هل الخوارج على ضلال مطلق أم على خطأ مطلق أم هم الشر المطلق؟

سامح عيد



 هل الخوارج على ضلال مطلق أم على خطأ مطلق أم هم الشر المطلق؟



هذه هى مشكلة عقليتنا الحالية كأمة عربية وكمسلمين، الأبيض والأسود، يسألك أحدهم هو فلان حلو ولا وحش؟ أيًّا كان هذا الشخص، هو يريد حكمًا لا رأيًا، فرأى كل شخص له وعليه مع احتمال ترجيح كفة على أخرى، يسألك عن أحمد عرابى، عن سعد زغلول، عن محمد على، أو حتى عن صحابى ما، أو عن طائفة.

وفى الآونة الأخيرة، انطلق كثير من الكُتاب والمفكرين والمشايخ، بوصف الإخوان أو داعش أو غيرهما من الجماعات بأنهم الخوارج، مع العلم أن كثيرًا ممن يتهمونهم بالخوارج، هم يشتركون مع الخوارج فى أكبر خطأ ارتكبوه، وهو الحاكمية لله، ولا حاكمية للبشر التى جعلتهم يكفرون على بن أبى طالب ويقتلونه بعد ذلك، كم من تلك التيارات الدينية التى اتهمت الإخوان وداعش بالخوارج، ما زالوا يتحدثون عن أن الحكم لله وأنه لا دستور إلا القرآن ويتحدثون عن القوانين الوضعية، نسبةً إلى أنها موضوعة من قبَل البشر، ويقولون ذلك من باب الانتقاص والتحقير، على أساس أن الموكل بصناعة القوانين النسبية هو الله، على أساس أن ما أنتجه الفقهاء البشر من القوانين الماضَوية هو قوانين إلهية؛ لأنهم استندوا فيها إلى فعل صحابى بشر أو تابعى بشر، وكأن هؤلاء البشر السابقين كانوا على صلة بالسماء؛ ولذلك فقوانينهم هى شريعة الله، وقوانيننا هى صنيعة البشر.

ومن المؤكد أن الخوارج كان خطؤهم الأكبر هو التكفير وقتل على بن أبى طالب.


ومما قيل فى الخوارج وربما نتفق مع بعضه فى نظام الحكم، أى السلطة العليا للدولة «الإمامة والخلافة»: يشترطون صلاح وصلاحية المسلم لتولى هذا المنصب بصرف النظر عن نسبه وجنسه ولونه، وهم بذلك يتميزون عمن اشترطوا النسَب القرشى أو العربى، ومنهم من أجاز ولاية المرأة من فرَق الخوارج، وهى التشبيبة، وتذهب إلى جواز تولى المرأة الإمامة العظمى، مستدلين بفعل شبيب حينما تولت غزالة زوجته، وقبل أمه فى الثورة، أجمع الخوارج على وجوب الثورة على أئمة الجور والفسق والضعف. حد الشراء: عندهم، يجب الخروج إذا بلغ عدد المنكرين على أئمة الجور أربعين رجلا ويسمون هذا «حد الشراء» أى الذين اشتروا الجنة بأرواحهم.

مسلك الكتمان: لا يجوز للثائرين القعود إلا إذا نقص العدد عن ثلاثة رجال، فإن نقصوا عن الثلاثة جاز لهم القعود وكتمان العقيدة. حد الظهور: عند قيام دولتهم ونظامهم تحت قيادة «إمام الظهور». حد الدفاع: التصدى لهجوم الأعداء تحت قيادة «إمام الدفاع».


فى التقويم الإسلامى
يتبنى الخوارج ولاية أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وخلافة عثمان بن عفان حتى ما قبل السنوات الست الأخيرة، فهم يبرؤون منه فيها فقد آثر قرابته، ويكفِّرون عليًّا بعد واقعة «التحكيم». واختلفوا فى نوع هذا الكفر، بعضهم كفَّره «كفر شرك» فى الدين، والبعض الآخر كفره «كفر نعمة» فقط، أى جحود النعم الإلهية فى واجبات الخلافة «يبرؤون من معاوية ومَن والاه».
فى طريق الإمامة


يتبنى الخوارج «الاختيار والبيعة» ويرفضون مَن قالوا إن الإمامة شأن من شؤون السماء، والإمامة عندهم من «الفروع» وليست أصلا من أصول الدين.


فى مرتكبى الكبائر
يحكم الخوارج على مرتكبى الكبائر الذين يموتون قبل التوبة بالكفر والخلود فى النار، وهذا هو خلافهم الأساسى مع أهل السُّنة، بالإضافة إلى قتال علىّ. وقد تبلورت تلك الفكرة فى صراعهم الفكرى والمسلح ضد بنى أمية، عندما ظهرت قضية «الحكام الذين ارتكبوا الكبائر واقترفوا المظالم».


فى العدل
اتفق الخوارج على «نفى الجور عن الله سبحانه وتعالى»، بمعنى ثبات القدرة والاستطاعة المؤثرة للإنسان، ومن ثم تقرير حريته واختياره.


فى التوحيد
أجمع الخوارج على تنزيه الذات الإلهية عن أى شبه بالمحدثات، بما فى ذلك نفى مغايرة صفات الله لذاته، أو زيادتها عن الذات، وانطلاقا من هذا الموقف قالوا بخلق القرآن.


فى الوعد والوعيد
قالت الخوارج بصدق وعد الله للمطيع وصدق وعيده للعاصى، دون أن يتخلف عن وعده أو وعيده لأى سبب من الأسباب.


فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
جعل الخوارج لهذا الأصل صلة وثيقة بتغيير الظلم والجور والثورة على الحاكم الفاسد.


الزهد والقتال
اشتهر الخوارج بقدراتهم القتالية وزهدهم فى الثروة، وعدم حرصهم على الاقتناء، كما اشتهروا بنسك وتقوى وصدق وشجاعة طبعت سلوكهم، وسجلها لهم خصومهم فى كتاباتهم.


وقف الخوارج أنفسهم لنصرة العدل ومقاومة الظلم وحماية المستضعفين، وفى ذلك فجَّروا الثورات ضد الأمويين وضد عمالهم، وانضم إلى الموالى من الفرس والأمازيغ من أهل شمالى إفريقيا. وكان الخوارج يشترطون فى زعمائهم الشجاعة والتقوى، ويبايعونهم على الموت، ويلقبون كلا منهم بأمير المؤمنين.

وكان قتالهم مخالفيهم من الأشواق التى كانت تجذبهم إلى مزيد من التضحية والاستشهاد، وهم يعتبرون أنفسهم المسلمين حقا دون سواهم، أما مَن عداهم فلهم دينهم.


من المؤكد أننا نختلف معهم فى تكفير المخالفين ولكنهم استبسلوا فى قتال سلطات اتسمت بالجور فى العهد الأموى والعهد العباسى، وكانوا يستبسلون فى القتال ويتسمون بالزهد، وفكرة الأئمة من قريش، فقد رفضوها، وأنا أرفضها كلية، فلا يقبلها عقل ولا منطق، وضد مبادئ الدين الأساسية «لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى» وهى عصبية مقيتة لمكان أو قبيلة ضد الأساس الذى جاء الإسلام لهدمه، أما قضية خلق القرآن التى خلقت جدلا فى الدولة العباسية، ورفض الفكرة أهل السنة، وتبناها المعتزلة وعلى رأسهم الخليفة المأمون وأجبر الفقهاء على القول بها، فهى قضية فلسفية كبيرة، وعليها خلاف كبير، وربما تحتاج إلى تفصيل فى مقال لاحق، وفى النهاية فلا يملك أحد فيها الحق المطلق، فلكل رأى فيها وجاهته، ولم تكن تستحق أن تكون قضية سياسية حاسمة، وكان يكفى أن تكون قضية رأى، هى أقرب للفلسفة منها للعقيدة، وقد أقاموا دولة فى عمان، وما زال وجودهم فى المغرب العربى كبيرًا أو ما يسموا بالإباضية، رغم أن الإباضية الحاليين يرفضون إطلاق لفظ الخوارج عليهم، حتى إن هناك صراعا مذهبيًّا الآن فى الجزائر بينهم وبين الأمازيغ، ومن أهم اجتهاداتهم هو جواز تولى المرأة الإمامة العليا، وهذا شىء جيد، وهو ما يؤكده الدستور المصرى، بمعنى أن الدستور المصرى خارجى فى تلك النقطة، ولا ننسى أنهم فى سنتى 76هـ و77هـ، تمكنوا بقيادة شبيب بن يزيد بن نعيم، من إيقاع عدة هزائم ضد جيوش الحجاج بن يوسف الثقفى، وألحقوا عدة هزائم بجبابرة الدولة الأموية.

ولا ننسى أن البخارى روى حديثَين عن عمران بن حطان «الخارجى».


وفى النهاية، أى تعصب لمذهب أو لطائفة هو المشكلة التى تعوق تقدم هذه الأمة وبقاءها فى عصور التخلف والرجعية، سواءً أكان هذا التعصب لطائفة الخوارج، أم لأهل السنة أم للشيعة. قليل من التفهُّم من كل طرف تجاه الآخر.

ومن الضرورى أن يعتقد كل طرف فى النهاية أنه لا يملك الحقيقة المطلقة؛ لأن يقينه بامتلاك الحقيقة المطلقة هو أول طريق للتعصب وتكفير المخالفين، وبالتالى تكون بداية العنف ومحاولة إقصاء الآخر والدخول فى معارك صفرية، تنهك فيها أوطان وتتمزق فى سبيلها دول قبل أن يدركوا حقيقة جرمهم، وطرقنا على قضية الخوارج، التى جعلها الإعلام مُسلَّمات، المقصد منه هو نفى الحقيقة المطلقة عن أى طرف، بمن فيهم المطلق عليهم أهل السُّنة، سيندفع المتربصون إلى اتهامى بأنى شيعى، وأؤكد أننى ضد أى تعصب، وأتحفظ على ما يسمى الفكر الإمامى وإصباغ القداسة عليهم، بنفس قوة رفضى تقديس الأئمة السابقين من أهل السُّنة، رغم قبولى الجلوس مع جميع الأطراف على أساس نبذ العنف والكراهية لدى الطرفين، وأن ننحى تلك الخلافات جانبًا، ونتفق على تأكيد مفاهيم التسامح والتراحم والقيَم الإنسانية العليا، وأهمها حرمة الدماء «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» «64: آل عمران».


فإذا كانت هذه حالنا مع أهل الكتاب، فمن باب أولى أن تكون حالنا مع طوائف مؤمنة بنبوَّة محمد، عليه السلام.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.