المبشر بالجنة يحمى «رأس الكفر» بجسده!

سمير درويش



 المبشر بالجنة يحمى «رأس الكفر» بجسده!



كان عبد الرحمن بن عوف صديقا لأمية بن خلف منذ نشأتهما حتى مقتل أمية على يد بلال بن رباح وآخرين فى بدر، يومها حاول عبد الرحمن أن يحمى أمية وابنه من بلال وأصحابه فلم يفلح، رغم أن عبد الرحمن دخل الإسلام، وهناك من الأحاديث والروايات التى تتحدث عن فضله على الإسلام والمسلمين، وأن أمية ظل على كفره حتى قتله بلال، وقصة بلال مع أمية معروفة، فقد كان عبدا له فى الجاهلية، وعندما نزل الإسلام أسلم بلال، فسلمه أمية إلى عبديه وقال لهما هو لكما فاصنعا به ما شئتما، فخرجا به إلى بطحاء مكة فبسطاه على رمضائها وجعلا الرحا على كتفيه قائلين: اكفر بمحمد، فما كان منه إلا أن ازداد إيمانا وتوحيدا، حتى مر أبو بكر فاشتراه وأعتقه.


كان أمية بن خلف أحد رؤوس قريش ووجهائهم، لم يصدق الرسول حين أخبرهم ببعثته مثل كثيرين من أعمدة قريش، ومنهم عمه عبد العزى بن عبد المطلب الأخ غير الشقيق لأبيه، والمعروف بأبى لهب، وقد عرف بأبى لهب لشدة وسامته وإشراق وجهه، وكان أعتق جارية له اسمها ثويبة لأنها بشرته بولادة محمد، وقد نزل القرآن فى أبى لهب وزوجته أم جميل فى سورة المسد: «تبت يدا أبى لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب..» كما نزل فى أمية بن خلف سورة الهُمزة؛ لأنه كان يهمز ويلمز على النبى: «ويل لكل همزة لمزة، الذى جمع مالا وعدده، يحسب أن ماله أخلده، كلا لينبذن فى الحطمة، وما أدراك ما الحطمة، نار الله الموقدة، التى تطلع على الأفئدة».. إلخ السورة.

وقيل إن النبى حين قرأ سورة النجم فى جمع من المسلمين والكفار وأضاف من عنده «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى»، سجد الحضور جميعا إلا أمية بن خلف، فقد أخذ كفًا من حصى وقال: هذا يكفينى.


كثيرون من وجهاء قريش لم يصدقوا دعوة النبى، وبعضهم كان قريبا منه ويحبه، ومنهم العاص بن وائل السهمى، أبو عمرو وهشام بن العاص، الذى عذب ابنه هشام حين أسلم، فكان يحبسه ويضربه بالسوط ليفخر بذلك بين العرب، وكان يطلق على الرسول اسم «الأبتر»، أى المقطوع نسبه، لأنه لم يترك أبناء ذكورا يخلدونه، فنزلت فيه سورة «الكوثر»: «إنا أعطيناك الكوثر/ فصلِ لربك وانحر/ إن شانئك هو الأبتر»، شانئك أى عدوك ومبغضك، وفى ذلك رد للصفة على قائلها.


أما عبد الرحمن بن عوف فأحد العشرة المبشرين بالجنة، ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، أى أنه أصغر من النبى بعشر سنين، وكان من السابقين الأولين إلى الإسلام، إذ دخل الإسلام قبل دخول النبى دار الأرقم بن أبى الأرقم على جبل الصفا، حيث كان النبى يجتمع فيها بأصحابه بعيدا عن أعين المشركين ليعلمهم القرآن وشرائع الإسلام، وفيها أسلم كبار الصحابة وأوائل المسلمين.

كان اسمه عبد عمرو فغيره النبى إلى عبد الرحمن، أسلم معه أخوه الأسود بن عوف، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة والمدينة، وشهد بدرا وسائر المشاهد، وآخى النبى محمد بينه وبين سعد بن الربيع الخزرجى، وقد ورد فى فتح البارى شرح صحيح البخارى «3722»: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن حميد عن أنس رضى الله عنه قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة فآخى النبى بينه وبين سعد بن الربيع الأنصارى، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن بارك الله لك فى أهلك ومالك، دلنى على السوق، فربح شيئا من أقط وسمن، فرآه النبى بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبى: مهيم يا عبد الرحمن، قال يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار، قال فما سقت فيها، فقال وزن نواة من ذهب، فقال النبى أولِم ولو بشاة.

ثم بعثه النبى إلى دومة الجندل وأذن له أن ينكح ابنة ملكهم وهى تماضر بنت الأصبغ الكلبى.


وذكر ابن حجر العسقلانى فى الإصابة أن عبد الرحمن بن عوف تصدق بأربعين ألف دينار على عهد الرسول، ثم حمل على خمسمئة فرس وخمسمئة راحلة فى سبيل الله.

وذكر ابن سعد فى الطبقات أن عبد الرحمن قال: قطع لى رسول الله أرضا بالشام يقال لها السليل، فتوفى النبى ولم يكتب لى بها كتابا، وإنما قال: إذا فتح الله علينا بالشام فهى لك.

وروى أحمد فى المسند عن أنس أن خالد بن الوليد قال «وهو يقصد عبد الرحمن بن عوف»: أتستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها؟ فلما سمع النبى دعا أصحابه وقال: مهلا يا خالد، دع عنك أصحابى، فوالله لو كان لك أُحدٌ ذهبا -يقصد جبل أحد- ثم أنفقته فى سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابى ولا رواحه.


هذا كله، وغيره، يبين قدر ومكانة عبد الرحمن بن عوف فى الإسلام، وفضله على الرسالة منذ نشأتها، وحب رسول الله وتفضيله له عن كثيرين من أصحابه، ومع ذلك فكان قريبا من أمية بن خلف -رأس الكفر كما أطلق عليه بلال بن رباح- وقد حاول أن يحول بينه وبين قاتليه فى أُحد لكنه فشل. وقد روى ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: كان أمية بن خلف لى صديقا بمكة، وكان اسمى عبد عمرو، فتسميت حين أسلمت عبد الرحمن ونحن بمكة، فكان يلقانى أمية إذ نحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو، أرغبت فى اسم سمَاكه أبواك؟ فأقول: نعم، فيقول: فإنى لا أعرف الرحمن، فاجعل بينى وبينك شيئا أدعوك به، أما أنت فلا تجبنى باسمك الأول، فأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف، قال: فكان إذا دعانى يا عبد عمرو لم أجبه، قال: فقلت له: يا أبا على، اجعل ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، قال: فقلت: نعم، قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله، فأجيبه، فأتحدث معه.


كما ورد فى صحيح البخارى «2179»: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال، حدثنى يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف قال: كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظنى فى صياغتى بمكة وأحفظه فى صياغته بالمدينة، فلما ذكرت عبد الرحمن قال لا أعرف الرحمن، كاتبنى باسمك الذى كان فى الجاهلية، فكاتبته عبد عمرو، فلما كان يوم بدر خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس، فأبصره بلال، فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار فقال: أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار فى آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم، فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا، وكان رجلا ثقيلا، فلما أدركونا قلت له أبرك، فبرك، فألقيت عليه نفسى لأمنعه، فتخللوه بالسيوف من تحتى حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلى بسيفه، وكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك الأثر فى ظهر قدمه، قال أبو عبد الله سمع يوسف صالحا وإبراهيم أباه.


وفى رواية عن عبد الرحمن بن عوف قال: فلما رآه بلال قال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، قال: قلت: أى بلال، أبأسيرى؟ قال: لا نجوت إن نجا، قال: قلت: أتسمع يا ابن السوداء؟ قال: لا نجوت إن نجا، قال: ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا.

قال: فأحاطوا بنا حتى جعلونا فى مثل المسكة وأنا أذب عنه، قال: فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، قال: فقلت: انج بنفسك، ولا نجاء بك، فوالله ما أغنى عنك شيئا، قال: فهبروهما بأسيافهم، حتى فرغوا منهما، فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالا، ذهبت أدراعى وفجعنى بأسيرى.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...