لو عاش سلفى أيام أمير المؤمنين عمر

عصام الزهيري



 لو عاش سلفى أيام أمير المؤمنين عمر



استرخِ الآن على كرسى فوتيه عريض، وتخيل نفسك سلفيا أصوليا متأسلمًا يعيش فى عصر الخليفة الثانى عمر بن الخطاب، ثم حدثنى عن مشاعرك وخبراتك وحكمك على هذا العصر الذى يزعم المخادعون لأنفسهم والمنافقون للناس اليوم أنه من عصور الإسلام الذهبية.


وبدايةً، لك الحق فى أن تسأل ولو مستنكرًا: وهل كان هناك متأسلمون وسلفيون فى عصر الفاروق؟ والإجابة هى نعم مؤكدة، فالسلفية نزوع نفسى داخلى للهروب إلى الماضى عبر تخيل وجود عصر ذهبى، سلف ومضى وانقضى، ويتحتم العودة إليه، هذا النزوع كان موجودا عند البشر فى كل العصور والثقافات والأزمنة، عرفته وعانت منه كل الأديان، بل وكل الأنبياء، ولا تفاجأ إذا أكدت لك أنه كان موجودا فى عصر النبى نفسه.

وهؤلاء السلفيون المتأسلمون من عصر النبى، كان النبى نفسه متنبهًا لخطورة مرضهم الداهم، وكان حريصا وحاسما فى التحذير من انتشاره، وكان دائم توجيه الخطاب إليهم فى أكثر من مناسبة وفى أكثر من صيغة، وهذه نماذج منها:
«الدين يسر ولن يشاد الدين أحدًا إلا غلبه»- البخارى. «إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره»- مسند أحمد. «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تُبَغِّض إلى نفسك عبادة الله، فإن المُنْبَتَّ لا سفرا قطع، ولا ظهرا أبقى»- البيهقى. «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»- مسلم.


ولنعد إلى السلفى الذى يعيش فى عصر أمير المؤمنين «عمر». ولنبدأ فى تقمص حالته الذهنية، يجب أن نقترب من اعتقاد السلفيين الراسخ بأنهم يملكون كهفا سحريا يحتوى على حقيقة كل شىء، وأن فى حوزتهم كنز الحقيقة المطلقة الذى يستنبطون منه الحكم الشرعى على كل شىء، هذا الكهف والكنز هو نصوص المدونة الفقهية التى يرثها السلفى كابرًا عن كابر، والتى أخذت تتضخم عصرًا بعد عصر، والتى تشتمل فى رأيه على فتاوى تبيح وتحرم، وتمنع وتمنح، وتقر وتبطل، ولا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وتقطع فيها برأى، فإذا وصلنا إلى تقمص هذه القناعة الخرافية غير المنطقية، يمكننا أن نذهب معًا لنختبر أثر نماذج مهمة من القرارات الشهيرة التى امتلأت بها سيرة الفاروق عمر، لنحاول قياسها على مازورة المعتقد السلفى الذى يجزم بأن رأيه ليس محض اجتهاد دينى، بل إنه الإسلام نفسه.


ولنبدأ من إنجاز شهير ومعروف فى عصر «عمر» هو تأسيس التقويم الهجرى. وحكاية التقويم الهجرى كما تذكرها كتب التاريخ، هى أن عُمر كتب إلى عامله بالبصرة، وكان أبا موسى الأشعرى، وذكر فى كتابه شهر شعبان، فرد عليه أبو موسى، بأنه لم يدرِ إن كان المقصود هو الشهر الذى نحن فيه أم الماضى؟ لأن الكتاب غير مؤرخ.

عندئذ جمع عُمر الصحابة، فأشار عليه «على بن أبى طالب» بجعل يوم هجرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة بداية لتقويم جديد يؤرخ به.


عليك الآن أن تحاول استنباط وقع أمر مثل هذا على عقل سلفى يعيش تلك الأيام القديمة. وليسهل الوصول لتصور الذهنية السلفية الأصولية عن أصل هذه المسألة، سأسرد عليك بعض النصوص الهامة المتعلقة بالموضوع والمنسوبة للنبى:


«بعثت أنا والساعة كهاتين.. يعنى كإصبعين»- البخارى. «كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى»- مسلم.

«إنه لم يبقَ من الدنيا فى ما مضى منها إلا كما بقى من يومكم هذا»- الترمذى.

«إنما بقاؤكم فى ما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس»- البخارى. «أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء.. وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها»- مسلم.


أكيد لم يخف عليك أنه بناءً على طبيعة هذه النصوص التى يؤمن السلفى إيمانا قاطعا بحرفيتها، ويأخذ بمعناها الظاهر، ويكفّر بحماقة من يسميهم أصحاب الباطن أو كل من يميل إلى تأويل النصوص على وجوهها، فلا بد أن تأسيس تقويم هجرى جديد سوف يبدو كما لو كان فعلا نابعًا من الغفلة عن قيام الساعة، وعن السرعة التى «يجب» أن تقوم بها، وعليه سيكون عُمر، ومعه من استشارهم من الصحابة، من منظور هذه النصوص، كأنهم ممن وقعوا فى الغفلة والإثم، ولا أظن أنه كان ممكنا أن يقوم بتكفيرهم لذلك، وإلا لأقاموا عليه هو نفسه حد القذف.


ولننتقل إلى إنجاز آخر مهم تاريخيا لخليفة المسلمين الثانى، وهو إنشاء سجن فى مكة. كان «عمر» أول من أقام مبنى مستقلا مخصصا لاحتجاز المذنبين فى مدينة مكة، وهو أول من أطلق عليه كذلك لفظ السجن، ولم يكن قبل زمنه معروفا فى الجزيرة العربية بأكملها.

هنا لا بد أن يبدو عُمر وقد وقع -فى نظر السلفى- فى مخالفة شرعية خطيرة، فالسجن ليس عقوبة منصوصا عليها فى القرآن الكريم، كما لم يسبق للنبى أن أمر ببنائه. ولا بد أن تضع فى اعتبارك كذلك أن ابن تيمية، وهو الصنم المقدس عند السلفيين، يقول فى مجموع فتاواه: «فإن الحبس الشرعى ليس هو السجن فى مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواءً كان فى بيت أو مسجد، أو كان بتوكيل نفس الخصم أو وكيل الخصم عليه؛ ولهذا سماه النبى، صلى الله عليه وسلم، أسيرًا، كما روى أبو داوود وابن ماجه عن «الهرماس بن حبيب عن أبيه، قال: أتيت النبى، صلى الله عليه وسلم، بغريم لى، فقال لى: الزمه، ثم قال: يا أخا بنى تميم، ما تريد أن تفعل بأسيرك»، وفى رواية ابن ماجه: «ثم مر بى آخر النهار، فقال: ما فعل أسيرك يا أخا بنى تميم؟»، وهذا هو الحبس على عهد النبى، صلى الله عليه وسلم.


ثم لننظر الآن فى أمر عدد آخر من إنجازات الخليفة الثانى، يمكننا جمعها تحت مسمى واحد هو «الدواوين»، والتى تعنى بلغة عصرنا الوزارات، والمعروف شرعا وتاريخا وقطعا أن النبى لم ينشئ دواوين ولا وزارات، ولا أمر، صلى الله عليه وسلم، بإنشائها قبل أن يتوفى، فانظر، أيها السلفى التقى، إذن، لما فعله «عمر» رضى الله عنه:
أسس ديوانا للقضاء بعد أن كان الفصل بين الرعية منوطا بالحاكم وجعل الحاكم متفرغا لشؤون الحكم، الذى لم يعد هو الحكم المقصود فى القرآن الكريم بمعنى القضاء، بل أصبح يعنى شؤون السياسة. كما أسس عمر بن الخطاب جماعة العسس التى يمكن أن تعد نواة لجهاز الشرطة بمعناه العصرى.

وأصدر قرارًا بأن من يقوم باستصلاح أرض للزراعة تصير ملكا له، بينما أصدر قرارا آخر بمنع تملك الجنود الفاتحين للأراضى الزراعية فى البلاد المفتوحة، أى «الفىء»، بينما لا بد أن يبدو فى نظر السلفى مخالفة شرعية صريحة لنصوص القرآن ولأوامر النبى وما جرت عليه السنة النبوية من تقسيم أراضى خيبر وغيرها.

وطبعًا معروف أن عُمر أصدر قرارًا بتعطيل حد السرقة فى عام المجاعة، وقرارًا آخر بوقف توزيع سهم المؤلفة قلوبهم لعدم الحاجة لذلك، وهو ما فعله النبى من قبل ونص عليه القرآن الكريم أيضا.


لكن وبشكل عام لنعد الآن إلى النصوص السلفية لنستفتيها فى سائر هذه التجديدات التى ابتدعها عُمر جملة واحدة، ليمكننا بعدها الحكم برأى سلفى قاطع عليها، وإليك طائفة من هذه النصوص:
«شر الأمور مستحدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار»- مسلم.

«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.. يعنى مرتد»- مسلم. «من ابتدع فى الإسلام بدعةً يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا، صلى الله عليه وسلم، خان الرسالة؛ لأن الله يقول (اليوم أكملت لكم دينكم) -المائدة/3- فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا»- الإمام مالك.

«احذر صغار المحدثات، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارًا، وكذلك كل بدعة أحدثت فى الأمة كان أولها صغيرا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع المخرج منها فعظمت، وصارت دينًا يُدان به فخالف الصراط المستقيم»- البربهارى.

«من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه»- الفضيل بن عياض.


أما لو خايلك ظنك بإيراد حديث آخر مشهور هو: «من سَنّ سُنة حسنة فى الإسلام فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، فلا بد أن تعرف أن تفسير السلفيين لهذا الحديث، كما جاء عند رموزهم المشهورين ومن بينهم «ابن باز» الذى يقول: «معناه إحياء السُّنن النبوية، وإظهارها، والدعوة إليها»، هذا معنى «سن فى الإسلام»، أظهر السنة، ودعا إليها، وعظمها، حتى عرفها الناس، وحتى عملوا بها، فيكون له مثل أجورهم، ليس معناها ابتدع بدعة.


رأيى -من الآخر- أن السلفى لو عاش على أيام سيدنا عُمر، الفاروق وأمير المؤمنين وخليفة المسلمين الثانى، لكان -والعياذ بالله، وعلى الأقل- قد كفّره!



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...