متى تكون الصلاة عماد الدين؟

شعبان ناجى



متى تكون الصلاة عماد الدين؟



إننا نجد أنفسنا دائمًا وأبدًا مدفوعين إلى إلقاء تصريحات واهية واهمة، وإصدار أحكام جزافية غاشمة ما أنزل الله بها من سلطان أو كتاب مبين، ونحن نطلقها بوازع القداسة الزائفة، ولا نعطى لأنفسنا الفرصة لنفكر فى أمر هذه القداسة، وهل هى موجودة بالأساس أم لا.. ومن الأمثلة الكثيرة على هذا الهراء أننا نكرر ونردد بلا سند ذلك الحديث الذى يقول إن الصلاة عماد الدين، كما نكرر أن البخارى أصح كتاب بعد كتاب الله، نتعاطى هذه الأقاويل والأطروحات وأشباهها دون تأمل وتمحيص فى حيثياتها ومدى مصداقيتها، وتطابقها مع العقل والمنطق والواقع الذى نعيش فيه.

 

فلتعلموا يا سادة أن الدين هو الإسلام وعماده هو كلمة لا إله إلا الله، وهى ليست مقولة مفرغة تُقال باللسان كما نتعامل معها نحن، إنما هى شهادة مهمة وخطيرة.. تلك الشهادة التى إن تمكنت بالقلب يقينًا فإننا لن نجد مَن يعصى الله طرفة عين، لأن شهادته بالحق على أن الله حق تجعل له من نفسه واعظًا يأمره وينهاه، ووَفقًا ليقيننا بشهادة أن لا إله إلا الله يكون سلوكنا ومسلكنا، وكلما زاد هذا اليقين ازددنا نحن حبًّا للحقيقة، وبغضًا للأكاذيب.
 

إن الصلاة قد شرعت بالأساس لكى تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولكننا أخذنا التفسير على الوجه الخاطئ، وذلك ليتماشى مع أهوائنا المريضة، وعقولنا المسدودة بالطين، فالمسلم لن ينتهى أبدًا عن فعل المنكر والمعاصى لمجرد أنه يؤدى الصلاة على هذه الصورة الآلية التى نؤديها عليها اليوم، ولقد أكد النبى ذلك عندما قال «مَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له»، إذن فالعكس هو الذى يجب أن يحدث، بمعنى أن المسلم لابد أن يكون مهيئًا ومستعدًّا للإقلاع عن الفحشاء والمنكر والبغى من تلقاء نفسه، لكن أن ينتظر أن تفعل له الصلاة ذلك أوتوماتيكيًّا فهو بالقطع أحمق، ولا يفهم تحت رجلَيه.
 

إن الذين ينتظرون من الصلاة أن تنهاهم، هم غالبًا يصلون صلاة لا ولن تنهاهم أبدًا، لأنها فى هذه الحال صلاة ذات ثمر ضعيف، أو بالأصح بلا ثمر يمكن معه تغذية هذه الحياة الجافة وتقويمها، نعم هى قد تكون مقبولة، لكنها بلا ثمرة طيبة، فللصلاة أثر اجتماعى لا يتوفر لمَن ينقرونها نقرًا، ولا يكون كذلك للمتعجلين لها، فالصلاة لابد أن يكون لها مردود إيجابى على سلوك الفرد فى حياته الشخصية وتعاملاته مع الناس، فلا يسرق ولا يزنى ولا يغتاب ولا يرتشى ولا يشتم ولا يرمى ورقة فى الشارع، ولا يجب أبدًا أن يصلِّى الفرض ثم ينخب الأرض، كما يقول المثل الفلاحى العظيم.
 

لذلك فالعمود المركزى للدين وذروة سنامه هو شهادة لا إله إلا الله، والله تعالى يقول: «فَاعلَم أنه لا إِلَهَ إلا الله وَاسْتَغفِرْ لذَنبِك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم مُتَقَلَّبكُم وَمَثواكُم» (محمد- 19)، فالعلم بلا إله إلا الله هو الدافع المركزى للطاعة والرضوان، ولا يكون دين الإنسان صحيحًا معافى إلا بها، وأكد ذلك النبى نفسه عندما قال: «مَن قال لا إله إلا الله دخل الجنة».
 

ولكى تتضح الصورة أكثر فلنرجع إلى بداية مشروعية الصلاة، وكلنا يعرف حكاية ليلة المعراج، ففى هذه الليلة فرضت علينا الصلاة، وذلك عندما وصل محمد إلى سدرة المنتهى، الغريب فى الأمر أن الرسول صلَّى بالرسل قبل أن يصعد إلى هذه السدرة، فبأية صلاة صلَّى النبى إذن؟ وإذا كان الأنبياء قد صلوا جميعًا صلاة موحدة، فلماذا لا يصلِّى اليهود والمسيحيون والمسلمون صلاة موحدة الآن، وذلك كما فعل أنبياؤهم الذين هم قدوة لهم وسراج منير؟
 

ومن المعروف أن الله فرض على النبى خمسين صلاة فى اليوم والليلة، ثم ظلَّت تتقلَّص وتتقلَّص حتى نزلت إلى خمس، وذلك بعد مفاوضات مع الله واستشارات من موسى الكليم، ولا نعلم لماذا موسى بالتحديد؟ ربما لأن المسلمين كانوا فى البداية يصلون بصلاة اليهود.
 

نحن لابد أن نندهش من هذه المداولات التى تتنافى تمامًا مع الطبيعة الربانية القاطعة والتى لا تعرف الفصال فى مثل هذه الأحكام المصيرية، هل من المعقول أن يكون الله قد غيَّر رأيه ولم ترضه الركعات القليلة التى كان يصليها المسلمون فقط فى الصبح والعصر، وصار غير مكتفٍ بها فقرر أن يجعلها خمسين صلاة فى اليوم والليلة، إلا أن محمدًا وبتوجيه من موسى يقوم بمراجعة إلهه حول عدد الصلوات، طالبًا التخفيف منها خمس ركعات فى كل مرة ودون أن يخجل منه ولا مرة، ما عدا المرة الأخيرة فقط، حيث احمرت فجأة وجنتاه خجلًا من ربه رافضًا مراجعته بعد تخفيفها إلى خمس مفروضة، أما لماذا قبِل الله تخفيض العدد فلأن موسى أخبر محمدًا خشيته من أن قومه لن يطيقوها بهذا العدد الكبير.
 

هل فات محمد الأمين أن يعلن فرض الصلاة على أمته أول ما تنزل عليه الوحى؟ أتراه أخذ يراقب ويتعلم من اليهود والفرس والصابئة ويستعير منهم أساليب الصلاة كما ذكرت بعض الروايات؟ كيف تكون الصلاة تشريعًا إلهيًّا بينما هى متغيرة تبدأ ناقصة ثم تزداد ولا تستقر، فدائمًا لدينا النوافل وإضافات يمكن لأى دارس للأدبيات الإسلامية أن يكتشف مدى التذبذب فيها، فكان المسلمون يتكلمون فى أثناء الصلاة ويدردشون حول الأسعار ومتاعب الأولاد ونكد الزوجات، وذلك حتى السنة الثانية للهجرة، بل نجد أن محمدًا تذكَّر متأخرًا أن الله زاد صلاة على المسلمين بعد أن كانت خمسين ثم قلَّصها إلى خمس، فخطر له أن يزيد سادسة! وذلك فى حديث النبى صلى الله عليه وسلم الذى رواه أحمد: «إن الله زادكم صلاة وهى الوتر فصلوها فى ما بين العشاء والفجر».
 

من هذا المنطلق لابد أن نفهم أن الصلاة وسيلة وليست غاية، إنما الهدف والغاية هو تحقيق اليقين الحقيقى بفريضة أن لا إله إلا الله، لذلك نرى فى أيامنا السوداء هذه مَن يقطعون حصر المساجد من كثرة الصلاة وقلوبهم أسود من الفحم ومسالكهم تتعدى إبليس نفسه، وما ذلك إلا لأنهم لم يتهذبوا بحقيقة إيمان لا إله إلا الله، فى حين نجد أناسًا لا يركعونها، لكنهم من أنفسهم ينهون عن الفحشاء والمنكر والبغى.
 

ولقد حذَّر الله أقوامًا يصلون، لكنهم مكذبون بالدين عمليًّا، وإن قالوا لا إله إلا الله وإن محمدًا رسول الله، لأنها لم تكن شهادة يقينية، وإنما كانت قولًا مفرغًا، وهو ما نجده ظاهرًا بقوة فى السلوكيات الغاشمة والمشينة من قبَل المتشددين وأصحاب الفكر الظلامى الذين فهموا الصلاة خطأ وأوصلوها إلى الناس بشكل أكثر خطأ، فيقول تعالى: «فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون».
 

ولقد درب الناس على المحافظة على أداء الصلوات، وكأن المطلوب هو أداؤها فى مواعيدها الروتينية وبخشوع فقط، بينما الأصل الذى أكده القرآن هو إقامة الصلاة، وليس مجرد الأداء الذى يتنطع به الكسالى فيقيمونها طقسًا من الطقوس المجردة من الروح والتأمل والحب.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..