حينما يُحتكر الدين يصبح التعاون على التفجير والتفخيخ

لؤى الخطيب



حينما يُحتكر الدين يصبح التعاون على التفجير والتفخيخ



فيديو يتم تداوله ليوسف القرضاوى المعروف بإخوانيته، ولكنه يكشف جوانب أخرى فى الفكر الإسلامى الذى ينتهجه أغلب المسلمين الآن، يتعدى كثيرًا فكرة الإرهاب أو الجماعة الإرهابية، أطل علينا يوسف القرضاوى بـ«فُتَيَّة» جديدة حينما وُجِه إليه سؤال يتعلق بسوريا، هل يحّل للشخص أن يقوم بتفجير نفسه فى تجمعات للنظام حتى إن كان هناك خسائر فى المدنيين؟ اللافت هنا أن السائل لا يناقش مسألة أن يقوم بتفجير نفسه أصلًا، فهو لا يرى أن ذلك محل نقاش على الأغلب، ولكنه يتساءل عن المدنيين الذين سيتم تفجيرهم، إيه ظروفهم؟ فأجابه العبقرى العلّامة يوسف القرضاوى أن الأصل فى ذلك أنها لا تجوز إلا بتدبير جماعى، فالجماعة –حسب تعبيره- هى التى تُخطط لهذا الأمر حتى يتم على أكمل وجه لا الفرد، لا يصلح أن يذهب من تلقاء نفسه ليفجر نفسه هكذا.. شوفتوا الكلام العاقل الرزين؟ المشكلة أيضًا أن يوسف القرضاوى لا يناقش مسألة تفجير هذا السائل لنفسه، وإنما يناقش التدبير والتنفيذ هل يكون جماعيا أم فرديا؟ ولا أحد يعلم مصدر هذا الغُثاء الذى يستحيل أن يكون آية قرآنية أو حديثًا قاله النبى صل الله عليه وسلم، فمن أين أتى به؟ أم وحى نزل للقرضاوى مخصوص؟ رغم أن الوحى لا ينزل بغثاء أبدًا!


إلا أنه من الظلم والإجحاف أن يتم تحميل القرضاوى وحده اللوم فى هذه الفتوى، فما الذى فعله أصلًا؟ أليسوا يقولون إن هؤلاء العُلماء لحومهم مسمومة وأنهم يجتهدون فيخطؤون ولا مُشكلة فى ذلك؟ خلاص اعتبروا القرضاوى اجتهد فأخطأ، أما إن أردتم أن توجهوا اللوم فعلًا فلتوجهوه إلى من ترك ويترك الدين لمجموعة يُطلق عليهم شيوخ أو علماء أو رجال دين، فتحوِّل بعضًا من هؤلاء «الغالبية مع الأسف» إلى الظن بأن الدين ملكية خاصة خالصة له، حتى يصل به جنون العظمة إلى الحد الذى يعتقد فيه أنه الآمر الناهى، وأن سلطته تقترب من سلطة الله، فهو المُتحدث الرسمى باسم الدين، الأمر هنا لا يتعلق فقط بمن ينتسبون للجماعات الإرهابية ويُفصّلون فتاوى تخدم إرهابهم، وإنما هى كارثة فكرية ابتُلى بها المسلمون منذ عدة قرون، فها هو ابن قيم الجوزية قد ألّف كتابًا بعنوان «إعلام الموقعين عن رب العالمين» فى القرن الرابع عشر الميلادى، قبل ظهور الإخوان بقرون، المُشكلة أعمق من مُجرد إرهابيين وأكبر من مُجرد قرضاوى، المُشكلة أن الدين سُلّم لهؤلاء حتى ظنوا أنهم وحدهم من يستحقون الحديث عنه وفيه، تتغير أشكالهم وتختلف ولكن المبدأ واحد، فبعضهم يظهر بعِمّة، وبعضهم يظهر بلحية مُعفاة وشارب محفوف، وآخرون بأشكال مُختلفة على مدار التاريخ، ولكنهم يشتركون جميعًا فى أن هناك ثوابت هم فقط من يعلمونها، فالأزهر على سبيل المثال يعقد المؤتمرات هو ووزارة الأوقاف، التى تناقش طرق تجديد الخطاب الدينى، ولكنهم لا ينتبهون أن من أهم أسس تجديد الخطاب الدينى أو الفكر الدينى بعبارة أدق ألا يكون التفكير حكرًا على أحد، ومع ذلك يتهمون من يتحدث بطريقة مُختلفة عن ثوابتهم المزعومة بأنه ينال من الدين أو يسعى لهدم ثوابته، ويبدو أن أهم هذه الثوابت ألا يتحدث فى الدين إلا مجموعة مُحددة، فينتِج هذا المشهد العبثى هذا الكم من الفوضى الفكرية والتطرف والتسلُّف، إلا أن المفارقة أن من قرر احتكار الدين منذ قرون بدعوى أنه العالم أو «أهل الذكر» أعطى لنفسه فقط الحق فى دهس هذه الثوابت إن لزم الأمر من وجهة نظره طبعًا، فمن ضمن الثوابت المعروفة منطقًا وفطرةً والتى لا يعترض عليها –كلامًا- هؤلاء المحتكرون، أن الدين رحمة، ولكن الفتاوى التى يُستباح بها دماء أهل الأرض جميعًا الآن خرجت منهم أيضًا عبر قرون التاريخ الفكرى الإسلامى.


وإذا مددنا هذا الخط على استقامته، سنجد برامج الفتاوى العجيبة الغريبة التى انتشرت انتشار النار فى الهشيم مع ظهور الفضائيات و«السبوبة الحلوة»، تلك البرامج التى يجلس فيها «الشيخ» لا يعرف الأسئلة التى ستنهال عليه بعد قليل فبالتالى لم يحضّر معلومة لها أى شىء، وعلى آخر الحلقة يكون قد أجاب فى المُتوسط على عشرين سؤالًا، لمدة ساعة على الأقل، وبناءً عليه يحق لنا التساؤل، هل يعلم هذا «الشيخ» كل شىء عن الدين ويحفظه عن ظهر غيب؟ أم أن الوحى يتنزل عليه على الهواء مُباشرةً؟ أم أن المصريين كانوا أكثر ذكاءً وخفة وحِنكةً حينما أطلقوا على من يقول «أى كلام لا يدرى عنه شيئًا» بـ«يفتى»؟ أول خطوة لتجديد الخطاب والفكر الدينى هى نسف هذه البرامج.


أما عن القرضاوى، فلنتركه مع المتفجرات والقنابل، ومع المُتفجرين والمُتقنبلين، فمكانه فى التاريخ معروف ومحفوظ، مكانٌ يليق بمن ينهى حياته بمثل هذه النهاية.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...