رد الاعتبار للإخوة الكفار «١»

محمد داوود



رد الاعتبار للإخوة الكفار «١»



الكفر نقيض الإيمان، وكَفَرَ أى لم يؤمن، فهو كافِر، وهم كُفَّار وكَفَرة وكافرون، والكُفْرُ أيضًا ضد الشكر، ويقال لكل شىء غطى شيئًا إنه كَفَرَهُ، وقيل من ذلك سُمِّى الكافِرُ لأنه يستر نعم الله عليه. والكافِرُ هو الليل المظلم لأنه يستر الأشياء بظلمته، هكذا اللغة تُكفِّر الليل، ويقال الكافر للزارِع لأنه يغطى البذر بالتراب. ويقال للكفار المشركون، والشرك جَعْلُ ند لله.


وطبقًا لرؤية الخطاب الدينى السائد يشمل طيف الكفار الملحدين، ومعتقدى الديانات التى لا يعترف بها ذلك الخطاب، كالبهائية والبوذية، ولا نجاة للمسيحية واليهودية المعترف بهما، فالمسيحيون واليهود كفرة؛ لأن كتبهم المقدسة محرفة! والمسيحيون بالذات عقيدتهم شركية!. ويمتد طيف الكفار الواسع كالبحر المالح ليشمل ذوى المعتقدات السياسية المعارضة، فوصِمت مصطلحات كالعلمانية والليبرالية بالكفر، وبذلك أتباعها كفرة، فعل هذا بشكل خاص زعماء ومنظرو التيارات المتاجرة بالدين مستغلين جهل العامة، أو أن هؤلاء الزعماء والمنظرين أنفسهم جاهلون بهذه المصطلحات، وكثيرا منهم جمعوا بين الشر والتدليس فيقرنونها دائمًا بأخرى غامضة كالماسونية، أو يغلب عليها سوء السمعة كالإمبريالية والصهيونية.

هذا ويقال للغرب العلمانى الكافر فى أدبيات أتباع الخطاب نفسه. والتكفير متبادل بين السنة والشيعة، وتعتبر الجماعات الدينية كالإخوان والسلفيين أن المجتمع جاهلى «كافر» لأنه حسب تنظيرهم الإرهابى لا يجعل الحاكمية -أى السيادة- لله، كأنها تُمنح له تعالى من المؤمنين.

بهذا، الدولة التى تطبق سيادة القانون كافرة، ولكى تؤمن عليها أن تستبدل بأنظمتها الحديثة «الكفرية» أنظمة رجعية، كفرض الجزية على المسيحيين.


هكذا يوصم كل مختلف بلقب كافر، مصرحًا به أو مضمرًا، ويقول عبد الله بن عباس أحد مراجع الخطاب الدينى السائد: «الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة -حجارة- سوداء فى ظلمة الليل».

لهذا جعل ذلك الخطاب للشرك الأكبر أخًا أصغر، ويقال له الشرك الخفى، الشرك الأكبر هو عبادة غير الله، أو جحد أمر مما يزعمه سدنة الخطاب نفسه «معلومًا من الدين بالضرورة»، وهذا بئر بلا قرار يلقون فيه بمن يشاؤون، ومن الشرك الأكبر ما يسمونه صرف بعض العبادة لغير الله، ويرون من ذلك -فى ملمح وهَّابى- زيارة الأولياء والنذر لهم.


ومن الشرك الخفى الرياء والحلف بغير الله، وهناك حديث ينسبونه للنبى: «من حلف بغير الله، فقد كفر أو أشرك». ومنه التعلق بالأسباب غير المشروعة لجلب النفع أو دفع الضر، كالتمائم ونحوها، ففى حديث منسوب أيضًا للنبى: «من علَّق تميمة، فقد أشرك»، وبذلك لابس الحظاظة وقع فى المحظور، بالشرك الخفى إذا لم يعتقد أنها تنفع وتضر، أما إذا اعتقد أنها تنفع وتضر فهذا شرك أكبر. ومن الشرك الخفى أيضًا -ودائمًا حسب رؤية الخطاب ذاته- إسناد الحفظ أو الرعاية ونحو ذلك إلى المخلوق، كقول الشخص: لولا الحارس لسرق المال، أو لولا الباسوورد لسرق الإيميل، ولولا الجى بى إس لضللنا الطريق.


ومنه كذلك عطف مشيئة العبد على مشيئة الله بحرف الواو، كقول الشخص: ما شاء الله وشئت، ولكن تعطف مشيئة العبد على مشيئة الله بحرف ثم، فتقول: «ما شاء الله ثم شئت» والفرق -فيما يذهبون- أن العطف بالواو يقتضى المشاركة، والعطف بـ«ثم» يقتضى التبعية، ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الله لا مشاركة. والأحوط أن تقول: «ما شاء الله، ثم ثكلتك أمك، عنَّك ما شئت».


ويضيق المجال عن ذكر المكفرات جميعها، ما سبق عينة دالة على الذهنية التكفيرية التى تضم الجميع تقريبًا إلى زمرة الكفار، وللمفكرين نصيب، فكانت المسارعة بتكفير نصر حامد أبو زيد، ورفعت ضده دعوى حسبة بإيعاز من الشيخ عبد الصبور شاهين، وأتى تكفير فرج فودة من قاتليه وأيدهم الشيخ الغزالى فى فتواه بشهادته الشهيرة أثناء محاكمتهم، وبالتكفير حاولوا قتل نجيب محفوظ، ومن قبل كفَّروا طه حسين، ومقابل ذلك رفض الأزهر تكفير الدواعش. ولا عجب. داعش والأزهر شفتان فى فم واحد. ورؤية سدنة الخطاب الدينى أن الداعشى اجتهد فأخطأ، لا يهم أنه قاتل ومخرب للبلاد، أما مفكر مثل نصر حامد أبو زيد فكافر؛ لأن التفكير يستوجب التكفير.


ويعتبر الإرهابى أن المختلف معه فى طريقة معرفة الله كافرًا يجب قتله، ولا اختلاف إلا فى الدرجة بين ذلك والمفاهيم الراسخة لدى عموم الناس بفعل الخطاب الدينى السائد، وعبر قرون طويلة رسخت فى العقل حزمة من المفاهيم المعادية للمختلف «الكافر بكل أطيافه» يتم إنتاجها فى تصرفات الناس، وتنتقل بين الأجيال عبر مصادر الثقافة التى تشبعت بتلك المفاهيم من مصدرها الأول، فيُعتَبر ذلك المختلف «الكافر» منتهى الشر، ومجردًا من الفضائل والإنسانية؛ ومستحقًا لكل انتهاك وحرمان من الحقوق حتى الحق فى الحياة؛ وينتج العقل هذا المفهوم بأشكال عديدة يبدو بعضها غير ذى صلة بالأصل الدينى، وبعضها واضح الصلة به، ونحن حين نريد وصف بشاعة الجوع نقول: «الجوع كافر».

ونقول عمن نراهم منتهى السوء: «دول عالم كفرة». أو «عالم ما بتعرفش ربنا». وحين يقع علينا ظلم بالغ نقول: «ليه؟ هو احنا كفرة؟».


ويستلزم تكفير الآخر رصده ومراقبته وتفتيش قلبه لمعرفة مستوى الإيمان والالتزام بالعقيدة وتطبيقاتها، بهذا تشكل العقل الفضولى المراقب للآخرين، وحين يُحرِّض سدنة الخطاب الحالى على المختلف «الكافر» لا يجدون استهجانًا من العامة، بل يجدون آذانًا صاغية فيما هو حكم بالإعدام المعنوى، تمهيدًا لمن ينتقل درجة نحو التنفيذ الفعلى.

وتجد تلك المفاهيم المرتبطة بالكفر مبثوثة فى الأمثال، والأغانى، وسائر أشكال الفلكلور حتى الحواديت، مثلا؛ رغم الاتجاهات الإنسانية لكتاب ألف ليلة وليلة -إسهامنا الأهم ولعله الأوحد فى الثقافة العالمية- فقد أنتجت به فى مواضع عدة المفاهيم المعادية للآخر، هناك حكايات شريرها هو الكافر المجوسي، أو اليهودي، هذا يحتاج لدراسة فاحصة، راجع مثلا قصة شركان وابنة ملك الروم وذات الدواهى، وهناك حكاية يجسد الشر فيها بطرق «النصارى» ناهيك عن التبرك بخرائه، عافاك الله.

مثل ذلك تجده فى السير الشعبية، ولعل جدتك الطيبة قد قالت لك بشأن الآخرين المختلفين أى الكفار: «لهم الدنيا ولنا الآخرة، لهم المال والجمال ولنا الجنة»، بهذا الوعى الحاد إننا وهم «الآخرون الكخة» على طرفى نقيض، والأصل الدينى هو تقسيم العالم إلى مؤمنين وكفار بينهم صراع سرمدى، وتحت مسمى الجهاد قتلانا شهداء فى الجنة، وقتلاهم هالكون فى النار.


وفى تجلٍ آخر لمفهوم التكفير يبدو غير ذى صلة بالأصل الدينى، تلاحظ أنه يغلب على ناسنا وأهالينا الطيبين والثوريين أن يَصِمُوا المختلفين معهم فى الرأى بالأوصاف المتعسفة، الاختزالية، التى تنتهك حقهم فى الاختلاف، فالمختلف هو من حيث المبدأ موضوع للتهكم أى السخرية بغرض التحقير، وموصوم بالخيانة والعمالة، تأمل مثلا موقف معارضى السادات منه وموقفه منهم بعد اتفاقية كامب ديفيد؟! وبعد ثورة يناير ظهر مثل ذلك الكثير من الأوصاف «التكفيرية مفاهيميّا»، كقولهم هذا كولجى، وهذا دولتجى، وهؤلاء من المواطنين الشرفاء، وهؤلاء فلول، والأصل أن هذا وذاك مجرد شخص له رأى آخر ينبغى احترامه، ومنشأ ذلك جميعه أن العقل المصرى يعادى الاختلاف؛ ومن ثم يعجز عن إدارة أى خلاف؛ لأنه تشكل أساسًا على مفاهيم دينية مولعة بالتكفير، منتجة للشقاق، تجعل من المستحيل تقريبًا قبول المختلف، ولا تتصوره إنسانًا حرّا فى الاختيار والتفكير، وتبادر إلى النبذ والإقصاء والتحقير -يعنى التكفير- سبيلا للتعامل معه.


ولهذا الحديث بقية.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.