قصص بناتية بطعم الشجن

جمال فتحي



 قصص بناتية بطعم الشجن



«رقصة مؤجلة» هو عنوان المجموعة القصصية التى صدرت مؤخرًا للصحفية والكاتبة سامية بكرى عن سلسلة حروف التى تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وقد طرحت بكرى القصص داخل المجموعة مقسمة إلى أقسام خمسة يحمل كل قسم عنوانًا مستقلًّا عن عناوين القصص ذاتها.


انشغلت سامية بكرى بطول قصص المجموعة بالتعبير عن هم بنات جنسها فى مختلف مواقعهن الاجتماعية وحكت نيابة عنهن؛ فحلمت وتألمت وتذكرت وفرحت وبكت بالأصالة عنهن جميعًا، فصوت المرأة عالٍ جدًّا فى أغلب قصص المجموعة كأم وزوجة وحبيبة وصديقة وجارة، بل يمكن القول إن البطولة المطلقة فى القصص كلها للمرأة أما الرجل فظهر حائطًا ألقت عليه الكاتبة ظلال بطلاتها ومرآة عكست همومهن جميعًا، فكان مثلًا «زياد» الزوج المهاجر الذى لم ينشغل سوى بنفسه حتى هاجر فجأة إلى كندا وترك «سهى» التى وهبته وبيته كل شىء، أو العريس المخادع فى قصة «مفتاح كبير ببذلة سوداء» أو الأب فى «ما زال معى يا محمد»، لكن التحيز هنا ليس من باب التحيز للجنس لكون الكاتبة امرأة بل وامرأة مسؤولة وعاملة ترضخ لضغوط البيت والأسرة والمجتمع ولكن هم التعبير عن المرأة هنا يأتى لكونها إنسانًا يقاسى أحيانًا ما لا يستطيع تحمله مثله مثل الرجل تمامًا بل تزيد.


لم تشغل الكاتبة بالها بطرح قضايا عامة من ذلك النوع المثير للجدل أو الاستقطاب لكنها نجحت بعفوية وصدق فى اقتناص تفاصيل إنسانية خاصة جدًّا وحميمة وأوجاع مشتركة بين شخوص تجمعهم علاقات اجتماعية متباينة معظمهن نساء؛ حيث ضغطت بشدة وبذكاء على مناطق مشتركة للهم الإنسانى بين شخوص المجموعة والقارئ، ذلك الهم الذى لا يرتبط بزمان ولا مكان ولا يزول أثره بمرور الوقت.


ولعل أهم ما يميز السرد فى المجموعة هو حالة التدفق والانسيابية فى الحكى بشكل خالٍ من التعقيد والافتعال والتكلف أو «الفذلكة» اللغوية إذا جاز التعبير، بل سيطر التعبير البسيط والمقتصد طوال الوقت حيث اتجهت الكاتبة مباشرة للتعبير عن الهم الإنسانى المختبئ خلف الحكايات وهو الهم الذى شكّل قاسمًا مشتركًا بين جميع القصص وبرز بروزًا جليًّا كمحرك ودافع رئيسى للسرد، بل وصنع حالة عامة من الشجن والدفء شاعت فى أرجاء المجموعة وأكسبتها حميمة زائدة.


ربما تبدو القصص التى تباينت طولًا وقصرًا منفصلة ومستقلة لا سيما إذا أخذنا فى اعتبارنا عناوينها، لكن فى الحقيقة يمكن اعتبار قصص المجموعة قصة واحدة طويلة تحكى الكاتبة تحت كل عنوان لقطة أو مشهد ثم تكمل فى القصة التالية ويتجلى ذلك فى أكثر من وجه، فالبطلة هى المرأة فى كل حالة أو قصة ومعاناتها وبحثها عن ذاتها بأشكال مختلفة مستمر، ودورانها حول الرجل أيًّا كان موقعه واحد.. تارة هو الزوج وتارة الحبيب وتارة فتى الأحلام وتارة رجل الذكرى والماضى.. المشاعر الإنسانية الدفينة والتفاصيل الحميمة والأمنيات المكبوتة والحق المهدر والأحلام الضائعة والذكريات المؤلمة كلها أوجاع حضرت فى المجموعة على ألسنة بطلاتها وفى منولوجاتهن الداخلية لأنفسهن، وستظل تشعر طول الوقت أن البطلة لم تتغير وإن تغير اسمها من قصة لأخرى أو غاب وأنك أمام قصة واحدة، لكنها طويلة أو متتالية قصصية أجواؤها واحدة لغتها منسجمة وإيقاعها النفسى واللغوى واحد يسير فيها السرد نحو محطة البوح الأخيرة بإيقاع منتظم مدفوعًا بالشجن.



أقرأ أيضا

البلد

السعودية وحماية الملاحة البحرية

يطلق علماء النفس على بعض اللحظات المهمة والتاريخية " الوقت القيم "، بمعنى أنه الوقت الذي تعظم فيه الاستفادة من الأحداث الجارية، وبما يخدم التوجهات الاستراتيجية للدول والمؤسسات وحتى للأفراد.
البلد

المستقبل الروسي.. ملامح وتحديات

مرّت روسيا الاتحادية بمراحل صعبة، سياسياً واقتصادياً، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفقدت خلال عقد من الزمن سمتها وهيبتها ومكانتها الدولية، وغرقت داخلياً في مجموعة من المشكلات الاجتماعية والثقافية...
البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة