هل كفر عمار بن ياسر حين نطق لسانه بالكفر؟

حاتم صادق



  هل كفر عمار بن ياسر حين نطق لسانه بالكفر؟



تحكى كتب التاريخ والطبقات أن والد عمار بن ياسر قد خرج من بلده اليمن يريد أخا له، يبحث عنه، وفى مكة طاب له المقام فحالف أبا حذيفة بن المغيرة، وزوجه أبو حذيفة إحدى إمائه «سمية بنت خياط» ورزقا بابنهما «عمار»، وكان إسلامهم مبكرًا.


وكما هو معروف من التاريخ بالضرورة فالسابقون والمبكرون الأوائل فى الإسلام – ومنهم آل ياسر- قد أخذوا نصيبهم الأوفى من اضطهاد قريش وعذابها، وكان أمر تعذيبهم موكول إلى بنى مخزوم، يخرجون بهم جميعا ياسر وسمية وعمار كل يوم غالى رمضاء مكة الملتهبة ويصبون عليهم من جحيم العذاب، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يخرج كل يوم إلى أسرة ياسر مُحييا صمودها وقلبه الكبير يذوب رحمة وحنانا لمشهدهم، وذات يوم ناداه عمار: «يا رسول الله، لقد بلغ منا العذاب كل مبلغ».


فأجابه النبى «صلى الله عليه وسلم» بكلماته المواسية المعزية: «صبرًا أبا اليَقْظان، صبرًا آل ياسر فإن موعـدكم الجنة».


ولقد وصف أصحاب عمار العذاب الذى نزل به.


فيقول عمرو بن ميمون: «أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، فكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يمر به، ويُمر يده على رأسه ويقول: يا نار كونى بردا وسلاما على عمار كما كنت بردا وسلاما على إبراهيم».


ويقول عمرو بن الحكم: «كان عمار يعذب حتى لا يدرى ما يقول».


وحدث ذات مرة أن عرض عليهم الكفار النطق بكلمة مقابل العفو عنهم، فماذا حدث؟ لم يستجب ياسر ولا زوجته سمية لهذا الضغط المعنوى ولا التعذيب البدنى البالغ القسوة والفظاظة، وأصرا على الإيمان حتى نالا الشهادة فى سبيل الله، ولم يأخذا برخصة التقية.


أم ولدهما عمار فكان أول من أخذ بها، حينما لم يستطع مواصلة تحمل آلام العذاب والتعذيب.


وقد بلغ رسول الله «صلى الله عليه وسلم» أن عمار بن ياسر كفر، فأنكر صلى الله عليه وسلم هذا، وقال: «إن إيمان عمار من مفرق رأسه إلى قدمه» و«إن الإيمان فى عمار قد اختلط بلحمه ودمه».


فلما جاء عمار أقبل على رسول الله وهو يبكى، ثم قص عليه ما تعرض له من أذى المشركين، وقال: «والله يا رسول الله ما خلّصنى من أيديهم إلا أنِّى تناولتك وذكرت آلهتهم بخير».


فما كان من النبى الكريم إلا أن مسح دموع عمار بيده الشريفة الحانية وقال له: فكيف تجد قلبك؟ قال عمار: مطمئن بالإيمان، فقال له النبى: «فإن عادوا فعد».. أى قل لهم مثل ما قلت.


ولعل هذا يتفق مع أخرجه الترمذى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغى للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق».


وفى تلك القصة وفى عمار بن ياسر انزل رب العزة:
«من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم».


وهنا ملاحظة فى غاية الأهمية وهى فى قوله تعالى «مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ».


ثم سكت عنه القرآن الكريم ولم يأت بالخبر، ليدلنا على أنه لا شىء عليه، ولا بأس أن يأخذ المؤمن بالتقية، وهى رخصة تقى الإنسان موارد الهلاك فى مثل هذه الأحوال.


وفى تاريخ الإسلام نماذج متعددة أخذت بهذه الرخصة، ونطقت كلمة الكفر وهى مطمئنة بالإيمان.. وفى الحديث الشريف: «رفع عن أمتى: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه».


وعندما رفض بعض الصحابة موقف عمار واعتبروه ضعفًا وتخاذلًا، ومنهم من اعتبره وقوعًا فى الكفر، وقارنوا بين موقفه هذا وموقف بلال بن رباح الذى واجه أشد صنوف العذاب ولم يزد فى مواجهته إلا أن قال: أحد أحد.


وتوجهوا للنبى «صلى الله عليه وسلم» متسائلين: فما بال بلال؟ فقال: «عمار استعمل رخصة، وبلال صدع بالحق».


والمسألة لم تكن فى حاجة إلى أى سؤال أو تساؤل، فكلا الصحابيان بلال وعمار كان يجسد منزلة وموقفًا فى مواجهة الباطل وأهله، وإن كان الجهر بالحق والصبر على البلاء أعلى منزلة، وأسمى درجة من الأخذ بالرخصة؛ لأن الأول آمن بقلبه ولسانه، والآخر آمن بقلبه فقط ونطق لسانه الكفر.


وقد تحدث العلماء عن الإكراه فى قوله تعالى: «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ».. وأوضحوا وجوه الإكراه وحكم كل منها، على النحو التالى:
إذا أكره الإنسان على أمر ذاتى فيه، كأن قيل له: اشرب الخمر وإلا قتلتك أو عذبتك قالوا: يجب عليه فى هذه الحالة أن يشربها وينجو بنفسه؛ لأنه أمر يتعلق به، ومن الناس من يعصون الله بشربها فى الحياة العادية.


أما إن قيل له: اكفر بالله وإلا قتلتك أو عذبتك، قالوا: هو مخير بين أن يأخذ بالتقية هنا، ويستخدم الرخصة التى شرعها الله له، أو يصدع بالحق ويصمد.


أما إذا تعلق الإكراه بحق من حقوق الغير، كأن يقال له: اقتل فلانا وإلا قتلتك، ففى هذه الحالة لا يجوز له قتله؛ لأنه لو قتله لقتل قصاصا، فما الفائدة إذن؟ ومن ثم أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ويصبر على البلاء الذى نزل به ولا يحل له أن يفدى نفسه بغيره ويسأل الله العافية فى الدنيا والآخرة.


واختلفوا فى الزنى فقال بعضهم: لا يفعل أحد ذلك وإن قتل لم يفعله فإن فعله فهو آثم ويلزمه الحد.. وبه قال أبو ثور والحسن.. وقال آخرون: لا حد عليه.. قال ابن العربى الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنى ولا حد عليه خلافًا لمن ألزمه ذلك؛ لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور الإكراه عليها وغفل عن السبب فى باعث الشهوة وهو الإلجاء إلى ذلك وهو الذى أسقط حكمه وإنما يجب الحد على شهوة بعث عليها سبب اختيارى.


وقال أبو حنيفة، إن أكرهه غير السلطان حد وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يحد ولكن استحسن ألا يحد وخالفه صاحباه فقالا لا حد عليه فى الوجهين، وقال ابن المنذر لا حد عليه ولا فرق بين السلطان فى ذلك وغير السلطان.


وما يهمنا فى قصتنا هذه وبعيدًا عن اختلاف العلماء والفقهاء، أن الأحداث والشواهد التاريخية فيما بعد أكدت عدم بعد النبى «صلى الله عليه وسلم» عن عمار بل كان يقربه ويكرمه، بل ونبأ المسلمون من حوله أن يكون استشهاده فرقانًا بين أهل الحق وأهل البغى، ففى أثناء بناء مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم- تقدم النبى «صلى الله عليه وسلم» بمودة وحنان إلى عمار، واقترب منه ونفض بيده الغُبار الذى كسـا رأسه، وتأمل وجه عمار الممتلئ طيبة وصفاء ووداعة، ثم قال على ملأ من أصحابه: «ويح ابن سمية، تقتله الفئة الباغية».


وتتكرر النبوءة حين يسقط الجدار على رأس عمار فيظن بعض إخوانه أنه مات، فيذهب إلى الرسول ينعاه، فيقول الرسول -صلى الله عليه سلم- بطمأنينة وثقة: «ما مات عمار، تقتل عمارا الفئة الباغية».


وتمر الأيام والأعوام، ويقع المحذور وتنشب الحرب بين جيش على وجيش معاوية فى صفين، وكان عمار بن ياسر، قد جاوز الرابعة والتسعين عامًا، وكان يحارب بحماس، يحرض الناس، ويستنهض الهمم، ولكن دون أن يفقد صوابه العقلى، واتزانه الموضوعى، فعندما سمع رجلا بجواره يقول: كفر أهل الشام، نهاه عمار عن ذلك وقال: إنما بغوا علينا، فنحن نقاتلهم لبغيهم، فإلهنا واحد، ونبينا واحد، وقبلتنا واحدة.


وكان حديث « تقتل عمارا الفئة الباغية» مشهورا ومتداولا بين المسلمين، وكان عمرو بن العاص يرويه قبل صفين ويكرره، فطالبه ذو الكلاع أحد قادة جيش معاوية فى صفين قائلاً: هذا عمار مع على!! فأجابه بأنه سوف يترك عليًّا ويكون معنا.


وعند اللحظة الفارقة فى المعركة بين الحق والبغى استشهد الصحابى الجليل عمار بن ياسر.. وبمقتله على يد رجال جيش معاوية، كان ينبغى على معاوية أن يتوقف على الفور عن مواصلة القتال وأن يعترف بأنه أخطأ، ولكنه للأسف تهرب من الحقيقة، وكما فعل بشأن مقتل عثمان كرر نفس الشىء هنا وحاول نسبة قتل عمار إلى جيش على!! ففى مسند أحمد: «فقام عمرو بن العاص فزعًا يرجع حتى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ قال: قتل عمار! فقال معاوية: قد قتل عمار فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله يقول: تقتله الفئة الباغية! فقال له معاوية: دحضت فى بولك أَوَنَحْنُ قتلناه؟ إنما قتله علىّ وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا.. أو قال بين سيوفنا».


وقال المناوى فى فيض القدير «قال القرطبى: وهذا الحديث من أثبت الأحاديث وأصحها، ولما لم يقدر معاوية على إنكاره قال إنما قتله من أخرجه! فأجابه بأن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» إذن قتل حمزة حين أخرجه؟! وكان هذا من على رد مسكت وإلزام مفحم لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض عليها.


وقد قال الإمام عبد القاهر الجرجانى فى كتاب الإمامة: «أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقى الحديث والرأى، منهم مالك والشافعى وأبو حنيفة والأوزاعى والجمهور الأعظم من المتكلمين والمسلمين، أن عليًّا مصيب فى قتاله لأهل صفين كما هو مصيب فى أهل الجمل، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له، لكن لا يكفرون ببغيهم».


رحم الله عمار الذى تبين باستشهاده طائفة الحق من طائفة البغى، والذى جاء الأثر فى حقه: «اشتاقت الجنة إلى ثلاثة: على وعمار وسلمان».



أقرأ أيضا

فن

غاب القمر

في مسلسل "لعبة العروش" الشهير بأجزائه المتعددة، ستجد استلهامًا دراميًّا للتراث الأدبي العالمي كله، ستجد مسرحيات شكسبير و"ألف ليلة وليلة"، وستجد عديدًا من القصص التي تم اقتباسها دون تردد أو أدنى إشارة.
البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...