أفكارنا هى منبع الإرهاب

طارق أبو السعد



أفكارنا هى منبع الإرهاب



إن كنت تعتقد أن الإخوان المسلمين والتيار السلفى والتيار الدينى المسلح، مع بعض شيوخ الأزهر والدعاة والوعاظ الفضائيين، وباقى كل التيار الإسلامى هم منابع الإرهاب التى يجب أن نواجهها، فأنت واهم؛ هذا الاعتقاد غير صحيح فى رؤيته الكلية، قد يكون جزء منه صحيح بأن هؤلاء هم من حمل الإرهاب إلينا أو قد يكون كل هؤلاء قاموا بخدمات جليلة للإرهاب والعنف والتطرف، إلا أنهم وفى النهاية ليسوا هم منبع الإرهاب، هم إرهابيون، فما الفرق إذن؟ الفرق يا عزيزى كما هو الفرق بين المصاب بفيروس c وفيروس c نفسه، أنت عندما تريد أن تقى المجتمع من الفيروس، لا تحارب المصابين، بل تعزلهم فى مكان آمن وتعقم الأماكن التى وُجدوا فيها، وتقدم لهم العلاج المناسب، بعد دراسة مستفيضة عن طبيعة الفيروس ودورته العمرية وأسلوب التكاثر والبيئة الحاضنة وشروطها وكيفية القضاء عليه، ثم تحدد العلاج، ثم تنشر الوعى الوقائى لهذا الوباء.. هذه هى طريقة قتل الفيروس ومحاربته.


وفى حالتنا المصابون بفيروس الإرهاب يتم التعامل معهم وفق قواعد الأمن والقانون التى ينظمها الدستور والتى أقرها الشعب المصرى، ومنابع الإرهاب -الفيروس نفسه- يجب القضاء عليها بأن نقصدها بالتتبع والإنهاك ومن ثم القضاء عليها بتجفيف منابع تكاثرها، ويجب عمل مناعة ضد الفيروس عند أفراد مجتمعنا حتى لا نكرر الإصابة به ثانية، قد يكون فيروس الإرهاب فى أفكارٍ هم روجوها مثل، أن الدولة ليست مسلمة ولا إسلامية، وأن الإسلام دين ودولة، مثل هذه الأفكار هى منبع التطرف وأبو العنف ونتيجتها الطبيعية هى عقل الإرهاب وسواعده.


صديقى هل تجد فى نفسك شيئا من هذه الأفكار، هل صدمتك، هل بدأت تقول إننى سأهاجم الإسلام؟ وأقوض أصوله وثوابته؟ مثل هذه المقولات هى التى اختبأ وراءها مروجو الأفكار الإرهابية والمتطرفة والقاتلة. أعلم تماما أنك تحب الإسلام وتحب أن تمجده وأنا كذلك، وإن كنت لا تقبل إهانته فوأيم الله أنا كذلك، لكننا لا نعرف كيف نكرم الإسلام بل لعلنا نهينه ونحن نقصد تكريمه، فاعلم أصلحك الله أن تكريم الإسلام يكون بأن تصفه وتوضحه كما هو، أو كما وصفه العلماء وليس كما حدده لنا حسن البنا أو وعاظ السلفيين أو أى أحد آخر، الإسلام يا أخى الكريم هو دين وشريعة وليس دينا ودولة، إيه الفرق؟! الفرق كبير يا صديقى عندما نقرر أن الإسلام دين ودولة فهذا يعنى بكل وضوح أن هناك دولة واحدة فقط للإسلام كدين، من خرج منها أو عليها خرج من الإسلام!! أليس هذا اتهاما للإسلام ذاته، ثم فى التاريخ القديم للمسلمين وحتى اللحظة لم تكن هناك دولة واحدة للمسلمين وبالتالى للإسلام، فقد كان فى عهد رسول الله دولة المدينة، وكانت إلى جوارها دويلة سيف البحر بقيادة أبى بصير عتبة بن أسيد التى لم تكن تطبق اتفاقيات الرسول «التى تخص الدولة من صلح وتفاوض وإنهاء حالة الحرب»، لكنها كانت تطبق الصلوات والعقيدة والتعاملات الشرعية.. أيهما كانت دولة الإسلام وأيهما كانت دولة الكفر؟! كلاهما دولة إسلام ورعاياها مسلمون.


بل إليك مثال آخر، المسلمون فى الأماكن التى لم يضمها الرسول الكريم إلى حدود دولته، هل هم مسلمون منتقصو الإسلام؟، أبدا لم يقل بهذا أحد، فمن أين جاء حسن البنا بتلك الفرية وهى أن الإسلام الذى هو دين ولا شك هو أيضا دولة، هذا خطر جدا أن يؤمن به المسلمون، هنا تكمن فكرة التكفير والعنف والإرهاب، فمثلا المسلمون فى بلاد غير مسلمة هل هم يطبقون إسلاما «حسب مفهوم العقيدة والعبادة والمعاملات» أم مطلوب منهم الانتفاض على دولهم ومجتمعاتهم لجبرهم أن يكون الحكم لهم ولو بالقوة ولو بالسيف؟! «حسب مفهوم حسن البنا عن الإسلام الدولة»، هكذا تكرمون الإسلام أم أنكم أهنتموه عندما وصفتموه بما لا يليق؟ أيضا فكرة أن الإسلام يجب أن ندافع عنه بالغالى والنفيس، وهى كلمة حق يراد بها الباطل، فالإسلام ليس فى حاجة إلى من يدافع عنه، الإسلام فى أشد الحاجة إلى من يؤمن به وفى أمس الحاجة إلى من يطبقه على النحو الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، الإسلام ليس فى حاجة إلى من يزعم أن القتل هو قربى إلى الله، وأن سبى الفتيات وسرقة الأراضى من أهلها من أوامر الرسول الكريم التى هى أوامر الله، والتى نحن متبعون لها. لا أبدا، كذبوا وكذب ملقنوهم، والله ما كان هذا أمر الله وما فعل الحبيب محمد هذه التصرفات المشينة؛ الإسلام ليس فى حاجة إلى وسطاء بين المسلمين ورب العالمين، بل الفقهاء يحتاجون إلى هذا ليكون لهم دور مقدس، بل الوعاظ يحتاجون إلى هذا ليكون لهم السلطة والحظوة، بل أمراء الدم أمراء الجماعات الإسلامية يريدون ذلك ويريدونه بشدة ليكون لهم السيطرة المطلقة على الناس وعلى الدين، الإسلام يا أخى الكريم لا يريد إلا من يؤمن به ويطبقه.


أعرفت من أين تأتينا أمراض الإرهاب؟ من فقهائنا الذى شرعوا للغاصبين على مر الزمان تملكهم الرقاب والعباد، من الوعاظ الذين جابوا البلاد تبشيرا بالجنة عندما تطيع الغاصبين. يأتينا الإرهاب من مفاهيم خلطت بين الاقتتال والجهاد، فالجهاد من المجاهدة وقتل نوازع الشر، أما القتال فهو كتب علينا وهو كره لنا، وله مناسباته الخاصة، إلا أننا نصر على أن الجهاد هو القتال. يأتينا الإرهاب عندما نتخيل أن مجتمع الرسول الكريم كان مجتمعا ملائكيا، فتهفو النفوس إلى أن تحيى هذه الحياة الطوباوية التى فيها الخير والخير فقط، شارك فى صناعة هذا الوهم عن مجتمع الرسول مؤلفو الأحاديث ومبررو الأخطاء البشرية لدى الصحابة، حيث أوهمونا أنهم ملائكة تمشى على الأرض، فنصر أن نكون مثلهم فنقاتل حتى نحول المجتمع إلى نفس الصيغة التى تركها الرسول الكريم.


يأتينا فيروس الإرهاب عندما نقرر أن الصواب واحد وأن الحق واحد وأن هناك طرفًا فقط هو الصواب، وأن الباقى هم من أهل النار. انظر إلى حديث «تفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلهم فى النار إلا واحدة»، فماذا حدث نتيجة زرع هذا الحديث فى وجدان وضمير الأمة المسلمة؟ اعتبرت كل فرقة أنها هى الفرقة الناجية وأن الباقى هم من الفرق الضالة، وإن كان الأمر كذلك فما هو واجب الفرقة الناجية تجاه من يصر من الفرق الضالة؟! لا شك أنه الجهاد الذى هو القتال، وهاتك يا حرب وهاتك يا تفجيرات وهاتك يا اقتتال، ودماء تسيل هنا وهناك، وأسر تتفكك، ونساء تترمل، وأطفال تيتم، ولا طائل من وراء كل هذا الهدر، فلا تقدم ولا تمكن، ولا أنتجنا دواء واحدا ولا حتى سلاحا واحدا ولا أى شىء إلا الدمار والعطب والتعطيل، والسبب ليس أفرادا آمنوا بما قاله لهم وعاظهم وفقهاؤهم، إنما بأفكار توغلت وترسبت وهناك من يحميها، هذه الأفكار قالها هؤلاء الوعاظ ظنا منهم أن هذا هو الدين.. فما الحل؟


الحل هو تتبع هذه الأفكار التى تولِّد فينا الإرهاب، تتبعها فى أى مكان مختبئة فيه، فقد تختبئ وسط الإسلام التقليدى الذى ورثناه عن آبائنا وليس بالضرورة أن تكون موجودة فى التيارات الإسلامية فقط، بل ربما موجودة فى فهمنا للدين ذاته، فى تكوين تصوراتنا البسيطة عن مدلول التدين، هنا مكمن الفساد، هنا منبع الإرهاب، هل من الممكن أن نجد كوكبة من علماء الاجتماع والفقهاء وعلماء السلوك وعلماء النفس وعلماء التاريخ فى مدارسة واحدة وهم يقومون باستبعاد أفكار «أقول أفكارا وليست أركانا» غريبة عن الإسلام واعتبارها معطوبة وأنها هى السبب فى ضخ الإرهاب كل فترة فى حياة المسلمين، مع تقديم لائحة وقائية فى التعامل مع مثل هذه الأفكار فى حالة نشاطها ثانية؟.. هذا ما أرجوه من الله.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.