الشتاء يقترب.. يا مَطرة أرجوكى بلاش ترخِّى

كريم البكرى



الشتاء يقترب.. يا مَطرة أرجوكى بلاش ترخِّى



رجعت الشتوية.. هذه الأغنية الفيروزية العظيمة، بمجرد أن تستمع إلى آهات فيروز وهى تشدو: «رجعت الشتوية» تسرح بخيالك لعالم بعيد تتساقط فيه الثلوج، وتنتشر فيه رائحة المطر، ويلهو الأطفال تاركين آثار أقدامهم على جليد لبنان، ولكن يتغيَّر الأمر حينما تتذكر شتاء مصر فتشعر بحنين يشوبه حذر من سيناريوهات الشتاء المصرية المتكررة، فيخطر ببالك السيول وغرق المدن الساحلية، وتراكم المياه على الطرقات السريعة وما يسببه من شلل مرورى، والكوارث العديدة المصاحبة لهذا الفصل، فتتناسى تدريجيًّا شتاء فيروز، وتدعو الله أن يسترها علينا ويحمينا من سيناريوهات الشتاء المخيفة.

 

فى أبريل الماضى تعرَّضت القاهرة وبعض المحافظات المصرية إلى موجة من الأمطار الغزيرة والسيول، أدَّت لغرق العديد من الشوارع والمنازل والسيارات وتوقُّف حركة الطرق بين المحافظات وانقطاع التيار الكهربائى وتدمير بعض المنشآت والممتلكات الخاصة بالأهالى، وفى هذا الصدد علَّق الرئيس عبد الفتاح السيسى فى تغريدة نشرها على صفحته الرسمية على مواقع التواصل، بأن الدولة بجميع أجهزتها ستكثف من جهودها لتلافى حدوث مثل هذه الآثار مرة أخرى، مؤكدًا تفهمه حالة الغضب التى انتشرت بين المواطنين آنذاك.
 

ها نحن بعد نحو 5 أشهر على الواقعة الماضية، نستعد لاستقبال فصل الشتاء فى موعده الرسمى، وكلنا توجُّس هل ستتكرر مآسى كل شتاء؟ أم سيكون الشتاء المقبل مختلفًا؟
حتى يمر الشتاء المُنتظر على خير، لابد من بعض الإجراءات والتحركات الحكومية المكثفة، والتى من المفترض أن تكون الحكومة اتخذتها بالفعل، فما حدث فى أبريل الماضى كان مجرد إنذار لما قد تشهده العاصمة.

 

فالصدمة الحقيقية للمواطنين كانت غرق العاصمة نفسها، فمدينة مثل القاهرة الجديدة، وتحديدًا فى التجمع الخامس «غرقت» بالمعنى الحرفى للكلمة! وباتت السيارات تسبح فى المياه! مما دفع سكان المدينة الراقية إلى الاعتماد على أنفسهم فى معالجة الأمر بأقل إمكانات ممكنة، وهذا الغرق يطرح تساؤلًا عن مخرات السيول فى القاهرة، ففى أبجدية أية دولة العاصمة هى قِبلة الاهتمام الأولى، لكن ذلك لم يحدث فى القاهرة التى لا تحتوى إلا 4 مخرات سيول فقط.
 

المخرات الأربعة، وحسب خريطة المخرات، فإن أكبر مخر فى القاهرة هو مخر سيل حدائق حلوان الذى يعد الأقدم، ويمتد من وادى حوف وحدائق حلوان وينتهى بالمعصرة، أما الثانى فهو مخر سيل طرة، الممتد من طرة مرورًا بمنطقة دجلة بالمعادى ويصب فى النيل، والثالث مخر سيل كفر العلو، وهو يقع فى الجيل فى المنطقة الصحراوية بحلوان، أما الرابع فيقع فى منطقة التبين.
 

بزيارة إلى أى من تلك المخرات، ستجد أنه قد تحوَّل إلى مقلب قمامة، ويشهد حالة من الإهمال الشديد، والعديد من الخبراء أكدوا أن هذه المخرات تعمل بنسبة كفاءة لا تزيد على 50%، وذلك يعود إلى عدة أسباب، لعل أولها تعامل المواطنين مع تلك المخرات كمقالب قمامة، ما يؤثر على كفاءتها، بجانب قِدم بعض المخرات ما يجعل تحديثها أمرًا صعبًا.
 

الأمر لا يخلو أيضًا من فساد، وهذا ما دفع هيئة الرقابة الإدارية إلى شن حملات فى بعض المحافظات فى موسم الشتاء الماضى، للتأكد من جاهزية المخرات لأى أمطار، لكن فى القاهرة الخبراء أكدوا أن 4 مخرات فقط لا تنقذ العاصمة، خصوصًا أنها تتمدد وبها مناطق معرضة لسيول، مثل التجمع الخامس والسادس من أكتوبر، لأنها مناطق شبه صحراوية.
 

آراء فنية عديدة بعد أزمة التجمع، أفادت أن المنطقة العمرانية الجديدة تقع فى مسار المخرات التى كان يجب الحرص على مسارها خاليًا من العمران، لتجنُّب كارثة مثل التى حدثت، وهنا السؤال المهم: هل المسؤولون عن غرق القاهرة الجديدة وبالذات منطقة التجمع الخامس هم رجال المحليات أم رؤساء أجهزة التعمير؟ أم هم الذين تجاهلوا المعايير الفنية وخططوا لبناء مدينة تُحاكى المُدن العالمية فى شكلها الخارجى بينما تتكشف حقيقتها مع فترة أمطار تقدر بالدقائق؟!
 

وزارة الرى فشلت العام الماضى فى مواجهة السيول، حينما هطلت الأمطار بغزارة، وعزلت بلدتَى الدرع والسهم بالصعيد عن باقى مدن وقرى مصر، وقتلت 13 شخصًا وأصابت 50 آخرين، واحترقت 5 محولات كهربائية، وانهار 1400 منزل وتصدعت 4 مدارس، ومؤشرات هيئة الأرصاد تؤكد أن اختبار العام الحالى سيكون أصعب على الوزارة التى طالبت بمضاعفة الميزانية المخصصة، فاستجابت رئاسة الوزراء وضاعفت المبلغ المخصص، ووصلت التكلفة السنوية لأعمال إنشاء وصيانة مخرات السيول فى المحافظات العام الماضى إلى 4 مليارات جنيه من الميزانية العامة للدولة.
 

وللأسف الشتاء يهل علينا بالتزامن مع حركة المحافظين الجديدة، فى إشارة إلى تنصُّل مرتقب من المسؤولية وإلقائها على المحافظين السابقين، والآن تنتشر تصريحات: «وجَّه المحافظ بتحسين حالة المخرات» أو «تفقد المحافظ المخر الفلانى» أو «شدد المحافظ على الانتهاء من صيانة المخرات»، وللأسف تلك التصريحات لا تُسمن أو تغنى من جوع، فالحقيقة هى اعتماد الدولة -حكومة وشعب- فى أزمات الشتاء المتكررة على «ستر ربنا»، وأجزم أنهم لا يعوّلون على تصريحات المسؤولين التى فقدت قيمتها بسبب تكرارها الرتيب وغير المُجدى على ألسنة السابقين والحاليين والقادمين أيضًا.
 

إذا كانت السيول ككارثة طبيعية مفاجئة قد تهدد العاصمة أو تغرق إحدى القرى، فهذا لا ينفى أن الشتاء -كفصل سنوى طبيعى- قاسٍ ومؤسف ومؤثر على الكثيرين، فبعيدًا على القاهرة والمُدن الكبرى، الأقاليم تعيش كارثة سنوية بسبب الأمطار العادية -لا أقصد السيول طبعًا- التى بإمكانها تحويل المدن الزراعية مثل محافظات الدلتا إلى أكوام من الطين وبرك من المياه، مما قد يشل الحياة بشكل كامل، ولكن للأسف صوت الأقاليم لا يُسمع إلى فى الكوارث الضخمة.
وكعادة نموذج المسؤول المصرى، يعتبر السيول والأمطار محض أزمات طبيعية لا دخل للحكومة فيها، وهو صادق فى نصف الجملة الأول، فهى أزمة طبيعية، ولكن عدم الاستعداد للأزمات الطبيعية هو مربط الفرس والخطأ والتقصير، واستعدادات الحكومات السابقة لأزمات الشتاء لم تكن مُرضية، ولم تفلت أية مدينة من أخطارها.

 

ورغم أن الدولة تتباهى بإنجازاتها فى افتتاح الطرق والكبارى والمدن الجديدة ومشروعات البنية التحتية، ولكن للأسف شوية مطر تدحض تلك الادعاءات وتكشف القصور الفكرى فى التخطيط والتنفيذ، فلا مجال للتباهى بمشروعات البنية التحتية وطفرة إنشاء الطرق إذا كانت لا تحتمل شوية مطر.
 

الشتاء لا يكشف النقاب عن الأزمات التخطيطية والإنشائية فقط، بل أيضًا يفضح كارثية الوضع الإنسانى الذى تعيشه مصر، فمع حلول شتاء كل عام تنتشر حملات الكساء وجمع البطاطين للفقراء وقرى الصعيد المُهمشة، وبالطبع المسؤولية المجتمعية أمر مهم ويجب أن يتحمل المواطن دوره فى عملية التكافل، ولكن أين المسؤولية الرسمية؟ ولماذا أدمنت الدولة إلقاء المسؤولية على المواطن الذى بات مُطالبًا بالتبرع لمستشفى السرطان والجمعيات الخيرية وطلاب العلم وصندوق تحيا مصر، ومع كل شتاء بات مطالبًا بالتبرع للفقراء بالبطاطين لإنقاذهم من البرد القارس.
 

الحكومة لم تجد عيبًا فى أن يتحمل المواطن هذه المسؤولية بشكل دائم، ولم تجد عيبًا أيضًا من وجود مواطنين آخرين يموتون من البرد، ويتسولون الغطاء، ويتمنون إصلاح أسقف منازلهم، ويعيشون فى معزل تام عن المشروعات الإنشائية التى تتباهى بها الحكومة.. فماذا فعلت أجهزة الدولة من أجل هؤلاء؟ وإلى متى سيظل المواطن مُطالبًا بالتبرع والتطوع والمشاركة؟ وإلى متى ستبقى الحلول غير رسمية؟
 

فى الواقع.. كل الخجل وأنا أكتب عن أزمة كهذه، كيف نكون دولة لها ماضٍ وحضارة ونتباهى بتاريخنا العلمى والإنسانى، بينما نقف خائفين متوجسين من شوية أمطار؟! كيف نستسلم لأزمة طبيعية مثل السيول ولا نتعلم شيئًا من زلازل اليابان أو فياضانات أمريكا؟! فهى أيضًا ظواهر طبيعية ولكن إدارة الأزمة وسرعة احتوائها وتعويض المتضررين كلها أمور نفتقدها فى مصرنا اليوم.
 

للأسف تكرار نفس الأزمات بنفس السيناريوهات أمر أفقدنا الثقة فى كل التعاملات الحكومية، أصبحنا نعيش فى مصر بالدعاء، فالمواطن المصرى انتقل من مرحلة ربنا يعدِّى الإصلاح الاقتصادى على خير، إلى مرحلة ربنا يعدِّى تعويم الجنيه على خير، إلى مرحلة ربنا يعدِّى غلاء البنزين والكهرباء والسلع وتذكرة المترو على خير، إلى ربنا يعدِّى دخول المدارس على خير! والآن لنرفع أيدينا جميعًا إلى السماء وندعو ربنا يعدِّى الشتاء المُقبل على خير.
 


السيول
156 عدد مخرات السيول على مستوى الجمهورية

 

80 مخرًّا فقط تم تطهيرها
 

4 مليارات جنيه تكلفة ميزانية إنشاء وصيانة مخرات السيول
 

13 شخصًا لقوا حتفهم العام الماضى جراء السيول
 

1400 منزل انهارت و4 مدارس تصدَّعت بسبب السيول

 



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...