اللهم لا نسألك رد دخول المدارس ولكن نسألك اللطف فيه

سامح عيد



اللهم لا نسألك رد دخول المدارس ولكن نسألك اللطف فيه



العام الدراسى على الأبواب، وبعيدًا عن سقوط كل جدران الثقة بين الشعب والوزارة هناك حالة ارتباك شديدة وعدم دقة فى تصريحات الوزير، خصوصًا فى ما يخص النظام الجديد، فأجهزة التابلت ستُسلم فى أول سبتمبر، ثم منتصف سبتمبر، ثم منتصف أكتوبر، وسيُسلم 50 ألف تابلت فقط، ثم «مافيش تسليم الترم الأول»، ولا أعتقد أن هناك تسليمًا فى الترم الثانى، وقبل ذلك كانت أولى ثانوى داخلة فى التراكمى، وبعدين لأ، أولى ثانوى تجريبى مش داخلة فى التراكمى، وبعدين معرفناش ليه أجهزة التابلت لم تُسلم رغم الوعود، هل غرقت أجهزة التابلت فى البحر؟ هل مسؤول الجمارك «معصلج» لأنه كان عايز كام تابلت للأولاد يلعبوا عليها، أم أن الوزارة كانت متعاقدة مع مصنع تحت السلم فى الصين عشان توفر، ولم يستطع إنجاز مليون تابلت، أم أن أجهزة التابلت وصلت وكانت الفضيحة أنها رديئة وغير كفؤ للتعامل مع النظام الجديد، وأن الفضيحة ستكون بجلاجل والجرسة حتكون بحناجل وقالوا: بلا أخف من بلا؟!


وللأسف، لا أحد يعلم شيئًا على الإطلاق، ولم يُجب الوزير ولم يوضح كيف سيعمل المدرسون، لو نظام أولى ثانوى كلاسيك يعنى تكليف كنترول من شهر أكتوبر ليبدأ فى تسلُّم درجات أعمال السنة وامتحانات الشهور، وبالتالى ستكون هناك امتحانات ترم لأولى ثانوى عادى، وتصحيح ورقى وليس إلكترونيًّا كما كان مزمعًا، وبالتالى يستحيل أن يكون ترم أول «يدوى» وترم تانى «إلكترونى»، وسيكمل العام على نفس النظام، وعندها ستتغير الوزارة ونعود كما كنا آخر دولة فى التعليم، ولا مجال للتقدم لأننا سفلتنا الطريق إلى المدرسة، ولكننا لم نبنِ المدرسة بعد!
وخلينا فى المهم الذى يؤثر فى أولياء الأمور:

 

الزى المدرسى
لا أعلم من الذى ترك للمدارس الحكومية حرية اختيار الزى المدرسى؟ فأصبحت سبوبة كبيرة، وأنا أقول معلومات، فالزى المدرسى الواحد يُكسِب مئة جنيه على أقل تقدير بين سعر التكلفة وسعر البيع للطالب، والطالب يشترى طقمين على الأقل، غير سويتر للشتاء، وبالتالى فالمكسب من الطالب الواحد يصل إلى مئتى جنيه، ولو عدد الصف الأول الثانوى أو الصف الأول الإعدادى -مثلًا- ألف طالب، فيكون مكسب المدرسة 200 ألف جنيه -دون تعميم، فبالتأكيد هناك شرفاء- وهذه المبالغ تدخل جيوب جوقة المدرسة (المدير وحاشيته). ويبدو أن الوزارة تعرف هذا الأمر وتغض الطرف عنه لغرض فى نفسها، فمن المعلوم فى أروقة الوزارة أن مدير المدرسة هو عتبة المدرسة التى يمسح الداخل والخارج فيها قدمه، هذا مصطلح يعرفه المدير قبل الزائرين، ولا توجد حوافز مالية إلا 150 جنيهًا، لا تكفى لشراء كيلو لحم، فما الذى يجعل شخصًا فى الوزارة يقبل هذا المنصب بمساوئه دون مزاياه؟ فأى متابع يأتى إلى المدرسة يأخذ المدير إلى الحمامات ويعاتبه أو يوجه إليه التقريع، ويضع يده على الدواليب وعلى ترابزين السلم ليُظهر ما بها من أتربة ويوجه إليه التقريع. وأولياء الأمور لا يمر يوم دون اشتباك لفظى بين أحدهم والمدير، وكثيرًا ما يحدث اشتباك بالأيدى ومحاضر وأقسام، وأنا أتحدث عن واقع عايشته وكنت طرفًا فى بعض تفاصيله، ناهيك بمشكلات الطلبة وإصابات تحدث بسبب الاشتباكات أو مشكلات أخلاقية واعتداءات جنسية، وغيرها من الأمور التى تكون محلًّا لتحقيقات النيابة. وفى كل هذه الأحداث يكون المدير متهمًا رئيسيا بالإهمال وعدم المتابعة، فمَن سيتحمل هذا دون فوائد جانبية؟! وأعيد التأكيد بعدم التعميم، ولكن المنظومة الموضوعة تشجع أصحاب النفوس الضعيفة على التقدم لشغل هذه الوظيفة، وتتراجع بالكفاءات، سواء فى المادة العلمية أو على المستوى الأخلاقى، إذ تنأى بنفسها عن هذا المستنقع.

 

وبمنتهى البساطة فالوزارة قادرة على توحيد الزى المدرسى على مستوى المدارس الحكومية، أو حصره فى لونين أو ثلاثة وسادة؛ لأن المدارس تتفنن فى ألوان غريبة وخطوط عرضية أو طولية توضع على الزى، حتى يكون توفير الزى من مكان آخر غير المدرسة عائقًا أمام الطالب.

 

التحويلات
لم يعد السكن الثابت أو شقة العمر، كما فى الماضى، هو الأساس، فكثير من الأسر تتحرك بشكل دائم بسبب عمل الوالد أو الأم، أو بسبب الانتقال إلى المدن الجديدة حيث الإسكان الاجتماعى أو طبقات الإسكان المختلفة التى توفرها الحكومة، ناهيك بالقطاع الخاص، وبالتالى يتغير محل السكن. ولأن تكلفة المواصلات والأوتوبيسات المدرسية ارتفعت ارتفاعات فلكية فى العامين الماضيين، فيكون الانتقال إلى المدرسة الأقرب هو الخيار الاستراتيجى لتوفير الوقت والمال. وهنا وضعت الوزارة إصبع ولى الأمر تحت ضرس المدرسة، فأتاحت للمدرسة أخذ الأموال تحت مسمى المشاركة المجتمعية، سواء أكانت هذه التبرعات عينية أم مادية، والبديل أن المدرسة ترفض لزيادة الكثافة، وهذا واقع، فالكثافة كبيرة فى كل المدارس، ووصلت هذه التبرعات إلى ألوف مؤلفة، وكل مدرسة حسب مكانتها وسمعتها، وفى الأغلب الأعم فإن هذه الأموال لا تسجل فى سجلات مالية، وتصبح تحت تصرف جوقة المدرسة، سواء صرفتها فى شؤون المدرسة، وهذا هو الأضيق، أو ذهبت إلى جيوب جوقة المدرسة، وعلى رأسها المدير.

 

هل الوزارة غائبة عن هذه الأمور؟ للأسف لا، هى تعلمها جيدًا، ولكن لأن المنظومة متكاملة، ودون تعميم فإن المدير يدفع لمدير الإدارة ليستمر فى موقعه على شكل هدايا وجنيهات ذهبية فى عيد ميلاد «بوبوس» (فيلم عادل إمام الشهير)، أو عيد ميلاد «أم بوبوس»، أو هدية عبارة عن عدة أيام فى شاليه فى الساحل الشمالى، أو الجونة أو شرم الشيخ، يملكه المدير أو أحد أقاربه، إن كان مقام المدرسة مرتفعًا، وتتوالى الأمور صعودًا، وكل برغوت على قد دمه.
 

هناك السرقة شبه الشرعية، بمعنى أن المدارس التجريبية تجمع أموالًا كبيرة، فالمدرسة الرسمية تتقاضى ما يقترب من الألفى جنيه من الطالب فربما تجمع المدرسة عدة ملايين من الطلاب، يحق للمدرسة أن تصرف هذه الأموال على حجرات المدرسة وتطوير التكنولوجيا فيها، وصيانة الحمامات والديسكات وغيرها من الأمور، ولكن من الممكن أن تترك المدرسة متهالكة وتعيد تلك الأموال للإدارة، وبالتالى فإن الإدارة تصرف جزءًا من هذه الأموال كحوافز وتدفع جزءًا منها صعودًا إلى المديرية، وهكذا دواليك، فكل يأخذ حقه ونصيبه من الكعكة، وتُترك المدارس على وضعها، تسوء عامًا بعد عام، وكل يحافظ على موقعه وعلى مكتسباته.

 

المجموعات المدرسية
هى دروس خصوصية أعطتها الوزارة مشروعية لأنها ينوبها من الحب جانبًا، فجزء من هذه المجموعات يذهب بشكل شرعى للإدارة، وجزء يصعد للمديرية، ويذهب للوزير جزء بشكل شرعى، فلدينا فى المدارس 22 مليون طالب، لو وصل من كل طالب جنيه فقط للوزارة فنحن نتحدث عن 22 مليون جنيه للوزارة فى الشهر، الجزء الأكبر منها للوزير ذاته، وعليهم أن يطلعونا على ميزانية هذه المجموعات بشكل شفاف إن كانوا شجعانًا، وأصبح العُرف فى المدارس أن المدرس يعطى دروسا خصوصية كما يشاء فى السناتر أو البيوت، ولكن يجب عليه توريد جزء يتفق عليه حسب كل مدرسة كمجموعات مدرسية حتى تنال المدرسة الرضا، ولا تطول المدرسة لجان المتابعة والنكاية بالمدرسة «ادفع حتى تمر».

 

المدن الجديدة 
لا توجد مشكلة أراضٍ، فالأراضى على الخريطة موضوعة كمدارس ولم تُبنَ، ووصلت الكثافات فى المرحلة الثانوية إلى الـ80، وفى الإعدادى والابتدائى تجاوزت المئة، وهناك مدارس فترتين، هذه جريمة تتحملها أجهزة المدن، خصوصًا أن المدن الجديدة دخولها كبيرة بسبب المصانع وغيرها من الأموال التى تُدفع تحت تصرف مجلس الأمناء، ولكن يتم العبث بها فلا توجد مستشفيات جيدة وكافية، ولا توجد مدارس كافية رغم وجود مكانها على الخريطة. لك الله يا مصر.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.