تعريفة جمركية لزيادة الأعباء أم تخفيفها؟




تعريفة جمركية لزيادة الأعباء أم تخفيفها؟



خلال السنوات الخمس الماضية قامت الحكومة، بناءً على قرار مباشر من الرئيس السيسى، بإجراء تعديلات على التعريفة الجمركية، إذ عدَّلت الحكومة، فى عام 2013، الرسوم على مجموعة كبيرة من السلع، ثم عدلتها للمرة الثانية فى يناير 2016، ليأتى يوم الأربعاء الماضى، الموافق الثانى عشر من سبتمبر، بتعديل ثالث يشمل زيادة الرسوم الجمركية على مئات من السلع المستوردة، من بينها الأغذية وألبان الأطفال والأجهزة الكهربائية والمعدات والآلات، بنسب تصل إلى 60%، ولا مندوحة عن الإشارة إلى أن الحكومة المصرية ملزَمة بإصدار تعريفة جمركية جديدة كل خمس سنوات تنفيذًا لاتفاقاتها التجارية الدولية، حسب عضويتها فى اتفاقية النظام المسبق لتكويد البضائع، لكنها -ويا للعجب!- قامت بإصدار ثلاث تعريفات جمركية مرة واحدة خلال خمس سنوات فقط!

 

وبحسب ما نُشر فى الجريدة الرسمية فقد ارتفعت الرسوم الجمركية على عدد كبير من السلع الغذائية والأجهزة الكهربائية والملابس وأغذية الكلاب والقطط وغيرها من السلع، وفى مقابل ذلك فقد اشتمل القرار على خفض الرسوم الجمركية على بعض السلع الأخرى، إذ تم تخفيض نسبة ضريبة الوارد على المنتج النهائى بنسب متدرجة، تراوحت بين 30% و60%، بحسب نسبة التصنيع المحلى، وتم تخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 35% على السيارات التى تعمل بالغاز الطبيعى؛ بهدف تشجيع استخدام بدائل الوقود بالسيارات، وتخفيض الضريبة الجمركية على السيارات مزدوجة الوقود، أى التى تعمل بالمحركات المزدوجة (كهرباء/ بنزين)، تشجيعًا على المحافظة على البيئة، كما خفضت الحكومة الرسوم على الشركات التى تعمل فى مجال التجميع، خصوصًا فى الصناعات المعقدة؛ بهدف تشجيع الصناعة المحلية.

 

ثم إن القرار نفسه قد اشتمل على تحصيل ضريبة جمركية بواقع 20% من القيمة أو الضريبة الوارد المقررة (أيهما أقل) على ما تستورده المنشآت الفندقية والسياحية من الآلات والمعدات والأجهزة، عدا سيارات الركوب الخاصة، وذلك للأغراض المستخدمة فى الإحلال والتجديد، وهو ما يثير تساؤلًا هاما يتعلق بمدى تأثير عمومية واستثناءات ذلك القرار، سلبًا أو إيجابًا، فى الاقتصاد الوطنى، ولاسيما أن اشتمال هذا القرار على زيادة رسوم التعريفة الجمركية على ما تستورده الفنادق والمنشآت السياحية من شأنه إحداث تأثير سلبى مباشر فى قطاع السياحة فى البلاد؛ بسبب زيادة الأعباء الضريبية على المنشآت السياحية، فى وقت لم يتعافَ فيه القطاع السياحى حتى الآن منذ اندلاع أحداث 25 يناير 2011!
 

من حسنات هذا القرار أن التعريفة الجمركية الجديدة شهدت إعفاء جميع الأدوية الخاصة بالأمراض المستعصية والمزمنة والنفسية والعصبية من الرسوم الجمركية تمامًا، وهو أمر محمود ولابد من الإشادة به نظرًا لتكاليف العلاج الباهظة التى يتحملها المصابون بتلك الأمراض، كما أن من حسنات هذا القرار تخفيض الجمارك على القطن الطبى، وكذا تخفيض جمارك السيارات المستوردة والأجهزة الكهربائية وشاشات التليفزيون والكمبيوتر، فضلًا عن تخفيض جمارك أصناف جديدة مرتبطة بالإنتاج الزراعى، كالمبيدات والمطهرات لمكافحة الحشرات الزراعية.
 

أيضًا فرض القرار زيادة فى رسوم جمارك العصائر المستورَدة بأنواعها المختلفة، لتصل إلى 60% بدلًا من 20%، فضلًا عن رفع رسوم مجموعة كبيرة من الواردات الغذائية، والأجهزة الكهربائية، والملابس، والأرضيات، بنسَب تصل إلى 40% بدلًا من 20% و30%، وزيادة رسوم جمارك أغذية الكلاب والقطط من 30% إلى 40%، وهى زيادات كبيرة للغاية، لكنها تعنى أن مستخدمى تلك السلع بأنواعها المختلفة إنما هم شرائح معينة ومحدودة، تقوم بالاعتماد على استخدام تلك السلع فى نواحٍ ترفيهية، الأمر الذى يعنى أن زيادة تلك الرسوم الجمركية إنما يأتى للصالح العام، بهدف حث المواطنين على الاستغناء عن السلع المستورَدة غير الأساسية، والاتجاه إلى استعمال بدائلها المحلية.
 

ليس ثمة شك فى أن الهدف الرئيسى الذى تسعى إليه الحكومة من خلال فرض تعريفة جمركية جديدة إنما هو زيادة حصيلة الإيرادات العامة للدولة، فالحكومة منذ بضع سنوات تتجه إلى تقليل عجز الموازنة عبر زيادات إيرادات الجمارك والضرائب، ولا أدَل على ذلك من أن موازنة العام المالى الجديد 2018/ 2019 أوضحت أن الحكومة تستهدف زيادة الإيرادات الجمركية بنسبة 25% خلال العام المالى الحالى، لتصبح 45.3 مليار جنيه مقابل 36.4 مليار جنيه كانت هى الحصيلة فى العام الماضى، ثم يأتى الهدف الآخر الذى يتمحور حول حماية الصناعة الوطنية المحلية، وإحداث توازن فى السوق المحلية، وهو أمر هام للغاية، وينبغى أن يكون هو الأهم خلال هذه الفترة أو المرحلة التى تشهد توسعات وتحركات اقتصادية لابد أن يكون التصنيع أحد أركانها.
 

وما من شك فى أن زيادة التعريفة الجمركية على بعض السلع والمنتجات، خصوصًا الاستراتيجية، ستكون لها تأثيرات سلبية تطول المواطن الفقير، فمع زيادة تعريفة الجمارك على بعض السلع الأساسية ستحدث زيادة فى الأسعار فى السوق المحلية عمومًا؛ لأن مصر تستورد أكثر احتياجاتها الأساسية وغير الأساسية من الأسواق العالمية، وهو ما يستلزم دراسة جادة من قبَل اللجنة الفنية المشرفة على التعريفة الجمركية بوزارة المالية، كما يستلزم أن تقوم القيادة السياسية بتشجيع التصنيع المحلى، وفتح الأسواق أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية، للاستغناء، ولو جزئيًّا، عن كثير من السلع المستورَدة من الخارج، ما يعنى أن الخطط الاقتصادية للدولة المصرية لابد أن تكون متساوقة فى ما بينها، وتهدف فى المقام الأول إلى تخفيف الأعباء عن كواهل المواطنين محدودى الدخل قبل أن تهدف إلى زيادة مواردها النقدية.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...