عينوا المحافظين ثم بدؤوا تدريبهم على الشغل




عينوا المحافظين ثم بدؤوا تدريبهم على الشغل



كان خبرًا غريبًا فعلًا، بل صادمًا جدًّا!

فما معنى أن يفتتح اللواء محمود شعراوى وزير التنمية المحلية، السبت الماضى، ورشة «عمل تعريفية» تُعقَد على مدى يومين، تنظمها وزارته لتدريب المحافظين، لمراجعة المهام الأساسية للمحافظ والأُطر القانونية والسياسات المنظمة لهذه المهام كما يحددها قانون الإدارة المحلية، فى سبيل سعى الدولة المصرية نحو التوسُّع فى تطبيق اللا مركزية خلال السنوات المقبلة؟! وما معنى أن يُدرّب المحافظ على شىء بعد توليه مسؤوليته؟! أفليس هنالك توصيفٌ وظيفى ينبغى أن يكون المحافظ على دراية به قبل توليه المسؤولية التنفيذية؟! ولماذا –إذا كان الأمر تدريبًا والسلام!– لم تختر الحكومة، قبل إعلان الحركة الجديدة للمحافظين، أسماءً متعددة الأطياف والمهارات، ثم تعقد لهم دورة أو دورات تدريبية، على أن يكون فى نهايتها امتحانات ومقابلات، يتم اختيار الأصلح الأنجح من المتدربين ليتولوا المسؤولية؟! بل لماذا تلجأ الحكومة إلى التدريب، بالأساس، وهى فى استطاعتها أن تتخلّى عن المعايير والآليات التقليدية والمرعية منذ عقود، عند اختيار محافظين جدد، بحيث توسّع دائرة الاختيار، فلا تقتصر على الجيش/ الشرطة، والقضاء، والجامعات؟! كما أن الأهم من ذلك هو، هل اليومان كافيان لتدريب المحافظين الجدد؟!

 

معنى ذلك أن الحكومة، إذا جاز التعبير، قد رشّحت أشخاصًا ثم اختارتهم كمحافظين دون أن تكون ثمة معايير أو تدقيق، ولو نسبى، فى مراجعة التوصيف الوظيفى لأولئك المحافظين، ولعلّ «أحدهم» سيخرج وهو منتفخ الأوداج ليتّهمنا بأننا نتربّص ونُعارِض لمجرّد حبّ المعارَضة فقط، خصوصًا أن الحكومة كانت قد أكدت قبل الإعلان عن حركة المحافظين الجديدة، أن هناك معاييرَ أهمها: الكفاءة والخبرة والنزاهة والحِسّ السياسى والدراية بقانون الإدارة المحلية الجديد، وهو ما يجعلنا نتساءل عن جدوى تلك الكلمات والمصطلحات الرنّانة، بعد إذ أُعلنت الحركة الجديدة، فتبيّن من خلال أسماء وخبرات المحافظين البالغ عددهم 21 محافظًا، ممن عُيّنوا، أن لا جديد تحت الشمس، فتلك الحركة الجديدة لم تختلف كثيرًا عن سابقاتها منذ عقود، فالمحافظون الذين رحلوا لم نعرف، وربما لم يعرفوا هم أيضًا، لماذا أُقيلوا، والذين عُيّنوا لم نعرف، ولربما هم أنفسهم لا يعرفون، لماذا وقع الاختيار عليهم دون غيرهم (..)، فكلهم ما بين لواء (جيش أو شرطة) أو مستشار قضائى أو أستاذ أكاديمى، لا يكاد يوجد بينهم مَن مارَس السياسة ولو من خلال اتحاد الطلاب، أو خاض مجال العمل العام، أو كان ذا خبرات ولو قليلة فى مجال المحليات، ما يعنى أنّ معظم خبراتهم ترتكز فى مجال وظائفهم الأساسية سواء فى الجيش أو الشرطة أو القضاء أو الجامعة، وبالطبع فإن ذلك كله لا يصلح لإدارة «دولاب» المحليات المعقَّد، ومعايير نجاحهم فى وظائفهم الأصلية لا تتطابق بالضرورة مع المعايير المطلوبة فى المحافظ المسؤول عن إدارة الإقليم المنوط به إدارة تنفيذية شاملة!
 

ولا أدرى عن أى حِسّ سياسى يؤكد مسؤولو الحكومة إيّاه؟! إذ بعد الاطلاع على العمل فى إدارة المحليات وشؤون الحكم المحلى، نجد أنهم بعيدون كل البعد عن السياسة، بل عن الحسّ السياسى أيضًا، فضلًا عن جهلهم كلهم بقانون الإدارة المحلية، سواء القديم الذى توقّف العمل به بعد أحداث يناير 2011، أو الجديد الذى يحتفظ الدكتور علِى عبد العال رئيس مجلس النواب، بنسخة منه فى «درج» مكتبه بالبرلمان إلى أن يجدّ جديد، فتبدأ مناقشته ثم إقراره والموافقة عليه، تمهيدًا لإجراء انتخابات محلية تُعد هى الأولى فى البلاد منذ عام 2008!
 

ولعلّ أول شىء يدلّ على «تغييب» المعايير حال اختيار المحافظين، هو إقالة عدد كبير من المحافظين القدامى ولمّا يمر على أغلبهم سنتان فى مناصبهم، وهو ما يحدث فى كل حركة تغيير، ما يعنى أن القيادة السياسية تعترف عمليًّا بأن الاختيارات السابقة كانت «عشوائية»، ولو بمقدار، وأن الآليات والمعايير المتّبعة والمعتمَدة فى اختيار المحافظين ليست كافية، وليست خاضعة للمقاييس السياسية والإدارية الواجب اتباعها، ولا أدلّ على ذلك من أنّ تعيينات المحافظين السابقة شملت عددًا كبيرًا من لواءات الجيش والشرطة والمستشارين وأساتذة الجامعات، ومع ذلك فقد أُقيلوا فى الحركة الجديدة، ليحلّ محلهم لواءات ومستشارون وأساتذة أكاديميون جددًا مرة أخرى، وكأننا ندور فى حلقة جهنمية، لا ندرى أولها من آخرها، فإذا أضفنا إلى ذلك كله أن الفساد، الذى اعترف الرئيس السيسى أنه موجود بكثرة فى المحليات، لم ينتهِ ولم يتلاشَ ولم يتقلّص، مع وجود هذا العدد الضخم من اللواءات والمستشارين، تخصيصًا، كمحافظين، أدركنا أن آليات الاختيار يشوبها عوارٌ جدّ كبير، الأمر الذى يستلزم الخروج من أسْر التقاليد البغيضة المتوارَثة من العهود السالفة، والابتعاد عن اختيار المحافظين من داخل المؤسسات الثلاث المعروفة للجميع، وهى الجيش/ الشرطة، والقضاء، والجامعة، ولك أن تتخيل –عزيزى القارئ– أن الحركة الجديدة، أو حتى الحركة التى سبقتها، لم يُعيَّن فيها أى سكرتير محافظة أو رئيس مدينة أو حى، كمحافظ!
 

ولأن سلطات المحافظ فى مصر، حتى هذه اللحظة قبل صدور قانون الإدارة المحلية الجديد، محدودة للغاية، فلا يستطيع محافظ مهما كان فرض ضرائب لزيادة إيرادات محافظته، مثلًا، ولا يستطيع محافظ فتح وتشغيل قصر ثقافة داخل حدود محافظته، مثلًا، لأن أجهزة الدولة الإدارية فى المحافظات كلها إنما هى أجهزة تابعة للوزارات المركزية فى القاهرة، ولربما لهذا الأمر فإن المحافظين يعتمدون على تسويق أنفسهم إعلاميًّا أو من خلال توثيق أواصر الصلة بالوزراء، ومما يؤسف عليه أن بعض المحافظين بدؤوا فى استغلال السوشيال ميديا ومنصات التواصل الاجتماعى فى ذلك، فقد استغلّ بعض المحافظين (البوابات الإلكترونية) على السوشيال ميديا، الخاصة بمحافظاتهم، استغلالًا دعائيًّا كاذبًا، لا لشىء سوى لتسويق أنفسهم إعلاميًّا، ولقد سبق أن أشرتُ إلى أن محافظ الشرقية السابق المُقال، خالد سعيد، قد بالغ فى استخدام البوابة الإلكترونية لمحافظته، خوفًا من إقالته وتسويقًا لأعماله، خلال الشهور الأخيرة السابقة على إقالته، لكن ذلك لم يشفع له، ليأتى خلفه المحافظ الجديد الدكتور ممدوح غراب، فينهج النهج نفسه، ويبالغ فى استخدام الدعاية من خلال البوابة الإلكترونية، التى تسوّق لأعمال ونشاطات وفاعليات وهمية، ما أن يقرأها المواطنون حتى يعجبوا ويتساءلوا فى ما بينهم: هل نعيش على أرض تلك المحافظة أم فى محافظة أخرى؟!
 

إن ما نرجوه، خلال الشهور القادمة، أن يعالج قانون المحليات الجديد مشكلة تغييب معايير اختيار المحافظين، لأنه وضع ضوابط اختيار المحافظين ونوابهم والكوادر التى تعمل داخل المحافظات بطريقة صحيحة وبشكل منظم، وتفعيل اللا مركزية للقضاء على البيروقراطية والفساد الإدارى، ولو جزئيًّا، فهل سنرى ذلك قريبًا؟!



أقرأ أيضا

دماغ

رسالة إلى سعيد مهران: العالم الآن.. للأشرار الكبار فقط

الله يرحمك يا سعيد، فأنت غلبان وضحية ومجنى عليه، لهذا كان لابد أن تموت. ودعنى أختم رسالتى لك بكلماتك التى قُلتها للقاضى فى أثناء حلمك بمشهد محاكمتك: «لو دورتوا.. حتلاقوا كل اللى عندهم قلب مجانين».
يرحمكم الله

كلب الخليفة المقتول

فى أواخر شهر أكتوبر 2019، أُزيح الستار عن أحد أبرز المشاهد دلالةً فى تاريخ الإسلام السياسى، فقد استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى البيت الأبيض، الكلب الذى شارك فى عملية قتل الخليفة الداعشى أبى بكر البغدادى...
البلد

الأكثر تأثيرًا عام 2019.. اخترنا لكم من قائمة «تايم 100»

فى عام 2016، كان الوضع فى إثيوبيا غايةً فى السوء، كانت الناس تُقتل وكان كثيرون فى السجن، وأردت أن يعرف العالم ما تقوم به الحكومة. لذلك، رفعت يدَىّ أعلى رأسى فى علامة «X» فى أثناء عبورى خط نهاية ماراثون 2016 فى أوليمبياد ريو، وهذا للتدليل على أن الشعب الإثيوبى يريد أن يوقف القتل والسجن، فنحن لا نريد ديكتاتورية.
البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
فن

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.