أولادنا فى أول يوم دراسة.. لم يدرسوا

سامح عيد



أولادنا فى أول يوم دراسة.. لم يدرسوا



ذهب ابنى، فأر التجارب فى النظام الجديد بالثانوية العامة، إلى المدرسة هذا اليوم. المدرسة من المدارس الكبيرة التى تتعدى الخمسين فصلًا ويتعدى طلابها الثلاثة آلاف طالب، وهى مدرسة شاسعة، وفشلت عدة إدارات متتابعة فى السيطرة عليها، ومر عليها من المديرين العشرات دون جدوى، وأصبح الحل الأمثل لتقليل المشكلات هو غياب الطلاب، فغابت الممانعة لغياب الطلاب وتسربهم.

 

طلب ابنى زيادة المصروف اليومى لأنه مضطر لدفع إتاوة داخل المدرسة للقفز من فوق السور، فسألت مستفسرًا: وليه تهرب من المدرسة يا بنى؟ قال لى: ماخدناش ولا حصة غير حصة كمبيوتر، والمدرس قال لنا: أنا اللى بكتب الغياب واطمئنوا بنكتب كام اسم كده كل يوم، وبدل ماتيجى تبهدل نفسك ويتبلطج عليك اقعد ذاكر فى بيتك يا ابنى إنت وهو.

 

سألته: مين اللى بياخد إتاوات فى المدرسة؟ فقال ابنى: شوية عيال سرسجية (مصطلح متداول عن الولاد البلطجية فى جيلهم) وشكلهم مش من المدرسة، شكلهم كبير. فأعربت عن دهشتى، وقلت له: أكيد من المدرسة بس عيال ساقطين وبيعيدوا السنة وجايين يبزنسوا عليكم.

 

وأكمل سرده وقال: دخلوا علينا الفصل، وقالوا وهم يرفرفون المطواة قرن الغزال بشكل احترافى: اللعب فى الحوش 5 جنيهات، النزول للحمام 2 جنيه، النط من على السور 2 جنيه، وحَفّلوا على ولد نرد فى الصف الأول (كلمة نرد مصطلح متداول عن العيل الدحيح بتاع المذاكرة، والمذاكرة فقط، وهو يقال على سبيل التندر والسخرية)، وقال لى: وكان أبوه مدرسًا، واتصل بأبيه، وعندها تكالبت الإدارة على الفصل، ولولا هذا لَأكملوا جولتهم لإعلان الأسعار فى باقى فصول المدرسة.

 

من المعروف عن تلك المدرسة أن الفسحة هى النهاية الحقيقية لليوم المدرسى، وهناك تضامن بين الإدارة المدرسية والمدرسين والطلاب على هذا الأمر، فالمدرسون فى بداية العام ينظمون الأولاد فى مجموعات السناتر، وبعدها ينصحونهم بعدم المجىء للمدرسة.

 

سأل ابنى زميله: أخدتم حاجة النهارده؟ قال له: دخل مدرس الكيمياء وسألهم: تعرفوا إيه عن الكيمياء؟ فأجاب طالب: تستخدم الكيمياء فى شؤون الحياة من صناعة وتجارة وأدوية وزراعة. قال لهم: كفاية عليكم كده النهارده، وخرج ليتكلم فى التليفون باقى الحصة.

 

من مساوئ النظام الجديد أنه جعل المواد ممتدة طول العام، حتى على طلاب الصف الثانى الثانوى، فبعد أن كانت المواد منتهية، بمعنى أنه كان يدرس فى تيرم الفيزياء والميكانيكا، والتيرم الثانى الكيمياء والأحياء، فقد جعل الوزير المواد ممتدة، بمعنى أنه سيدرس طوال العام الكيمياء والفيزياء والأحياء والميكانيكا لطلاب العلمى، وطلاب الأدبى سيدرسون الجغرافيا والتاريخ والفلسفة وعلم النفس طوال العام، وبدلًا من تحمل الطالب دروسًا خصوصية لمادتين، فقد تضاعفت لأربع مواد.

 

هذا غير اللغات والرياضيات، وبالنسبة لطلاب الصف الأول الثانوى فبدلا من دراسة الطالب الفيزياء والجغرافيا والفلسفة فى تيرم، والتيرم الثانى الكيمياء والأحياء والتاريخ، أصبح يدرس الـ6 مواد طوال العام، وبذلك فقد تضاعفت الدروس الخصوصية ولم تتراجع. هذا واقع نعيشه وليس واقعًا افتراضيًّا، ولا أتحدث عن إخبار ولكن عن معاينة، فابنى داخل تلك المنظومة التى سترتفع تكاليف أعبائها المالية، وليقُل الوزير ما يشاء من أحلام.
 

ما دام المدرس غير راضٍ عن المنظومة فمهما صنعت الوزارة من لجان للمتابعة والترقب فلن تجدى شيئًا وستظل المنظومة فاشلة، فما زال المدرس بالعقد يتقاضى 750 جنيهًا، والمدرس على مشارف المعاش لا يصل راتبه إلى حاجز الأربعة آلاف جنيه. وضع بائس للغاية، نحن نتحدث عن مئتى دولار لشخص خدم 30 سنة، ووصل إلى مشارف المعاش، إذ تتزايد تكاليف الأولاد، وتكاليف المعيشة مرتفعة للغاية، وهذا وضع لا يمثل حياة كريمة، ومن ثم فهو يشعر بالامتعاض والغضب، ويتحايل، سواءً أكانت له تجارة خاصة به أو مهنة، أم يمتهن الدروس الخصوصية كمصدر دخل إضافى؛ ولذلك ستظل الوزارة تلعب لعبة القط والفأر دون فائدة، فالمتابعون يراجعون الأوراق: دفاتر التحضير، التاريخ المكتوب على السبورة، دفتر الخمسة سلوك الخاص بالغياب ودرجات الطلاب، مجرد أمور شكلية وورقية، ولن يستطيع أحد إجبار معلم على تأدية دوره بكفاءة ما دام غير راضٍ عن وضعه. بالتأكيد هناك استثناءات، ولكن حتى تلك الاستثناءات فهم معلمون عملوا فى الخليج فترات طويلة، وعادوا إلى بلدانهم يقضون ما بقى من حياتهم ليستمتعوا بما جنوه وما حصدوه فى وقت الرخاء، ووقت أن كانت الأسعار فى مصر غير الحالية ويعيشون أوضاعًا مادية مستقرة، ربما بعض هؤلاء يعمل بأريحية وبغير ضغوط، ولكن الاستثناء لا يلغى القاعدة.
 

مشكلة التعليم مشكلة كبيرة ومتراكمة، ويجب حَلها بشكل جذرى وكامل. من المؤكد أن التوسع فى مدارس «ستيم»، وهى مدارس المتفوقين، أمر محمود وإيجابى، ولكنه غير كافٍ، فنحن نتحدث عن مدارس نستطيع أن نعدها على أصابع اليدين، ولكن باقى الـ22 مليون طالب يحتاجون إلى الكثير؛ بناء مدارس وتقليل الكثافات فى الفصول، وهذا أمر جوهرى.

 

وباعتراف الوزير فنحن بحاجة إلى 180 ألف فصل جديد، نريد أن نعلم كم أنجز منها، وما خطته لإنفاذها؟ نحتاج بالتأكيد إلى تعديل المناهج بشكل يتناسب مع التطور فى العالم، نحتاج إلى أجور عادلة للمعلمين، وإلى نقابة محترمة تعبّر عن حقوقهم، ونحتاج بعد ذلك إلى منظومة ثواب وعقاب، سواء للطلاب إن تجاوزوا، أو للمعلمين إن تكاسلوا وتخاذلوا عن تأدية واجبهم بعد أن يأخذوا حقوقهم، ولا يتخيل أحد أنه قادر على كفاءة مكتملة دون حقوق مكتملة.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...