كيف تحوّل الدين من المرونة إلى الصلابة؟

سامح عيد



 كيف تحوّل الدين من المرونة إلى الصلابة؟



إنها الصناعة التى امتدت قرنين من الزمان، وبشكل كبير من خلال الدولة الأموية والدولة العباسية، ففى ظل الصراع السياسى الكبير بين الدولة الأموية والإمامية الشيعية، التى استطاعت أن تصك العقل الشيعى بامتداد تواصل السماء مع الأرض عن طريق الأئمة، بمعنى امتداد الرسالة ودوامها ولا حاجة لهم بأحاديث قولية؛ لأن الرسالة متواصلة عن طريق الأئمة ولم تنتهِ، حتى بعد الإمام الغائب، فوصلوا إلى حل وسط بين امتداد الرسالة عن طريق الأئمة، إلى درجة من درجات الإلهام عن طريق المرجعيات الدينية، فى الوقت الذى صكت فيه الطائفة الشيعية عقيدتها وكان لها أتباع كثر لانتماء هؤلاء الأئمة إلى بيت رسول الله، وفى ظل صراعهم السياسى الممتد مع الدولة الأموية ومن بعدها بالدولة العباسية، شرعت الدولة الأموية لإعطاء شرعية لبقائها وحكمها ولعدم قدرتها على صناعة الغنوصية الإمامية التى صنعها الشيعة، فلم يكن أمامهم إلا استنطاق النص الأساسى وهو استنطاق النبوة نفسها، بأحاديث تثبت سلطتهم من ناحية «الأئمة من قريش» قريش فى المطلق، دون الولاية لعلى عن طريق حديث غدير خم، وبأحاديث أخرى، تحرم وتستبيح دماء الخارجين عليهم، وافتكسوا العقيدة الجبرية، التى تجعل الأفعال هى خلق الله، وأنهم غير مسؤولين عن أفعالهم؛ لأن الله هو خالقها، وأنها قديمة ومكتوبة، وبذلك فهى قدر الله، وقاتلوا فى تثبيت تلك العقائد والمفاهيم، ولتأسيس تلك الصناعة كان لا بد من تحويطها بمنظومة متكاملة بدأت بالروايات الشفهية لتلك الأحاديث، ولإعطائها الصبغة الدينية، تم تحويطها بأحاديث كثيرة عن الصلاة والحج والصيام وكثير من الأمور والسير والمغازى، وهذه فلسفة علمية حديثة نظَّر لها الإعلاميون الجدد، وقالوا إذا أردت أن تكذب، فلتبث عشرة أخبار، تسع منها صادقة وصحيحة، فقد تم ضخ المئات والآلاف من الأحاديث بل ملايين ربما يكون أغلبها صحيحا تخص العبادات والمعاملات والمواريث وغيرها، وفى خضم تلك الأحاديث يتم ضخ مايراد ضخه، من أمور تثبت السلطة السياسية، وتحرم الخروج عليها، وتؤسس للطاعة، حتى ولو كان الأمير فاسقًا أو فاجرًا أو حتى فاسد العقيدة، وكان الخلاف بينهم وبين الخوارج كبيرًا فى توصيف مرتكب الكبيرة ووصفة بالكفر أو الإيمان، مما حدى بالمعتزلة إلى فكرة المنزلة بين المنزلتين، وكل المشكلة، أن كثيرا من الخلفاء كانوا من المجاهرين بالكبائر، فالخمر كان يملأ قصور الخلفاء، ولم يكونوا فى حاجة إلى الزنى؛ لأن الفقهاء أباحوا لهم التملك المطلق للسرارى والجوارى، فكان القصور تمتلك المئات من الجوارى وكان أجملهم فى قصور الخلفاء، وتحولوا إلى الآلاف فى الدولة العباسية، مختارين بعناية من السبايا القادمة من الغزو، ولتحصين تلك المنظومة، تم صك ما يسمى بعلم الرجال، وهو علم الجرح والتعديل لضخ نصف مليون راوٍ ليتم اصطفاء من اصفطاء من اصطفاء، حتى يغلق الأبواب أمام الأجيال اللاحقة، وتصنف الكتب فى الموضوعات وفى الضعفاء، بحيث لا يترك لك باب للإفلات ويمارس سلطته على الحاضر وعلى المستقبل لتأتى المنظومة الفقهية بصياغة ما يسمى مصادر التشريع، وتجعل منه الإجماع والقياس والاستحسان، وتقلص المساحة المتروكة للمستقبل، بإغلاق كل منافذ العقل، لتصادر حق الله فى الاستخلاف فى الأرض، فكلنا مستخلفون، ومن العبث أن يمارس مستخلف سلطة على مستخلف مثله، وخاصته من غير زمانه ومن غير مكانه، وخصوصًا إذا كان قادمًا من الماضى السحيق، وكذلك فيه ادعاء أن الرسول الكريم، لم يكن أمينًا فى تبليغ الرسالة، فلماذا أسر مثلاً لأبى بكرة «وهو صحابى بخلاف أبو بكر الصديق» بأن لعن الله قوما ولوا شؤونهم امرأة، كيف يسر بتشريع مثل هذا لشخص ليس من أعلام الصحابة، وكل أحاديث الآحاد هى على نفس هذا النسق إسرار لشخص أو شخصين غالبًا ليسوا من كبار الصحابة، على أمور هامة تمثل تشريعا للأمة وإلزاما لها، وهذا اتهام خطير للنبوة، مع العلم أن المسكوت عنه فى الشريعة مقصود وهو تشريع فى حد ذاته، فقد قال رسول الله:


«ما أحل الله فى كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا ثم تلا هذه الآية: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا » [مريم: 64]»، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال البزار: إسناده صالح. «إن كان الحديث صحيحاً، فمعظم الأحاديث القولية ظنية، هذا رأيى الذى اعتمدته من الأئمة».


ولكن من الناحية العقلية، كل مسكوت عنه فهو مباح، ولكن الفقهاء القدامى لم يعجبهم هذا البراح، وكانوا يسألون، حلال أم حرام، فبدأوا يمارسون سلطة ليست من سلطتهم وهى التحليل والتحريم لأشياء لم يحرمها الله فقيدوا مساحة المسكوت عنه وبدؤوا ممارسة التأويل والاستنتاج، والقياس، ونظَّروا لها وجعلوها مصادر تشريع، وإن كان هذا رأيهم وهذا حقهم، ولكن أن يمارس الماضى سلطته علينا وعلى النص ذاته فهذا افتئات على عقولنا وعلى زماننا، من أراد أن يقبل تلك الوصاية فليقبلها على نفسه، ولكن ليس من حقه أن يمارس سلطته وسلطة الماضى علينا، فلا يلزمنا إلا القرآن والسنة المتواترة، وليست السنة الآحادية، والقرآن ما يلزمنا هى الآيات الصريحة المحكمات، بما يسمى قطعية الدلالة، أما التأويلات واستبطان الآيات فهى آراء غير ملزمة وتحركنا من المقدس إلى البشرى، أى استنطاق لباطن الآية فهو بشرى بامتياز، ولو حتى حظى بإجماع من سبقنا، مع تأكيدنا، أن مفهوم الإجماع مختلف على حجيته وعلى تعريفه، وأنا أتبنى عدم حجيته، ولكن أتبنى إجماع الحاضر، وهو إجماع البرلمانات المنتخبة على التشريع لنا بما تراه مناسبًا لزماننا ومكاننا، وهو إجماع متغير، فما نشرعه اليوم كبشر، من حقنا أن نعدله غدًا ونلغيه بعد غد، إنها الحرية الإنسانية التى كفلها الله لنا واستخلفنا لممارستها على أنفسنا، وليس من حقنا أن نحكم بها مستقبل أطفالنا، فمن حقهم أن يعدلوا ويغيروا كيفما شاؤوا.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.