محمد صلاح مصرى لكنه ليس لاعبًا مصريًّا!

محمود صلاح



محمد صلاح مصرى لكنه ليس لاعبًا مصريًّا!



هل يعنى وصول محمد صلاح إلى المنافسة على لقب أحسن لاعب فى العالم أن مصر هى التى قد وصلت ونجحت؟ الإجابة لا.. بل يعنى أن شابًّا مصريًّا مكافحًا وشريفًا وموهوبًا ومثابرًا قد وصل ونجح.

 

نجاح مصرى لا يعنى نجاح مصر بل ربما يعنى العكس.

 

ليه؟

 

لأن محمد صلاح ليس ابنًا لمنظومة كروية رياضية أو إدارية علمية اكتشفته ورعته وعاونته وأخرجت العبقرية الكامنة فيه وعلَّمته قيم النجاح وقدمته للعالم وساندته فى مشواره ومسيرته، المؤكد أن مصر الدولة منذ انضمام محمد صلاح لنادى المقاولين العرب لم تفعل لمحمد صلاح أى شىء إطلاقًا ليصبح محمد صلاح.
 

لا علمته فى هيئات ومدارس رياضية «نعرف أن صلاح لم يكمل تعليمه حتى الآن»، ولا كان عنصرًا فى أى من مشروعات المؤسسات الرياضية الحكومية مثلًا، ولم يكن بطلًا فى دورات المدارس أو المحافظات فالتقطته الأعين الخبيرة والأيدى المسؤولة فقدمته وكبَّرته، ولا أى حاجة من هذه أصلًا!
 

محمد صلاح ظاهرة فردية محضة أنتجتها إرادته الصلبة ومثابرته وعزيمته قبل موهبته، لهذا نجح وصعد ولمع وصار هذا اللاعب الفذ الذى نباهى به الجميع وكأننا مَن صنعناه، بينما فى الحقيقة نحن نبذل مجهودًا خرافيًّا كى نعرقله.
 

نعم، نعوق نجاحه ونعرقل مسيرته، مجهود يصدر عن حب يصل إلى حد الهوس بمحمد صلاح، حب الغريق المتعلق فى قشاية، حب اليائس الذى يتنشق على لحظة أمل، حب الأجيال التى تؤمن حد العقيدة بأنه مفيش فايدة فتشعلقت فى واحد يثبت أنه فيه فايدة، لهذا نغمره بعواطفنا، سواء حين يفوز أو يحرز أهدافًا أو يحوز لقبًا ونمدحه حتى الثمالة، وحين لا يلمع فى مباراة أو يهتز أداؤه أو لا يحرز هدفًا فنثير غبارًا من السخافة عليه، ونتساءل عن اهتزاز مستواه، ونبكى على تراجع مكانته ونولول بنظرية المؤامرة حيث فجأة يصبح مانيه، وهو واحد من أعظم لاعبى العالم وصاحب التمريرات السحرية المسؤولة تقريبًا عن نصف أهداف صلاح لناديه الموسم الماضى، أنانيًّا ويحارب صلاح لمجرد مشهد فى مباراة! كما حوّلنا لقطة عنيفة بين صلاح واللاعب الإسبانى راموس فى نهائى أوروبا إلى حرب مروعة فى الحقد والكراهية والتنديد والتهديد بالقتل وإقامة الدعاوى القضائية والدولية وإفساد للروح الرياضية والفخر بالتعصب الأحمق فى فضيحة تعرية تخلُّفنا العربى الذى لم يجد مشكلة فى اندلاع حرب أربعين عامًا من أجل مقتل ناقة كما حرب البسوس!
 

لقد نجح صلاح لأنه لم يعِش حياته فى الغرب كمصرى وإلا كان راح فى داهية تشبه الداهية التى راح لها زملاء سابقون لا يقلّون عنه موهبةً ولمعوا حتى فى الدورى الإنجليزى، بل وتنافسوا على لقب الهداف كذلك، لكنهم كانوا هناك أشبه بالحرَفى المصرى حين تمتلئ جيوبه بالنقود فيترك عمله ولا يحترم مواعيده ويشتم زوجته التى تطالبه بالذهاب للعمل بدل قعدة القهوة!
 

لقد نجح صلاح لأنه لم يكن لاعبًا مصريًّا فى بازل أو تشيلسى أو روما أو ليفربول، بل كان لاعبًا غربيًّا بمقاييس الغرب، يلتزم بالمواعيد ويسمع كلام مدربه ويخلص فى التدريبات ويطور من لياقته البدنية ولا يشبع من النجاح ولا تنهى بضعة ملايين من الدولارات طموحه فى الاستمرار والصعود والتفوق، ولا يستنزف نفسه فى معارك مع إدارة نادٍ، ولا يصادق ولا يزور مكاتب رؤساء أندية ولا يشارك فى دورات رمضانية أو ترفيهية ينظمها رجل أعمال أو يلاعب فيها أبناء مسؤولين مصريين وعرب، ولا يتلقى «مع لاعبين ومسؤولين رياضيين» أظرُفًا منتفخة بالفلوس أو ساعات هدية من زائر عربى أو علبة قطيفة محشوة فى أثناء زيارة لبلد عربى، ولا يتحدث فى مداخلة تليفونية مع كابتن شوبير أو كابتن مدحت الساعة الثانية صباحًا!
 

نجح محمد صلاح لأنه مصرى لا يعيش على الطريقة المصرية!



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...