«سيجارة سابعة» رواية بطعم الثورة

عمرو عاشور



«سيجارة سابعة» رواية بطعم الثورة



«كان كُل مَن فى الميدان بالنسبة إلىّ مجموعة من الحالمين، ناس يحلمون أنهم يستطيعون أن يغيّروا شيئًا قويًّا وصلبًا بإرادتهم».. إذن فالثورات -كما تخبرنا نادية بطلة رواية «سيجارة سابعة» الصادرة عن دار ميريت للنشر- يقوم بها الحالمون، ليس العجزة ولا أصحاب الحاجة ولا المرضى إنما الحالمون، فالحالمون وحدهم قادرون على تغيير العالم، ليس بالحلم والإصرار على تبديل الواقع المؤسف، والثورة فى أساسها حلم ينتاب المناضل، حلم يضىء له المستقبل ويرسم صورة ملوّنة ومبهجة لحياة أكثر إنسانية وعدلاً ومساواة.


وكمال القلش واحد من هؤلاء المناضلين، فهو الكاتب والمثقف والمناضل الذى وجد نفسه فى المعتقل وهو صغير لا يزال مع «صنع الله إبراهيم، ورؤوف مسعد، وعبد الحكيم قاسم، وألفريد فرج، وصلاح حافظ». وحين خرج كمال القلش اتجه إلى القصة القصيرة وأصدر مجموعته الأولى «المراهق» وروايته «صدمة طائر غريب» التى لم تجد الاهتمام اللازم، وغادر مصر حتى عام 1985.


ثم عاد لابنته الصغيرة، لتصبح دنيا كمال هى دنياه الخاصة، يحكى لها عن حلمه بالثورة، ويصطحبها فى تظاهرات لا تتعدَّى العشرات، ويكلّمها عن السياسة والأدب والقصة، والبنت منبهرة بوالدها، الإله الحكيم فى حياتها الصغيرة. غير أن العمر يمضى وتكبر الفتاة ويرحل المناضل دون أن يرى ثمرة كفاحه الطويل تاركًا ابنته وهوسها الوراثى بالأدب والكتابة وتسجيل التفاصيل، ثم تأتى الثورة/ الحلم، ولكن مَن يستطيع أن يحقّق أحلام الموتى؟ فى الحكايات فقط يمكنك أن تفعل ما تريد، أن تبث الروح فيمن تحب، لتصطحبه فى جولة، أو تحكى له عن مشكلاتك، أو تحقق له حلمًا قديمًا لم يتحقَّق فى حياته الأولى.


وهذا ما فعلته الروائية دنيا كمال، فنادية -بطلة الرواية الفائزة مؤخرًا بجائزة ساويرس- أيقظت والدها من موته، ردَّت فيه الحياة، لتصطحبه فى جولة أخيرة إلى الميدان، ليشارك فى الحدث الذى ما دام حلم به، كأب يخاف على ابنته أحيانًا، وكمناضل يدفع بها ويلح على المشاركة فى معظم الأحوال، الرواية يدور حدثها الرئيسى فى فترة الـ18 يومًا، من 25 يناير حتى التنحِّى، ذلك الحدث الذى يُعد بمثابة عصب الرواية، تتخلله حكايات فرعية لا يحكمها زمن معين، فالرواية تسير فى خطَّين متوازيين، الخط الأول يتضمن علاقة نادية بالميدان والأب، والخط الآخر يتعلق بالحياة الشخصية لنادية وعلاقتها العاطفية بـ«على، وزين، وجلال»..

وإن كان هناك ارتباك واضح فى الفصول الأولى للرواية، والارتباك هنا سببه عدم التخطيط، فالرواية بطعم الثورة، والثورة لا يمكن التخطيط لها، هى أحداث تبدأ وتتصاعد وتتلاحق ولا نعرف أين تنتهى. والرواية لم تكن توثيقًا للثورة بقدر كونها حلمًا لم يكتمل، حلمًا طويلاً ينتهى لحظة خطاب التنحّى ليعود الأب إلى العالم الآخر، وكأن الحياة التى بثت فيه كانت لغرض واحد ومحدّد: وهو أن يرى حلمه يتحقَّق.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...