ما بين دولة أبى بكر الصديق ودولة عثمان بن عفان

طارق أبو السعد



ما بين دولة أبى بكر الصديق ودولة عثمان بن عفان



يعتز المسلمون بمرحلة الخلافة الراشدة، ويقدسونها كأنها امتداد لمرحلة النبوة، إلى درجة أن كثيرًا من المفكرين والعلماء يستلهمون من هذه المرحلة أدوات الحكم ومفاهيم السلطة، بل يعتبرون طرق الوصول للحكم فى هذه المرحلة هى أسس الحكم الإسلامى.

 

من المهم حتى نتعلم من الصحابة أن نتعرف على طبيعة هذه المرحلة من حيث طريقة تولّى كل خليفة، فاختلاف طرق تولى الحكم يؤكد عدم وجود نص يحدد أسلوب الحكم، ما يعنى أن أمور السياسة مطروحة للبشر ليختاروا أنسب الطرق التى تتلاءم مع حياتهم، فطريقة تولّى أبى بكر الحكم كانت عبر اقتحامه مع بعض الصحابة المهاجرين -تحديدًا عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح- مقر اجتماع الصحابة من الأنصار، فقد دخلوا الاجتماع وقد انتهى بعقد البيعة للصحابى الجليل سعد بن عبادة، فظلوا يخيفونهم ويحدثونهم عن سطوة قريش على العرب، ويمَنّونهم بأن الأمراء من قريش والوزراء من الأنصار.

 

فهل تحقق هذا الوعد الانتخابى؟ لم نرَ وزراء من مشاهير الأنصار تولوا أعمالًا أو قادوا جيوشًا لأبى بكر الصديق! ثم فى سقيفة بنى ساعدة حاول أبو بكر وعمر وأبو عبيدة إثبات أن فى حال تولّى سعد بن عبادة الحكم سيرتد العرب وسيخرجون عن الطوق، وأن الأفضل لحماية الأمة أن يتولى قرشى الأمر ليمنع هذه الردة ويضمن بقاء الوحدة! فهل هذا حدث أم العكس تمامًا؟

 

انفرط عقد المسلمين فور تولى أبى بكر الحكم، وبسبب تمسكه بتقديم الزكاة إليه كما كانت تقدم إلى رسول الله، ألم ترَق دماء كثيرة من أجل استعادة الوضع؟! إن تمسكه بتقديم الزكاة إليه لم يكن تعنتًا، بل حفاظًا على رمزية السيادة والدخول فى الدولة الناشئة، فحروب أبى بكر كانت من أجل إنشاء الدولة ولم تكن من أجل الدين قط. حتى فى بداية حكمه، رضى الله عنه، خطب خطبة شهيرة، منها أنه سيأخذ الحق من القوى ويعطيه للضعيف، فقال: القوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوى عندى حتى آخذ الحق له. لكنه خالف قانون العدل الذى سَنَّه ومنع السيدة فاطمة من ميراثها مستخدمًا حديثًا غريبًا جدا مناقضًا للقرآن الكريم ولتاريخ الأنبياء، وهو أن الأنبياء لا يورثون درهمًا ولا دينارًا وأن ميراثهم صدقة، وهو فعل هذا ليس تنفيذًا لأمر دينى كما يزعم البعض، ولكن لأن الدولة الناشئة كانت تعانى من إضرابات وقلاقل، منها رفض علِى بيعة أبى بكر، فهل يُعقل أن يسلم ميراث السيدة فاطمة لينفقه «علِى» على الاستعداد لنزع الحكم من أبى بكر، وما سيتبع ذلك من تفكك لا تحتمله الدولة الوليدة، التى تعانى من حركات انفصالية من كثير من القبائل؟!

 

هى السياسة -إذن- ومصلحة الناس وحماية الدولة وليس الدين. إن إضفاء مسحة دينية على هذه التصرفات واستخراج أحكام فقهية منها أربك مَن جاؤوا بعدهم. أما عثمان بن عفان، ثالث الخلفاء وزوج ابنتَى النبى وأول حاكم لبنى أمية، فكانت توليته بطريقة مختلفة، فقد تمت عبر اختيار من متعددين، حددهم الصحابى الجليل عمر بن الخطاب قبل الوفاة، فاختيار المرشحين لم يكن أمرًا إلهيًّا أو نبويًّا، بل كان اجتهادًا من صاحبى واحد أراد الحفاظ على مكتسبات حركة عشرين عامًا تحاول تأسيس دولة جديدة، فاختار أفضل رجال الدولة القادرين على المحافظة على دولتهم. إذن، الأمر أمر دولة، والمنتج تحكمه المصلحة، فاستعمل من بنى أمية، ولأن الجماهير تحركها العاطفة، حدثت الفتنة بسبب خلط الدين بالحكم عند الجماهير.

 

بالمقارنة بين الدولتين وبين الرجلين قد يتوهم البعض أنهما قدّما وعودًا انتخابية ولم ينفذاها، لكن الأمر بكل بساطة أنها المصلحة، فكل الصحابة عندما يجدون المصلحة فى جانب فإنهم يميلون إليها فورًا ويقدمونها على وعودهم الانتخابية. فى هذه المقارنة نكتشف أن الحياة تدور وتتطور، والصحابة أدركوا سُنة الله فى الكون، وهى التطور والتغير، فواكبوها متجاوزين تعليمات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليس انتقاصًا منها ولا افتئاتًا عليها، بل استجابة لطبيعة الحياة المتطورة والمتغيرة. فهمَ هذا الرعيل الأول ما لم يفهمه أبناء الحركات الإسلامية، وهذا ما يجب أن نفهمه.



أقرأ أيضا