أحلام وزير التربية والتعليم وواقع أولياء الأمور




أحلام وزير التربية والتعليم وواقع أولياء الأمور



«التقارير إيجابية فى أول يوم دراسى، والنتائج فاقت توقعاتنا»، هكذا كان تعليق الدكتور طارق شوقى، وزير التربية والتعليم، فى أحد البرامج، مساء الأحد الماضى، بعد انتهاء أول يوم من أيام الدراسة فى العام الدراسى الجديد 2018/ 2019، مضيفًا: «نتابع وصول الكتب الجديدة إلى جميع المدارس فى ميعادها، إذ ستصل إلى جميع المدارس الابتدائية يوم الخميس بحد أقصى»، لافتًا إلى أن نسبة وصول الكتب إلى المدارس الإعدادية والثانوية وصلت إلى 95%، وأنه سيتم الانتهاء من إمداد المدارس بشبكات الألياف الضوئية والشاشات والتابلت فى نهاية أكتوبر المقبل، إذ سيتم توزيع نحو 700 ألف تابلت على المدارس من ماركة «Samsung» الشهيرة!

 

قبل بداية الدراسة بنحو عشرة أيام، عقد الدكتور طارق شوقى، وزير التعليم، مؤتمرًا صحفيًّا، ظن كثيرون أن الوزير سيضع خلاله النقاط على الحروف، فيُجيب عن طائفة كبيرة من التساؤلات المُلحّة التى تشغل أذهانهم، قبل أن يدخل عام دراسى جديد عليهم وعلى أبنائهم، لكن -للأسف الشديد- لم يكن ذلك المؤتمر سوى حلقة من حلقات الغموض والتساؤلات الغريبة التى تعتمل باستمرار فى نفوس المواطنين، ففى الوقت الذى أخذ فيه وزير التعليم يبشرنا بأن إصلاح منظومة التعليم فى مصر إنما سيكون مفتاحه «التابلت»، إذا بالرجل يعترف صراحةً فى مؤتمره الصحفى أن مخازن وزارة التعليم والمديريات التابعة لها على مستوى الجمهورية لا توجَد بها كميات، قليلة أو كثيرة، من أجهزة «التابلت»، أى أنه، بالمختصر المفيد، لا يوجَد أى أعداد من تلك الأجهزة اللوحية، على الرغم من أن الوزير كان قد صرّح غير مرة بأن أهمية التابلت تكمن فى أنه هو الوسيلة التى من أجلها أُنشئ ما يسمى «بنك المعرفة»، فمن خلاله يتوصل المتعلمون إلى المحتوى الرقمى المعلوماتى، وكذا توفير مصادر تعلُّم جديدة ومتطورة، فضلًا عن أن من خلاله ستنعقد الامتحانات بشفافية مطلقة، دون وسيط بين الطالب والوزارة، ليأتى الوزير بعد ذلك، ومع بداية أول يوم فى الدراسة الجديدة، ليبشرنا من جديد بأن الانتهاء من إمداد المدارس بتلك الأجهزة اللوحية سيكون بنهاية شهر أكتوبر المقبل، كما أن الانتهاء من إمداد المدارس بشبكات الألياف الضوئية والإنترنت سيكون خلال هذا الشهر نفسه، وكأن هذا الشهر الخريفى هو كلمة السر فى تطوير التعليم، حسب «مسطرة» الوزير طارق شوقى.

 

ومما يعجب منه أن الوزير طارق شوقى وهو يتكلم بثقة عن تسليم الأجهزة اللوحية «التابلت» إلى طلاب الصف الأول الثانوى فى مدارس الجمهورية يتناسى أن هذه الأجهزة فى حاجة لإعدادها وتحميل البرامج اللازمة لاستخدامها فى العملية التعليمية، أى أنها بعد استلامها يلزمها وقت كافٍ لتحميلها بالبرامج والتطبيقات والمناهج التى تخدم العملية التعليمية، أى أنه من المتوقع تأخر تسليمها للطلاب، إذ من الممكن أن يستلمها الطلاب كافةً فى نهاية الفصل الدراسى الأول، على أقل تقدير، خصوصًا مع وجود هذا العدد الضخم من الطلاب «نحو 708 آلاف طالب»، ولا أدل على ذلك من أن مسؤولى وزارة التعليم كانوا قد أكدوا، منذ أيام، أن الوزارة لن تطبق أى امتحان إلكترونى «أون لاين» على الطلاب من خلال التابلت، قبل يناير المقبل، وأن امتحانات الصف الأول لن تدخل فى التقييم التراكمى!
 

لا أعرف صراحةً كيف حكم الوزير طارق شوقى بأن تقارير اليوم الأول من أيام العام الدراسى الجديد ممتازة وإيجابية، ولا أعرف صراحةً ما النتائج التى كان يحتفظ بها الوزير فى نفسه ويتوقعها، ثم مع بداية اليوم الأول للدراسة أصبحت تلك النتائج تفوق التوقعات؟!

 

لم يشأ الوزير أن يُطلِعنا على السر، لكنه فى حماسة شديدة نفى ما تردد من أخبار حول فرض غرامة على الطلاب الذين لم يذهبوا إلى المدارس فى اليوم الأول من أيام الدراسة، مُعلقًا: «هذا عبث، نحن نتعرض لشائعات، وكل ما يقرؤه الأهالى خطأ إذا لم يكن تصريحًا رسميًّا»، ولو قد فكر الوزير قليلا، وهو مَن هو فى العلم والفهم والتفكير المنظَّم، لَأدرك الأسباب الحقيقية التى تدفع المواطنين إلى تصديق الشائعات المرتبطة بقطاع التعليم فى مصر، والتى يأتى على رأسها انعدام الشفافية وتغييبها عمدًا مع سبق الإصرار والترصُّد، حتى المؤتمر الذى عقده الرجل قبل بداية الدراسة بنحو عشرة أيام، لم يشفع ولم ينفع ولم يشفِ صدور المواطنين الذين هم فى حيرة من أمر مستقبل التعليم فى هذا الوطن، على الرغم من أن الرئيس السيسى نفسه لم يعُد يترك فرصة إلا ويتكلم فيها عن اهتمامه بالتعليم، وحرصه على خوض تجربة إصلاحه ومحاكاة نماذج التعليم فى الدول المتقدمة، وعلى رأسها اليابان!
 

أيضًا أكد الدكتور طارق شوقى وجود الكتاب المدرسى مع الطلاب فى اليوم الأول للدراسة، ونحن بدورنا نؤكد تأكيد الوزير فنقول إن كلامه يفتقر تمامًا إلى الدقة، فهذا التعميم الذى استخدمه الوزير ليس فى محله، فكم من مدرسة بالمحافظات المختلفة امتنعت، منذ اليوم الأول للدراسة، عن تسليم الكتاب المدرسى للطلاب لأنهم لم يدفعوا مصاريف المدرسة!

 

ولم يستلم الكتب سوى الطلاب الذين قاموا بدفع المصاريف الدراسية، وأعدادهم بالطبع -جدّ- قليلة بالنسبة إلى إجمالى أعداد سائر الطلاب، الذين لم يستطع ذووهم توفير مبلغ المصاريف!
 

إصلاح التعليم فى مصر الآن يجد إرادة سياسية فاعلة وجريئة من قِبَل الرئيس السيسى، وهذا فى حد ذاته أمر رائع، لكننا -للأسف- لمّا نزل نصطدم بأفكار تدور كلها حول الأرقام ولغتها، والإنجازات وإحصاءاتها، وهى أمور لا تُسمن ولا تغنى من جوع، فما يهم المواطنين هو أن يحسّوا بأن ثمة إصلاحًا تعليميًّا شاملًا وتطويرًا يصل إلى اللب والجوهر، فلا يقف عند القشور والأعراض.

 

وإننى أخشى أن يأتى شهر أكتوبر، وهو الشهر الذى يبدو أن وزير التعليم يعقد الأمل عليه لإرضاء الطلاب وأولياء الأمور، فيرون فيه تطويرًا وتعديلًا شاملَين للمنظومة التعليمية فى مصر.. أقول: أخشى أن يأتى شهر أكتوبر الخريفى فلا نجد فيه تطويرًا ولا تصحيح مسار، ولا أى استفادة تُذكَر من الأجهزة اللوحية وشبكات الإنترنت والألياف الضوئية، فقط نجد فيه سقوط أوراق الشجر!



أقرأ أيضا

دماغ

رسالة إلى سعيد مهران: العالم الآن.. للأشرار الكبار فقط

الله يرحمك يا سعيد، فأنت غلبان وضحية ومجنى عليه، لهذا كان لابد أن تموت. ودعنى أختم رسالتى لك بكلماتك التى قُلتها للقاضى فى أثناء حلمك بمشهد محاكمتك: «لو دورتوا.. حتلاقوا كل اللى عندهم قلب مجانين».
يرحمكم الله

كلب الخليفة المقتول

فى أواخر شهر أكتوبر 2019، أُزيح الستار عن أحد أبرز المشاهد دلالةً فى تاريخ الإسلام السياسى، فقد استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى البيت الأبيض، الكلب الذى شارك فى عملية قتل الخليفة الداعشى أبى بكر البغدادى...
البلد

الأكثر تأثيرًا عام 2019.. اخترنا لكم من قائمة «تايم 100»

فى عام 2016، كان الوضع فى إثيوبيا غايةً فى السوء، كانت الناس تُقتل وكان كثيرون فى السجن، وأردت أن يعرف العالم ما تقوم به الحكومة. لذلك، رفعت يدَىّ أعلى رأسى فى علامة «X» فى أثناء عبورى خط نهاية ماراثون 2016 فى أوليمبياد ريو، وهذا للتدليل على أن الشعب الإثيوبى يريد أن يوقف القتل والسجن، فنحن لا نريد ديكتاتورية.
البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
فن

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.