الإدارة الحديثة والكوارث المتتالية في مستشفيات مصر




الإدارة الحديثة والكوارث المتتالية في مستشفيات مصر



لعل أبرز ما كشفت عنه كارثة وفاة ثلاثة مواطنين، من مرضى الكلى، وتدهور حالة 13 آخرين فى مركز ديرب نجم فى محافظة الشرقية، فى أثناء عمليات الغسيل الكلوى، فضلًا عن الإهمال وتدهور الخدمات الصحية فى المستشفيات الحكومية فى مصر عمومًا، هو غياب مفهوم الإدارة بمعناه الحديث.

 

يجزم كثيرون بأن الإهمال، المتعمَّد وغير المتعمَّد، فى مستشفيات وزارة الصحة والمستشفيات التعليمية، وكذا المستشفيات التابعة لوزارة التعليم العالى، هو السبب الرئيس للتدهور المزمن الذى تعيشه منظومة القطاع الصحى والطبى فى مصر، ويُرجع كثيرون أسباب ذلك إلى نقص الإنفاق على هذا القطاع الحيوى وتضاؤله، فها هى ذى الإحصائيات تؤكد تردّى المنظومة الصحية فى مصر بسبب ضعف ومحدودية الإنفاق، ذلك أن مصر مصنَّفة كإحدى الدول الأقل إنفاقًا على القطاع الصحى، إذ يقتصر نصيب القطاع فى الموازنة العامة للدولة على أقل من 3%، لدرجة أن دولًا تكرثها الحروب والقلاقل السياسية والأمنية والفقر المدقع، كالعراق وبوروندى وغيرهما، تنفق على الصحة أكثر مما تنفقه مصر، وهو ما يعكس بؤس الأوضاع الحالية، إلى الدرجة التى جعلت الرئيس السيسى يلمح، يوم الأربعاء الماضى، بأن الدولة لم تعُد قادرة على إدارة المنظومة الصحية فى البلاد، فقد أكد، على هامش افتتاح المستشفى العسكرى بالمنوفية، أن الجمعيات الأهلية تدير المستشفيات بشكل أكثر كفاءة من وزارة الصحة، لافتًا إلى أن الحكومة مستعدة لتقديم مستشفيات وزارة الصحة للجمعيات الأهلية بشرط إدارتها وتشغيلها بكفاءة، مع استمرار الدعم المالى من وزارة الصحة للمستشفيات، ولا سيما أن مستشفى «العديسات»، الذى افتتحه الرئيس، تتولى إحدى الجمعيات الأهلية تطويره، الأمر الذى جعل الرئيس السيسى يناشد الجمعيات الأهلية ورجال الأعمال التعاون مع وزارة الصحة لإدارة المستشفيات والاستثمار بها بشرط الكفاءة، مؤكدًا فى الوقت ذاته، أن إنفاق الدولة على قطاع الصحة والمخصصات المالية للمستشفيات لن تتوقف.
 

يجزم كثيرون بأن هذا «الإهمال»، وحده، هو سبب كل كوارث ومصائب الصحة فى مصر، وهم، فى الحق، ليسوا مخطئين فى ذلك، لكنهم فى الوقت نفسه يتغافلون عن أهم سبب لذلك الأمر، ألا وهو تدهور الإدارة، وتغييب قواعدها وآلياتها ومعاييرها، فى المستشفيات الحكومية، على التخصيص، فمما هو معروف للجميع أن ترقيات مديرى المستشفيات الحكومية والهيئات الطبية التابعة لوزارتَى الصحة والتعليم العالى، إنما تتم بطرق تقليدية، روتينية، قائمة إما على الوساطة والمحسوبية والثقة، وإما على الأقدمية الوظيفية، ففى عموم مستشفيات مصر، كلها، لن تجد مدير مستشفى واحدًا يحمل شهادة متخصصة فى إدارة المستشفيات والمراكز الطبية والصحية، كما لن تجد مدير مستشفى واحدًا خاض دورات أو حاز شهادات فى مجال تخطيط الخدمات الصحية، وأتحدّى أن تجد مديرًا واحدًا فى مصر، كلها، يعرف معنى تحديد الإدارة بالأهداف، وأهميتها كنتيجة توجّه إدارات المؤسسات الصحية، ومعرفة كيفية تطوير خطة التنفيذ، كما أتحدى وزيرة الصحة الدكتورة هالة زايد، أن تأتى لنا بمدير واحد فى أى مستشفى فى مصر يعرف مفاهيم الجودة فى الرعاية الصحية، أو ما يُعرَف باسم «مبادئ 6 سيجما للرعاية الصحية»، أو غير ذلك من مفاهيم الإدارة الطبية والصحية التى غدَت علمًا قائمًا بذاته، ينبغى أن يكون مديرو المستشفيات مسلّحين به، فاهمين إياه حق الفهم، ذلك أن نجاح أية منشأة طبية أو أى مستشفى أو أى مركز صحى إنما يتوقف على جودة إدارته، وتكاملها، ونظامها، حتى لا يحدث ما يحدث الآن فى المستشفيات الحكومية من تدهور، وتدنٍّ صريح فى الخدمة، وليس بأدل على ذلك من حالة مستشفى «ديرب نجم المركزى»، محلّ كارثة الأسبوع الماضى، فمديره السابق لا يحمل سوى بكالوريوس الطب والجراحة ودبلومة فى الجراحة، ومثله تمامًا مديره الحالى الموقوف عن العمل، ومن قبلهما جميع المديرين الذين سبقوهما فى إدارة هذا المستشفى، فلا يحمل أى منهم شهادات علمية تؤهلهم لإدارة المستشفى، بل لإدارة أية منشأة أو مركز صحى!
 

تؤكد المراجع العلمية أن مصطلح إدارة المستشفيات يشير إلى ذلك المنصب الوظيفى الذى يقوم على عمليات التخطيط والتنسيق والمراقبة فى المستشفيات أو العيادات، وعادةً ما يقوم مدير المستشفى بالأعمال المتعلّقة بمجال تخصّصه الإدارى هذا ابتداءً من موازنة الميزانيّات وحتى جدولة عمل الموظفين، بالإضافة لتطلّب هذه الوظيفة إلى تشغيل المرافق الطبية بكفاءة وفاعلية، مع الحرص على اتباع القوانين المنصوص عليها فى لوائح الرعاية الصحية، مع ضرورة إيلاء الاهتمام لتوفير خدمات ذات سُمعة طيبة للمجتمع، فهل يوجَد بين مديرى المستشفيات الحكومية، بل المستشفيات الخاصة والدولية نفسها، مَن لديه إلمام بتلك الأمور؟! بالطبع لا، وإذا كان ثمة مَن يحمل شهادة فى الإدارة الطبية، وتخصص إدارة المستشفيات، فهو من قبيل الحالات الاستثنائية التى لا يُقاس عليها، فجميعنا يعرف أن الترقيات تتم وَفق الأقدمية التنفيذية فقط، وليس على أساس الكفاءة أو الشهادات العلمية المختلفة، أو على أساس التزلُّف والتودُّد إلى مَن بأيديهم أعمال الترقيات، مما يجعل أعمال الإدارة تتم بشكل عشوائى، مما يؤدى إلى فشل الإدارة فى وقت قياسى، فالإدارة، فى المقام الأول، علم وفن وقيادة، وهو ما يجعلنا نتساءل عن ماهية آليات ومعايير ترقيات مديرى المستشفيات الحكومية؟! كما يجعلنا نتساءل تساؤلًا أهم، وهو: هل تؤمن الحكومة فعلًا بأن تطوير الإدارة والاهتمام بها هما طريق نهضة مصر؟!
 

إن الإدارة الحديثة، وتطبيق معاييرها ونُظمها، لهو السبيل الوحيد إلى نهضة مصر، ولقد تغافل كثيرون فى خضمّ كوارث الصحة المتتالية فى مصر، عن تضعضع الأساليب الإدارية فى مستشفيات مصر، وجهل مديرى تلك المستشفيات، جميعهم، بأبسط قواعد الإدارة، فليس كل طبيب يصلح أن يكون مدير مستشفى أو مركز طبى، لأن الإدارة علمٌ قائم بذاته، له أصول وقواعد ومعايير ومنهجية، ومما يؤسَف عليه أن أظهر أسلوب فى الإدارة فى مصر، الآن، هو أسلوب وطريقة الإدارة عن طريق «الشلّة»، وهم طائفة تكون مقرّبة إلى المدير يساعدونه على أداء مهامه وإنجاز أعمال الإدارة، ليس بسبب كفاءتهم أو صحوة ضمائرهم، وإنما لأنهم من خاصّة المدير وأهل طاعته ونفاقه، ولعل ما حدث فى مستشفى ديرب نجم يحمل قدرًا كبيرًا من هذا الأمر، فالمدير السابق للمستشفى له «شلّة» داخل المستشفى لمّا تزل تدافع عنه، والمدير الحالى الموقوف بعد كارثة الأسبوع الماضى له كذلك «شلّة» تدافع هى الأخرى عنه، حتى إنهم ليتهمون المدير السابق وبطانته بتدبير تلك الكارثة، انتقامًا من المدير الجديد الذى عيّنه وكيل وزارة الصحة بالشرقية دون أن نعرف معايير وآليات ذلك التعيين، الأمر الذى يثبت أن الإدارة بـ«الشلّة» هى أظهر أساليب وألوان الإدارة فى مصر كلها!
 

قصارى القول، لا نهضة مرجوّة فى قطاع الصحة والطب فى مصر، دون الاهتمام بالإدارة الحديثة، وتعميم نماذج تخصصات الإدارة الطبية وإدارة المراكز الصحية، والامتناع عن تطبيق نظام الترقية بالأقدمية، وكذا الامتناع عن النمط التقليدى فى الإدارة، فمن الممكن أن يتولَّى إدارة المستشفى مَن هو ليس طبيبًا، لأن الإدارة علم ينبغى تعميمه وتطويره ووضعه كنموذج يُحتذَى به، فالعمل الإدارى هو سلسلةٌ من المهام والوظائف الإدارية التى يمارسها القائمون على الأعمال فى القطاعات المختلفة، وقد بات معروفًا أن من أهم معوقات الإدارة فى مصر هو ضعف الخبرة المطلوبة لتطبيق إجراءات التوظيف حسب المعايير التى يتمّ العمل بها عالميًّا، والتى تُساعد على انتقاء أفضل العناصر لشغل وظائف الإدارة فى ضوء معايير وآليات تخدم تطور العمل الإدارى وتحقق أهدافه المبتغاة.
 

فهل تستطيع الحكومة تحقيق ذلك فى أقرب وقت، حتى ننقذ ما يمكن إنقاذه؟!



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...