المتحرشون الثلاثة.. إغفال الجريمة والاكتفاء بالمزايدة السياسية

طارق أبو السعد



المتحرشون الثلاثة.. إغفال الجريمة والاكتفاء بالمزايدة السياسية



التحرش جريمة دنيئة والأكثر دناءة منها التوظيف السياسى لها. للأسف الشديد شهد المجتمع المصرى اتهامات لثلاث شخصيات لامعة بالتحرش، ما بين داعية إسلامى يمت بصلة نسب إلى مؤسس «الإخوان»، وكاتب شهير مؤيد للحكومة المصرية، وإعلامى شهير. التوظيف السياسى للأسف لهذه القضايا الثلاث أربك الجميع، فبدلًا من إدانة الفعل «كفعل» استغل كل تيار القضية للنيل من مناوئيه فى أسوأ صورة للمكايدة السياسية.

 

التحرش فعل دنىء غير مقصور على فئة بعينها، فقد طال الإسلامى واليسارى والمؤيد، كما أنه ليس خلقًا خاصًّا لفئة ما، هو سلوك شاذ خاطئ يجب محاكمته وإدانته، أما التبرير للمتحرش فيسقط مصداقية منظومة الأخلاق فى المجتمع ككل.

 

هذه القضايا الثلاث كشفت عن الخلل فى منظومتنا القيمية، وأظهرت ميلنا إلى التبرير، فمن يمثِّلنا فكريًّا وسياسيًّا وينتمى إلى توجهاتنا ندافع عنه ونبرر له، ونهاجم الضحية ونتهمها بأقذع السباب، أما مَن يخالفنا فى توجهاتنا وميولنا السياسية فنحن جاهزون لاتهامه واتهام تياره واعتبار هذه السقطة (حتى لو لم يحكم القضاء فيها) دليلًا قاطعًا على فساد وسقوط المشروع السياسى المناوئ لنا، وما هكذا نؤسس لمنظومتنا الأخلاقية لمجتمعنا القادم، وما هكذا يجب أن ندير معاركنا السياسية أو الفكرية.
 

من المعلوم من الأخلاق بالضرورة أن المتحرش الذى يثبت عليه ارتكاب الفعل يوسم بأنه دنىء الخلق وغير أمين ويسقط مهنيًّا، لهذا فهذه التهمة ليست بالسهلة ولا الهينة، خصوصًا أنها تحتاج إلى طرف قوى قادر على مواجهة المجتمع الذى أحيانًا يميل إلى اتهام الضحية.
 

عندما اتُّهِم الإسلامى بأنه قام بارتكاب فعل التحرُّش الجنسى، لم يتوانَ المناوئون لـ«الإخوان» من تصدير صورته واسمه ملحوقًا بنسبه إلى جدِّه، وتم ترويج الخبر على أنه اتهام لـ«الإخوان»، وأن قيامه بالتحرش يعنى سقوط المشروع الإخوانى. وهلل كثير من النخب ومعهم اللجان الإلكترونية على صفحات السوشيال ميديا، وبالتالى تبعهم المتأثرون بهم، حتى بعد اعترافه بأنه مارس الجنس مع امرأة برضاها وأقر أنها ليست زوجته، فى محاولة للخروج من المأزق الذى تعرض له، فالقانون فى فرنسا يسمح بهذا الفعل للناضجين بإرادتهم، لكنه ضد مبادئ وقيم الإسلاميين، لهذا كان صمت الإخوان الرسمى وتبريرات لجان «الإخوان» تثبت انحيازهم لرجلهم لا انحيازهم للقيم.
 

ثم فوجئ المجتمع المصرى باتهام صحفية شابة للكاتب المؤيد جدّا للحكومة، والذى يعتبره كثير من المجتمع المصرى من «المؤيدين»، وكانت صدمة فى الوسط الإعلامى، وحدث معه مثلما حدث مع الإسلامى بالضبط، حيث اتهامات وشماتة، لا لشىء إلا لأن مؤيدًا للحكومة متهم بالتحرش، وحتى قبل حكم المحكمة بدأ الإخوان ومعهم المعارضون فى شن حملة تشفٍّ من الكاتب، وضد كل المؤيدين والسخرية منهم.. فى هذه القضية تم توظيف الحدث للنيل من النظام ومن الحكومة ومن الرئيس السيسى توظيفًا فاق كل الحدود، ولم يقف المؤيدون متفرجين، فرتبوا أنفسهم وقاموا بشن حملات مضادة تراوحت ما بين إنكار الواقعة أو اتهام الصحفية الشاكية بكل التهم الممكنة وغير الممكنة، إلى أن أصبحوا فى موقف شبيه من موقف الإخوان، وضاعت فرصة اتهام الفعل ومحاكمة التحرُّش ومناصرة الضحايا.
 

ولم ينتظر المجتمع كثيرًا، فقد انتشرت شائعة تمس إعلامى شهير، تقول الشائعة إنه تم طرده من القناة التى يعمل بها ويعارض من خلالها بعد قيامه بالتحرش بزميلته، التى لا يعرف أحد مَن هى ولا اسمها، ولا توجد أية قضيه ضده فى المحاكم المصرية أو فى الدولة التابعة لها القناة، وانفجرت براكين المؤيدين فى توجيه الاتهام إليه لا لشىء إلا أنه معارض، ونسوا كل المبررات التى ساقوها لتبرئة رجلهم!
 

نحن جميعًا ندين التحرش كفعل دنىء، لكن تفاوت التعامل معه فى مثل هذه القضايا الشهيرة يثير العجب ويؤدى إلى ارتباك التوجه نحو الفعل، وأضاع فرصة مجتمعية حقيقية لمحاكمة التحرش ودراسة أسبابه.
 

إن التوظيف السياسى للتحرش أمر قمىء، فالدفاع عن شخص ما أو اتهام شخص ما فى واقعة تحرش يجب أن يوكل إلى القضاء، والقضاء فقط، سواء أكان المتهم إسلاميًّا أم مؤيدًا أم معارضًا، وإذا حكمت المحكمة فالحكم عنوان الحقيقة.
 

ولا يجب أن نبرر للمتحرش ونهيل الاتهامات للضحية. ضاعت فرصة كان من الممكن لو أننا نتحلى بقليل من الحكمة أن نجد تصورًا عن التحرش وأسبابه، فنحن جميعًا ندين التحرش ونقر أنه جريمة، لكننا إلى الآن لا نملك تعريفًا محددًا، ولا نملك تصورًا واضحًا له، هل المغازلة البسيطة تحرش؟ وهل التلميح بكلمات معبرة عن مشاعر نبيلة تحرش؟ هل التلميح بكلمات معبرة عن رغبة جنسية مستترة أو معلنة تحرش؟ هل التلامس الجسدى هو التحرش؟ هل الالتقاء الجنسى بتوافق اثنين هو التحرش أو الاغتصاب؟ وهل التحرش يتوقف على اعتراض الطرف الآخر فقط؟ أم اعتراض المجتمع كذلك؟ أم اعتراض رب العمل أو والد الضحية؟ ثم ما الأدلة والإثباتات أو القرائن التى يجب على المدَّعى أن يقدمها، ليثبت أنه تم التحرش به/ بها؟ وما الأدلة أو الإثباتات التى يجب أن يقدمها المدعى عليه ليحصل على البراءة؟
 

الأمر مربك جدًّا، يا ليتنا أخذنا الموضوع مأخذ الجد وأقمنا دراسات أو أدرنا حلقات علمية حول هذه الجريمة.
 

أمر آخر أتمنى من الله أن يحدث، وهو أن نتوقف عن التشفِّى والشماتة بعضنا فى بعض، أو كما يقول المثل المصرى القديم: «لا تعايرنى ولا أعيارك، الهم طايلنى وطايلك».



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...