها الوضع المصرى والعربى بصفة عامة، استطاع حسن البنا أن يتسرب بأفكاره إلى حفيد الإمام يحيى حميد الدين، والى كثير من اليمنيين، وأوغر صدورهم بالانتفاضة على الإمام تحت شعارات متعددة، واستطاعوا بالفعل أن يقتلوا الإمام فى فبراير 1948، وتولى حكومة الدستوريين بقيادة عبد الله الوزير الذى أصدر مرسومًا يتولى فيه حسن البنا منصبه كمستشار للإمام الجديد، كتقليد لحالة حافظ وهبة، مستشار الملك عبد العزيز فى السعودية، وبعد 28 يومًا من استيلاء الإخوان على الحكم، استطاع الإمام أحمد، ابن الإمام يحيى، دخول صنعاء على رأس قوة كبيرة من المقاتلين من القبائل، ونفذوا هجومًا على كل من كان يؤيد الثورة على الإمام يحيى، وتوعدوا الإخوان والمصريين، وهددوهم حتى علمت السلطات المصرية وأعلن النقراشى أن الاعتداء على المصريين جريمة لن تسمح بها الدولة المصرية، وأن كل رعايا الدولة المصرية سواء الإخوان أو غيرهم تشملهم رعاية جلالة الملك ومعالى دولة رئيس الوزراء، وهددهم وتوعدهم، وفعلا شملت رعايته كل المصريين بمن فيهم الإخوان، وأرسل إليهم فرقاطة مصرية حملتهم إلى القاهرة ولم يمس أى إخوانى مشارك فى هذه الثورة بأى ضرر أو أى أذى، رغم مشاعر الغضب تجاه الإخوان المصريين الذين تدخلوا فى شؤون اليمنيين.

كل هذا لم ولا يفهمه الإخوان ولم يعيروه اهتماما، ولا يحترمونه، فهذه اليد البيضاء للنقراشى لم تشفع له عند قادة الإخوان ولا قواعدهم، بل عندما صدرت التعليمات بالقتل تسارعوا أيهم سيقع عليه الاختيار بالقتل؟ من منهم سينال رضا الله بسفك دم من أنقذهم فى اليمن؟!


ليلة القتل
هذا الحديث سمعته بأم أذنى من الأستاذ سيد أبو شلوع، أحد أعضاء الإخوان المسلمين وقائد من قواد النظام الخاص، إذ قال لنا -فى جلسات الإخوان السرية- إن الأمر الصادر بقتل الإخوان المسلمين هو من القيادة ومن الجماعة، وإن المجموعة التى وقع الاختيار عليها لتنفيذ هذه المهمة، كان منهم غفر الله له، وإنهم مكثوا ليلتهم يقرؤون القرآن الكريم ويصلون قيام ليل طويل، وقد اغتسلوا جميعا والتقوا مع بعضهم، واستهموا «عملوا قرعة» وأول ما خرجت، خرجت على أخ قصير فهنأه الإخوان على اختيار الله له، ثم رفض الأخ المسؤول عن العملية -والذى رفض أن يقول اسمه- وقال: «لا يمكن أن تتم العملية بهذا الأخ، فالعملية مبنية على أن يقوم الأخ بارتداء ملابس ضابط شرطة وينتظر قبيل دخول النقراشى بدقائق وأن يعطيه التحية ليخفف من انتباه الحرس الخاص به»، وكان أن قام الإخوان بإعادة الاستهام فخرج السهم باختيار الله للأخ «عبد المجيد أحمد حسن» وقد كان محدثنا يتحدث بإعجاب عن هذه العملية، وتحدث عن التبريرات التى ساقها قادة الإخوان إليهم ليقوموا بهذه الجريمة، وتحدث عن المقتول بنفس كلام الأستاذ محمود الصباغ فى كتابه «حقيقة التنظيم الخاص»، إذ يقول: «لا يمكن أن يعتبر أن قتل النقراشى باشا من حوادث الاغتيالات السياسية، فهو عمل فدائى صرف قام به أبطال الإخوان المسلمين، لما ظهرت خيانة النقراشى باشا صارخة فى فلسطين بأن أسهم فى تسليمها لليهود (لاحظ استخدام قضية فلسطين وتحميله ثمن الفشل وهذا كذب وظلم شديد) ثم أعلن الحرب على الطائفة المسلمة الوحيدة التى تنزل ضربات موجعة لليهود (لاحظ هذا هو فكرهم، الطائفة المسلمة الوحيدة، هذه هى عقيدتهم المختبئة فى وجدانهم، هم الفئة المسلمة الوحيدة!) فحل جماعتهم واعتقل قادتهم وصادر ممتلكاتهم وحرم أن تقوم دعوة فى مصر تدعو إلى هذه المبادئ الفاضلة إلى الأبد، فكانت خيانة صارخة لا تستتر وراء أى عذر أو مبرر، ما يوجب قتل هذا الخائن شرعًا (لاحظ أنهم يستخدمون الدين فى لفظ شرعًا)، ويكون قتله فرض عين على كل مسلم ومسلمة، وهذا ما حدث له من بعض شباب النظام الخاص للإخوان المسلمين دون أى توجيه من قيادتهم العليا (يكذب هذا أنهم يعترفون سرًّا بأنهم هم من أصدر الأوامر) فقد كان المجرم الأثيم قد أودعهم جميعًا السجون والمعتقلات وحال بين الإخوان ومرشدهم، حيث وضعت كل تحركاته تحت رقابة بوليسية… إلخ».


انتهى ما ذكره محمود الصباغ فى كتابه المهم والمرجع فى أعمال التنظيم الخاص، هؤلاء هم من يقود تنظيم الجماعة، هؤلاء هم نتاج فكر حسن البنا وتربيته بنفسه دون تدخل من أحد، ودون أن يدعى أحد أن هذه ليست أفكار حسن البنا، بل هى عين تربيته وصناعته بل فخر صناعته وثمرته النهائية.. انتبهوا، يا سادة، فنحن فى موسم إعادة تدوير وإنتاج أفكار الإخوان تحت أسماء جديدة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.