ضراوة الواقع وظلال الماضى

حسين عيد



ضراوة الواقع وظلال الماضى



«نتاليا» هى الراوية والشخصية المحورية فى رواية «ساحة الماس» لـ«ميرثى رودريدا» التى ترجمها طلعت شاهين، وصدرت طبعة جديدة عام 2015 عن دار اليمام بالكويت.

وهى فتاة «وحيدة» تحمل على كاهلها منذ طفولتها ظلال فشل تجربة زواج أبويها.

وبعد أن ماتت أمّها تزوج أبوها من جديد، فهجرت «نتاليا» البيت وعملت بائعة فى محل حلوى، لكن عندما عرض عليها «بيرى» «الوديع» الخطوبة لم تتردد فى القبول.  


يبرز ملمح رئيسى فى شخصية «نتاليا»، فهى فتاة «خام» بريئة، أو «على نيّاتها»، بمعنى أن التجربة لم تُصقلها بعد.

ظهر هذا الملمح خلال ذهابها للرقص مع صديقتها فى «ساحة الماس» مرتديةً ملابس «بيضاء» رمز النور، النقاء، الطهارة.

وهناك قابلت «كيميت»، الذى دعاها إلى الرقص. كان «كيميت» يمثل الوجه «المقابل» لها، فإذا كانت هى تمثل السكون فهو إعصار هادر.

وقد أحسّت بالخطر وهى ترقص معه، حيث لم تكن هناك أمّها الراحلة لتقدّم لها النصيحة.

وحين أخبرته بأمر خطيبها، ضحك وهو يخبرها بأنها ستكون زوجته ومليكته خلال عام واحد!
وسرعان ما تحقق وعده، حين اجتاحها إعصار «كيميت»، فانجذبت إلى سطوته.

وسرعان ما توضحت لها طبيعته بعد الزواج عندما بدأ يعذبها بشكوكه، وهو ما اضطرها إلى الانصياع له خوفًا من غضبه.

وكانت ثمرة الزواج طفلين هما «أنطونى» و«ريتا».


بدت أحداث وتطورات الحرب الأهلية الإسبانية «1936- 1939» بشكل غير مباشر فى «خلفية» الرواية، وإن انعكست آثارها واضحةً جليّةً فى الحياة اليومية للأفراد التى شغلت «صدارتها»، حيث تدهورت أحوال الأسرة فقرر «كيميت» التحوّل إلى بيع أفراخ الحمام، رمز السلام المحاصر فى زمن الحرب.

بينما أقبلت «نتاليا» على العمل خادمةً حتى تعول أسرتها. ثم تطوّع كيميت وصديقاه مع الثوار ورحلوا بعيدًا، وتدهورت الأوضاع أكثر فاستغنت الأسرة التى تعمل لديها «نتاليا» عن خدماتها، فوقف بجانبها «أنطونى»، البقّال الطيب، ثم تزوجها، خصوصًا بعد أن وصلها خبر موت «كيميت» وصديقيه، فانتقلت إلى بيته مع ولديها، فكان ذلك إيذانًا ببدء مرحلة جديدة، لكنها بدلاً من أن تنعم بحياتها الجديدة، إذا بظلال «الماضى» تطاردها، فماذا لو أن «كيميت» لم يمت ورجع؟! لابد أنه سيحرق كل شىء.


وترك البقال لولديها حرية اختيار مستقبليهما، فاختارت «ريتا» أن تعمل مضيفة على الطائرات وتتزوج، وأقبل «أنطونى»، دون خوف، على قضاء فترة تجنيده فى الخدمة العسكرية فى برشلونة بعيدًا عن البيت. كان ولداها قد تجاوزا الماضى فعلاً واستقلّا بحياتهما.


وفى ليلة عرس ابنتها، أحسّت «نتاليا» أنها قد أصبحت «وحيدة» ثانيةً؛ وهو ما ضاعف شعورها بخطر «الماضى» الذى يتهدد حياتها المستقرة، فكان حتمًا أن تواجه شبحه، فانطلقت راجعة إلى «جذور» ماضيها، إلى البيت «القديم» الذى عاشت فيه مع «كيميت»، حيث حاولت أن تفتح الباب، لكنه لم ينفتح، فسارت مستندة إلى الجدران إلى «ساحة الماس» حيث بدأت علاقتهما. كانت جدران البيوت تتمدد إلى أعلى ثم تتلاطم، وشعرت بزوبعة تنطلق، فصرخت صرخة كالجحيم.

كانت الصرخة دليل انفجار مروّع لمخزون عمر كامل من المعاناة والكبت، وتكشّف «الواقع» كما هو دون تأثير من ظلال الماضى، فتذكرت «أنطونى» الذى أظلّها سنوات طويلة، دون أن تشكره على شىء، فآبت ثانيةً إلى البيت، إلى دفء الفراش بجوار زوجها الذى كان يرتعش، فمدّت ذراعها واحتضنته، وبدأت قدماها تشعران بالدفء، وناما على هذا الوضع!


قال جابرييل جارسيا ماركيز عن هذه الرواية إنها «الرواية الأجمل من بين ما نُشر فى إسبانيا منذ الحرب الأهلية».



أقرأ أيضا

البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.