لماذا تعددت الثورات فى الدولة العثمانية؟

حور سامح



 لماذا تعددت الثورات فى الدولة العثمانية؟



إن الدولة العثمانية فى التقدير السليم بدأت سلطنة واستمرت سلطنة وانتهت وهى سلطنة، فهى لم تكن خلافة قط، ولم تكن إسلامية إلا ادعاء، ولم تركن إلى الخلافة إلا فى فرض سلطانها على رعاياها باسم الدين، وقهر خصومها باسم الدين، وفرض السلطة والولاية على رعاياها باسم الدين.


والدليل الواضح على أن الدولة العثمانية لم تُعمل مبادئ الدين الإسلامى، أن السلطان سليمان رَسَم بإبطال قضاة المذاهب الأربعة من التصرف فى القضاء بالديار المصرية، وسلم جميع الأحكام لقاضٍ واحد من قضاة الروم، ومنذ ذلك الوقت زالت ولاية الأحكام الشرعية عن قضاة مصر.


كان القانون فى الدولة العثمانية إرادة كل سلطان، وكانوا يصبغونها بإرادة الله أو إرادة الأمة؛ وذلك لحماية السلطنة وفرض القيود على رعايا الدولة باسم الدين.

 
كان إكراه الخليفة على التنازل هو الوسيلة التى تنتقل بها الخلافة فعلا، لذلك لم تكن خلافة إسلامية قط، يؤيد ذلك أن الحكام العثمانيين لم يتلقبوا بلقب الخلافة قط، وإنما ظلوا يلقبون بالسلاطين حتى سقطت دولتهم.  


والسلطان سليم تآمر على والده السلطان بايزيد حتى اضطره إلى خلع نفسه وتولى هو السلطنة، وعندما استولى على مصر قبض على الخليفة المتوكل ليحمله معه إلى القسطنطينية، وقبل أن يخرج من مصر نزع منه الخلافة قهرا، ولبس شعارها فى احتفال كبير.

تفككت روابط الأسرة السلطانية بسبب كثرة النساء، حتى أصبحت عادة قتل السلطان إخوانه أو أولاده، يوم يتولى العرش، أمرًا معروفًا ومألوفًا، وكأنه يضحى بخراف احتفاءً بهذا اليوم من غير أن يشعر بوخز ضمير أو لسعة ألم.


قانون «قتل الإخوة»
أما العادة السيئة الأليمة، وهى عادة قتل السلاطين لأبنائهم وإخوانهم، المنافية للإنسانية، وإن وجدت لها مبررات واهية فقد أودت بأرواح الأطفال والأبرياء بلا ذنب، سوى خوف المنازعة فى الملك فى ما بعد، فتمثل هذا الإجراء العرفى الذى اختطه بايزيد الأول، وتحول على يد محمد الفاتح إلى قانون ثابت، ومفاد هذا القانون «الإجازة للسلطان المتولى للعرش أن يقدم على تصفية الأمراء المنافسين وذلك بالاتفاق مع هيئة العلماء.. وهذه سياسة قوامها تغليب المصلحة السياسية العليا للدولة المتمثلة فى حفظ وحدة كيانها السياسى وتوفر المناخ المناسب لا تجاه تفكيك كيان الدولة عند انتقال السلطة من الأب إلى الأبناء».


وبعد قرن من الزمان جرى استبداله بقانون آخر قضى بالتخلى عن سياسة التصفية الجسدية والاكتفاء بسياسة سجن جميع الأمراء، وأبناء السلطان الحاكم فى مقاصير خاصة، ومنعهم من كل اتصال بالعالم الخارجى.


وبعد ذلك تعرض هذا القانون للتعديل، حيث أوجب قانون جديد: إلزامية انتقال العرش حين خلوه إلى أكبر الأحياء من الذكور من الأسرة العثمانية.

لقد ترتب على تنفيذ هذا القانون وخلال قرن اعتلاء الإخوة والأعمام وأولاد العم منصب السلطان وهم غالبيتهم سجناء الأقفاص، وبالتالى فقد تبوأ مركز السلطان أفراد يفتقدون أبسط شروط هذا المركز.


ولذا فقد كان أفراد الأسرة السلطانية يعيشون فى خوف مستمر، ويتربص بعضهم بالبعض الآخر الدوائر، ولا يبالون بأن يشقوا عصا الطاعة فى وجه السلطان سواء أكان أخًا أم أبًا أم ابنًا، وذلك ليس حبا فى السيطرة فقط، بل لإنقاذ أعناقهم أحيانًا من الغدر.

وكان من وجهة نظرهم قتل الأطفال والإخوة والأعمام هو حماية للدولة، لذلك كان الصراع فى الدولة العثمانية على أشده وكان صراعًا على الملك ليس أكثر، ولم يكن لحماية الدولة لأن الدولة العثمانية كانت متفككة، هذا إلى جانب أن الدولة العثمانية لم تهتم بشؤون الدولة وأهملت شؤون الرعية، كما أن العثمانيين كانوا يكتفون من البلاد المفتوحة بالخراج، ويتركون السكان على وضعهم القائم، مما أدى إلى تعدد الثورات والخروج عليهم، وانشغال الدولة بإخماد الثورات المتتالية، ولم تكن السلطنة تلجأ إلى فكرة الخلافة إلا إذا هددتها ثورة أو حركة داخلية؛ لتستخدم الدين فى ضرب الثوار أو المتمردين، لذلك لم يكن الدين سوى أداة للسيطرة على الرعية وإخماد الثورات المتتالية.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...